INICIAR SESIÓNلم تكن يارا تبحث عن المتاعب، بل عن فرصة أخيرة لإنقاذ مستقبلها المهني كصحفية. لكن حادثاً عابراً جمعها بآسر، الرجل الذي لا يعتذر، ولا يغفر بسهولة، ولا يسمح لأحد بتحدي سلطته. صفعة واحدة كانت كافية لتجعلها تلفت انتباهه، لكن انتقامه لم يكن كما توقعت؛ فقد اختار أن ينتزعها من عالمها ويحتجزها داخل قصر تحيط به الأسرار والحراسة المشددة، معلناً أنها أصبحت جزءاً من لعبة لا تعرف قواعدها. بينما تحاول يارا اكتشاف حقيقة الرجل الذي يحتجزها والبحث عن طريق لاستعادة حريتها، يجد آسر نفسه في مواجهة خيانة تهدد إمبراطوريته، وشحنة أسلحة اختفت في ظروف غامضة، وأعداء قد يكونون أقرب إليه مما يتصور. في عالم تحكمه القوة والمصالح، لا أحد بريء تماماً، ولا أحد يكشف أوراقه بسهولة. لكن آسر ارتكب خطأً واحداً حين ظن أن يارا مجرد فريسة… فقد لا تكون المرأة التي يحتجزها هي الوحيدة العالقة داخل لعبته. بعض الأسرار تُدفن لحماية أصحابها، وبعضها الآخر ينتظر اللحظة المناسبة ليدمّرهم.
Ver másثلاث ساعات وأنا أراقب باب مكتب عصمت المغلق. ثلاث ساعات كاملة ذهبت سدى من أجل حوار صحفي لم يحصل بعد.
كانت حقيبة معداتي الثقيلة تضغط على كتفي، وداخلها جهاز التسجيل الصوتي والكاميرا اللذان صارا يثقلان عليّ منذ الصباح. كل شيء في هذا الممر الفخم يبدو متكلفاً وبارداً بلا روح، باستثناء موظفة الاستقبال التي كانت تُنهي حافة ظفرها ببطء شديد، قبل أن ترفع رأسها ونظراتها خالية تماماً من الاهتمام. أخذتُ نفساً عميقاً، وقدمتُ نحو مكتبها وأنا أحاول الحفاظ على نبرة هادئة: "كم سأنتظر بعد؟ السيد عصمت يعرف أن لدي موعداً محدداً معه." التفتت نحو الجدار الزجاجي خلفها، ثم زفرت ببرود: "السيد عصمت مشغول، عندما يفرغ سيخبرني." لم أرد. عدتُ للكرسي وضغطتُ على أصابعي حتى حُفرت أظافري في كفي. ورغم العازل الزجاجي لمكتبه، كانت قهقهات عصمت تتسرب إليّ متقطعة؛ كان يشرح بحماس تفاصيل ضربة الغولف الأخيرة التي حسم بها المباراة لصالحه. ساعة ونصف استغرقها الطريق في الزحام، وثلاث ساعات انتظار، ليكون "المحتوى المهم" في مكتب رجل الأعمال يتركز في تفاصيل ضربة مضرب. ابتلعتُ ريقي، وشددتُ فكي وأنا أسترجع وجه طارق، مدير التحرير، وهو يلقي ملف عصمت على مكتبي هذا الصباح: "إن لم تعودي بحوار عصمت اليوم يا يارا، ابحثي لكِ عن صحيفة أخرى تطبع مقالاتكِ الشاعرية. نحن نبيع الأخبار، لا النوايا الحسنة." لم أكن أخشى عصمت ولا نفوذه؛ كنتُ أخشى فقط أن أقف غداً في منتصف الصالة وأجمع أوراقي في صندوق كرتوني أمام زملائي، بعد كل ما بنيته. انفتح باب المكتب فجأة. خرج عصمت وهو يزرّر سترة بدلته الفاخرة، ورائحة عطره النفّاذة تسبقه. وقفتُ فوراً، وأخرجتُ بطاقتي الصحفية وأمسكتُها بثبات: "مساء الخير سيد عصمت. معكِ يارا الهاشمي من 'صوت العاصمة'. لدينا موعد محدد للحوار اليوم." توقف ونظر إلى ساعته، ثم ألقى عليّ ابتسامة باهتة لا تصل لعينيه: "آه.. الصحافة. اعتذري لجريدتكِ يا آنسة، لدي موعد عشاء مهم الآن." تحرك ليغادر، فأخذتُ خطوة إلى الأمام، ووقفتُ في طريقه بثبات: "سيدي، لن نأخذ من وقتك أكثر من عشر دقائق. الأسئلة تركز فقط على التوسعات الجديدة للشركة." توقف كلياً. انكمشت ملامح وجهه البدين، واستقرت عيناه عليّ بنظرة هجومية ساخرة: "عشر دقائق؟ هل تدركين كم أربح في عشر دقائق يا شاطرة؟ هل ستدفعين لي مقابل وقتي مثلاً؟" صمت لثانية وهو يتفحص حقيبة معداتي مستخفاً، ثم هز رأسه: "أنتم الصحفيون لا تفهمون سوى لغة الإزعاج. قلتُ مشغول.. تعالي غداً أو لا تأتي، لا يهم." تجاوزني ودفع الباب الخشبي الثقيل، بينما قالت الموظفة من خلف مكتبها، بنبرة خالية من الاكتراث: "نهارُكِ سعيد." مشيتُ نحو المصعد وأنا أشعر بحرارة حارقة في وجهي. فتحتُ سيارتي في الموقف السفلي، وأدخلتُ حقيبة معداتي بحرص رغم غضبي، قبل أن أغلق الباب بعنف جعل زجاج السيارة يهتز. أدرتُ المحرك، وخرجتُ للشارع. رفعتُ سرعتي تجاوزاً لسيارتين أمامي، ويداي تقبضان على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصلي. كان وجه طارق يلاحقني في ذهني، وصوته يتردد في رأسي حتى شعرتُ أن أنفاسي تضيق: "ابحثي لكِ عن صحيفة أخرى...". تنفستُ بصعوبة وحاولتُ التفكير في خطة بديلة، لكن في تلك اللحظة بالذات، ارتفعت نغمة الهاتف الموصول بالسيارة. أضاءت الشاشة بوضوح: [المدير - طارق]. تجمدت يداي على المقود. لم أستطع الرد لأني لا أملك ما أقوله، ولم أجرؤ على الضغط على زر الرفض حتى لا يعلم أنني أتجاهله عمداً. تردد قاتل في ثانية واحدة تشتت معه نظري بين الشاشة الزرقاء والشارع.. ودوى صوت اصطدام حاد من الخلف! اندفعتُ إلى الأمام بقوة جعلت حزام الأمان يعصر صدري، وارتطم ذقني بالمقود بحدة تركت ألماً حارقاً امتد فوراً إلى عنقي. تناثرت أوراقي على الأرضية، والهاتف لا يزال يرن. شعرتُ بالسيطرة تفلت من بين يدي كلياً. دفعتُ الباب بعنف حتى انفتح، وخرجتُ أتعثر في خطواتي نحو السيارة السوداء الضخمة التي اصطدمت بي. كانت سيارة حديثة، يغطي زجاجها عازل أسود لا يشف عن شيء. وقفتُ عند باب السائق، وضربتُ الزجاج بظهر يدي بقوة: "اخرج! اخرج وانظر ماذا فعلت أيتها المتهور! ألا ترى أمامك؟!" لم يتزحزح الزجاج. ضربتُ مجدداً وأنا أشعر بالدموع تتجمع في عينيّ من شدة القهر: "افتح الباب!" انفتح الباب ببطء شديد، دون أي عجلة. تراجعتُ خطوة. نزل الرجل، واضطررتُ لرفع رأسي لأواجه قامة طويلة وعريضة أغلقت مدى الرؤية أمامي. يرتدي سترة داكنة أنيقة، ولم يصرخ، ولم يعتذر، ولم ينظر حتى إلى الضرر الذي أحدثه في واجهة سيارتي. رفع عينيه ونظر إليّ مباشرة. كانت نظرة هادئة، باردة كلياً، وكأنني والشارع والموقف بأكمله مجرد ضجيج لا يخصه. وقفتُ مكاني، وابتلعتُ بقية الكلام الذي كان في حلقي. لم أُضعَف أمامه، لكن هدوءه الغريب يربكني، ويرفض أن يمنحني المعركة التي جئتُ لأخوضها.عبرت نبرة المرأة أذنَيّ كالموسى الصدئة، جافة، محطمة، ويقودها يأس مطلق وهي تواصل صراخها بصوتٍ مخنوق مزق نياط قلبي:"نعم.. ابني مات! ابني انتحر! لا أعلم ماذا فعلوا به هناك في عتمة زنازينهم.. في كل مرة كنتُ أزوره، كنتُ أجد جسده طافحاً بالكدمات والآثار الداكنة، وعيناه مطفأتان كمن يعيش في الجحيم! ابني الوديع الذي كان يرتجف خوفاً لو جرحت إصبعه، أقدم على قتل نفسه لكي يتحرر من عذابهم وقسوتهم! حرموني منه.. حرموني من كل ما أملك في هذه الدنيا، والآن.. لا أريد شيئاً من هذا العالم بأسره!"لم أستطع استيعاب وقع الكلمات. شعرت وكأن صاعقة قد هوت على رأسي فأفقدتني القدرة على النطق أو الحركة. وققبل أن أستجمع قواي، امتدت يدها النحيلة والمرتعشة لتنقبض على ذراعي بقوة يائسة ومجنونة، وجرتني نحو العتبة الخارجية للباب، ثم دفعتني بقسوة إلى الشارع المظلم وهتفت بنشيجٍ مبحوح يقطر بالمرارة:"اخرجي! لا أريد رؤية أحد منكم.. لا صحافة ولا عدالة وهمية!"انغلق الباب الخشبي بوجهي بصدمةٍ مدوية ارتدت أصداؤها في صدري وكأنها طعنة خنجر. وقفتُ مسمرةً على الرصيف البارد، والدموع الغزيرة تتجمع في عينيّ لتعتم رؤيتي تماماً. انحنيتُ ب
جاءني صوتُ منصور عبر سماعة الهاتف جافاً، ثقيلاً، ويقطر ببرودٍ وتهربٍ لم يجتهد في إخفائه أو تغليفه بأي لباقة:"يا أهلاً بالصحفية العظيمة.. ما زلتِ تتذكرين أرقامنا إذن؟ ظننتُكِ نسيتِ أرض الواقع والتعب في الأزقة، وأنتِ تجلسين على كرسيكِ الفاخر خلف مكتبكِ المكيّف."تجاهلتُ أسلوبه المائع والتهكمي بصرامة، ورددتُ عليه بنبرة جافة، رسمية، وحازمة لا تحتمل المماطلة:"اعتدتُ ألا أضيع وقتي في الجدال والمهاترات يا منصور. دعنا في المهم ونخلّص الكلام.. إلى أين وصلتَ في البحث والتتبع الميداني بعد أن أُغلقت التحقيقات الرسمية وأُودعت في الأرشيف؟"ساد الصمتُ من جانبه لثانيتين طويلتين، قبل أن يطلق زفيراً حاداً ومزعجاً عبر السماعة ينبئ بضيق صدره، ثم قال بنبرة مستخفة تحمل نصيحة ملغومة:"نصيحة لوجه الله يا آنسة يارا.. انسي هذا الملف واطويه فوراً. ابحثي لكِ عن قصة ناعمة، قضية رأي عام خفيفة تنشرينها في الجريدة وتكسبين بها إعجاب القرّاء. هذه القضية تحديداً ليست مقاسكِ، واللعب فيها يشبه المشي في حقل ألغام."قبضتُ على الهاتف بكلتا يديّ بقوة حتى اببيضّت مفاصلي، ووقفتُ في مكاني وسط ممر الجريدة، وقلتُ بحزم يناطح
كان الهدوءُ الثقيل يلفّ أرجاء مكتبي الصغير، ولا يكسره سوى صوت تقليب الأوراق الجافة والهمهمات الخافضة للزملاء في الصالة الخارجية للجريدة.جلستُ أغوص بين ملفات وتحقيقات مبعثرة أمامي، أتمعن بتركيز شديد في التفاصيل والأسماء المدونة بخط اليد على الحواشي. ومع كل صفحة أطويها، كان صوتٌ قديم يتسلل إلى رأسي، يعيدني رغماً عني عبر شريط الذاكرة إلى ما قبل سنتين.. وتحديداً إلى ذلك اليوم الصيفي الملتهب في أروقة المحكمة.كانت الأجواء حينها مشحونةً بالتوتر والترقب، ورائحة الرطوبة والورق القديم تختلط بأنفاس الحاضرين المكتومة. قاعة الجلسات تغصّ بالحضور، والعيون كلها شاخصةٌ نحو المنصة العالية. وعندما اعتلى القاضي منصته وساد صمتٌ مريب، رفعتُ قلمي لأدوّن تفاصيل التغطية الصحفية.لم يتأخر الحكم؛ وبنبرة صارمة وحاسمة شقت الصمت، نطق القاضي بحكم السجن المؤبد على المتهم.. كان شاباً مسكيناً وطالباً جامعيّاً في العشرين من عمره، يقف في قفص الاتهام بملامح شاحبة وعينين تائهتين تصرخان بالانكسار.في تلك اللحظة بالذات، تمزق سكون القاعة بصراخٍ مأساوي يفتت الصخر! انهرت والدته على الأرض وهي تتلفع بوشاحها، تصرخ بنشيج خنق
مكتبٌ ضخمٌ تعلوه الفخامة، يتوسطه أثاثٌ راقٍ من الخشب الداكن العتيق وإضاءةٌ خافتة توحي ببرودة المكان وسطوته. كانت الرائحة المزجية لرائحة التبغ المعتّق والجلد الفاخر تتضوع في أرجاء الغرفة، ممتزجةً برائحة الخوف الشديد التي خنقت الأنفاس.كان آسر يجلس بأريحية تامة على أريكة جلدية سوداء كبيرة، يمسك سيجارته ببرود بين أصابعه التي لطختها بضع قطرات داكنة من الدماء. لم تكن دماءه، بل كانت أثراً خاطفاً لمواجهة حاسمة تجري أمامه.على مسافة خطوتين منه، كان رجلان من حراسه أشداء البنية يمسكان برجل ثالث جاثٍ على الأرض بكلتا ركبتيه؛ وجهه مشوهٌ كلياً بفعل اللكمات، وملابسه المهلهلة ملطخة بالدماء، يرتجف بجسده كاملاً من أثر الضرب المتواصل والذعر الذي تملكه.نظر آسر ببرود جليدي إلى الرجل المرمي عند قدميه، وعيناه الثاقبتان تنضحان بهيبة مظلمة لا ترحم. أشار لحارسيه بيده حركة خاطفة:"قربوه."سحبه الحارسان بقسوة وقرباه حتى صار رأسه تحت قدم آسر مباشرة. وضع آسر طرف حذائه اللامع على جانب وجه الرجل بثبات وثقل خفيف، ثم قال بنبرة خفيضة، هادئة، لكنها تطفح بسلطة مطلقة وثقة تتجاوز الحدود:"هل تظن نفسك ذكياً يا هذا؟ هل ظننت