ANMELDEN441رفعت عيني نحو الباب، فتجمدت للحظة عندما رأيت ليث واقفا هناك وإلى جواره يزن، وكان ليث يحدق بنا بصمت، بينما ظلت ملامحه جامدة بطريقة لم أفهمها، وكأن شيئا في المشهد أمامه لم يعجبه على الإطلاق... أما يزن فكان ينظر إليه بين لحظة وأخرى، وكأنه أدرك سببا لغضبه لم أفهمه أنا بعد... ابتسم جاسر ما إن رآهما، ثم قال بأدب:ــ مرحبا، سيد كاستيللو... وأعتذر إذا كنت قد أزعجتكم بوجودي هنا.ظل ليث ينظر إليه للحظات دون أن يجيبه، ثم بدا وكأنه سيتحدث، لكن يزن سبقه بسرعة وهو يبتسم:ــ لا، على الإطلاق، لا يوجد أي إزعاج، والأهم الآن أن تستريح حتى تتحسن حالتك.رمقه ليث بنظرة جانبية، ثم عاد ينظر إلى جاسر بصمت، بينما تجاهلت وجوده تماما، وأخذت الدواء من فوق الطاولة، ثم اقتربت من جاسر وأعطيته إياه:ــ خذ هذا، وبعدها يجب أن تنام قليلا.أخذه مني، ثم ابتسم وقال:ــ حسنا، أيتها الطبيبة.ضحكت رغما عني، ثم قلت وأنا أهز رأسي:ــ لو كنت تستمع إلى نصائحي من البداية، لما كنت الآن بهذا الشكل.ضحك جاسر، ثم استلقى بهدوء، بينما اقترب يزن منه وقال:ــ اذهبي أنتِ واطمئني على ليان، سأبقى معه حتى ينام.نظرت إليه بابتسامة ممتنة، ث
440ما إن وقعت عيناي على الكأس بين يديه حتى اتسعت عيناي بصدمة، فقد كان ليث يجلس على الكرسي بهدوء وكأنه لم يخرج منذ فترة قصيرة من العناية المركزة، وكأن تحذير الطبيب له من تناول أي شيء قد يضر بحالته لم يكن يعنيه على الإطلاق... اندفعت نحوه بسرعة، وانتزعت الكأس من يده قبل أن يتمكن من شرب المزيد، ثم حدقت فيه بغضب شديد وأنا أقول:ــ اللعنة عليك.. ماذا تفعل؟!رفع عينيه نحوي ببرود، وكأن ما يفعله أمر طبيعي تماما، ثم قال دون أن يهتم بغضبي:ــ أشرب.حدقت فيه للحظات غير مصدقة، ثم رفعت الكأس أمام عينيه وقلت بانفعال:ــ تشرب؟! أنت هكذا تنتحر ببطء.. ألم يقل لك الطبيب إن الكحول ممنوع عليك؟ لقد خرجت من العناية المركزة منذ وقت قصير، ومع ذلك تجلس هنا وتشرب وكأن شيئا لم يحدثمد يده نحوي محاولا أخذ الكأس، لكنني أبعدتها عنه بسرعة، فزفر بضيق وقال ببرود:ــ وما شأنك أنتِ؟ أنا حر.شعرت بالغضب يشتعل داخلي من كلماته، فاقتربت منه أكثر وقلت بحدة:ــ لا، لست حرا عندما يتعلق الأمر بصحتك الطبيب أخبرك بما يجب عليك فعله، وأنت تتصرف وكأن حياتك لا تعني لك شيئانظر إليَّ للحظات، ثم قال بلا مبالاة:ــ قلت لكِ... ما شأنك؟
439ما إن انتهت الصفعة حتى شعرت بيدي ترتجف، لكنني لم أهتم بالألم الذي بدأ يتسلل إلى كفي، ولا بالصدمة التي ارتسمت على وجه ليث، فقد كان كل ما أراه أمامي هو ليان ودموعها التي لم تتوقف... اندفعت نحوها بسرعة، وانحنيت أمامها ثم جذبتها إلى صدري، وضمتها بذراعي بقوة، وكأنني أحاول أن أحجب عنها كل كلمة سمعتها قبل لحظات: ــ تعالي إليَّ يا عزيزتي...دفنت ليان وجهها في صدري، وما إن شعرت بارتجاف جسدها حتى ازداد خوفي عليها، فمررت يدي على شعرها وأنا أحاول تهدئتها، لكنني لم أستطع منع نظراتي من التوجه إلى ليث بين لحظة وأخرى. كان لا يزال واقفا في مكانه، يحدق بنا بصمت، وكأن الصفعة أخرجته من حالة الغضب التي كان يعيشها قبل دقائق بدأ الجميع يتجمعون بعدما سمعوا ما حدث، وكانت مارسيلا أول من اقترب، وما إن فهمت ما قاله ليث حتى نظرت إليه بغضب شديد وقالت:ــ كيف تفعل هذا أيها الوغد؟! كيف استطعت أن تقول لها شيئا كهذا؟!لم يجبها ليث. وللمرة الأولى منذ أن خرجت من الغرفة، لم أجد في عينيه ذلك الغضب الذي اعتدته منه، بل بدا وكأن كلمات مارسيلا جعلته يدرك حجم ما فعله. أنزل عينيه نحو ليان، وكانت نظراته مختلفة هذه المرة...
438كانت لارا هي المتصلة، وما إن أخبرتني أن جاسر تعرض لحادث حتى شعرت وكأن الكلمات فقدت معناها للحظة، وتجمدت في مكاني وأنا أحدق أمامي بصدمة، أحاول استيعاب ما قالته، لكن عقلي كان عالقا عند جملة واحدة فقط... جاسر تعرض لحادث... لم أفهم كيف حدث ذلك، ولا كيف يمكن أن يكون قد تعرض لحادث بينما كان يتحدث معي منذ قليل، كان صوته طبيعيا تماما، ولم أشعر من خلال حديثه بأن هناك شيئا غير عادي قد يحدث بعد دقائق قليلة من إغلاقنا للمكالمة: ــ ماذا؟!خرج صوتي مرتجفا، وشعرت بأن قلبي بدأ يخفق بعنف، قبل أن أتابع بسرعة، وكأنني أخشى أن يكون ما سمعته أسوأ مما فهمته:ــ جاسر تعرض لحادث؟! لكنه كان يتحدث معي منذ قليل... ماذا حدث له؟ وكيف حاله الآن؟أجابتني لارا بسرعة، وكأنها أدركت من نبرة صوتي أنني بدأت أفقد هدوئي:ــ اهدئي يا ملاك، حالته مستقرة والحمد لله، ولم يصب بإصابات خطيرة، لكنه سيحتاج إلى البقاء في المستشفى تحت المراقبة.ما إن سمعت كلمة مستقرة حتى أغمضت عيني للحظة، وشعرت براحة مفاجئة تسري داخلي، وكأنني كنت أحبس أنفاسي طوال حديثها دون أن أدرك. لم أكن أريد التفكير في احتمال آخر، ولم أكن مستعدة حتى لتخيل أن ي
437ظللت ممسكة بأوراق الطلاق دون أن أتحرك، وكانت عيناي معلقتين بها وكأنني أحاول إقناع نفسي بأن ما أراه أمامي حقيقي... ليث، الرجل الذي قضيت كل هذا الوقت أحاول الاقتراب منه، والذي رفضني مرات لا أستطيع حتى عدّها، كان يقف أمامي الآن ويطلب مني ببساطة أن أوقع على ورقة تنهي زواجنا... مرّت عدة ثوانٍ وأنا صامتة، بينما كان هو ينتظر ردة فعلي، وربما كان يتوقع أن أبكي أو أتشبث به أو أطلب منه أن يمنحني فرصة أخرى، لكنني هذه المرة لم أفعل شيئا من ذلك... رفعت عينيَّ إليه ببطء، ثم شعرت بابتسامة صغيرة تتشكل على شفتي، وكأن شيئا داخلي اتخذ قراره أخيرا.. لن أبكي أمامه... لن أترجاه. ولن أسمح له بأن يشعر بأنه استطاع كسري بهذه السهولة. وضعت الأوراق ، ثم قلت بهدوء وأنا أنظر إليه:ــ ومن أنت حتى تأمرني بالتوقيع؟عقد حاجبيه، وكأنه لم يتوقع أن تكون تلك أول كلماتي، فقد كان يراقبني بصمت منتظرًا أن أتعامل مع الأمر بجدية أكبر، أو أن أصاب بالصدمة بمجرد أن يخبرني بأنه يريد الطلاق... لكنني، رغم الصدمة التي اجتاحتني في اللحظة الأولى، لم أسمح لها بأن تظهر على وجهي، وبدلا من أن أنهار أمامه كما كان يمكن أن أفعل في موقف كهذا
436مر أسبوعان وأخيرا جاء اليوم الذي خرج فيه من المستشفى وعاد إلى القصر... خلال هذين الأسبوعين، لم أتوقف عن الاقتراب منه، لكنني هذه المرة لم أكن أفعل ذلك بالطريقة التي اعتدت عليها، فلم أعد أحاول إقناعه بأنه زوجي، ولم أعد أبكي أمامه كلما قال إنه لا يريدني، بل كنت أتعامل معه ببرود وعناد، وأقترب منه رغم رفضه، وأتصرف وكأن كراهيته لي لا تعنيني... في البداية كان يغضب مني كثيرا، وكلما رآني إلى جواره كان يسألني لماذا أصر على البقاء، فأجيبه ببساطة أنني لن أبتعد عن زوجي لمجرد أنه نسي أنه زوجي، وكان يغضب من إجابتي، لكنني لم أكن أتراجع... حتى مع ليان، لم يعد يعاملها كما كان يفعل في الأيام الأولى، صحيح أنه لم يستعد علاقته بها بعد، ولم يكن يناديها كما اعتاد، لكنه على الأقل لم يعد يبعدها عنه بعنف أو يجرحها بكلماته، وهذا وحده كان يجعلني أشعر بشيء من الراحة. واليوم، بعدما خرج من المستشفى، عاد أخيرا إلى القصر... كان الجميع ينتظرونه بفرح واضح، فقد بدت السعادة على وجوههم منذ لحظة وصول السيارة، وكأن عودته إلى المنزل أعادت شيئا من الحياة التي غابت عنه طوال الأشهر الماضية. أما أنا، فكنت أراقبه من بعيد وهو ي







