LOGINفي عتمة الليل، وقفت مرمر صامتةً تراقب هذان الاثنان المتعانقان، وارتسمت على فمها ابتسامة خفيفة.وكانت تمسك بهاتف محمول في يدها، وتبث المشهد مباشرة لفارس، ودوى عبر الهاتف صوت آدم المتحمس قائلًا: "اقتربي أكثر، لا يمكنني الرؤية بوضوح."أبعدت مارية رأسه قائلةً: "اخفض صوتك قليلاً، لا تزعج أبي وأمي، وأزح رأسك الكبير هذا، لقد حجبت الرؤية عني تمامًا.""من صاحب الرأس الكبير؟ تعال يا فارس واحكم بيننا، نحن توأمان، وإذا كان رأسي كبيرًافيجب أن يكون رأسينا مماثلين."كانا يتشاجران في كل مرة يلتقيان بها، وهو ما يتناقض تمامًا مع هدوء فارس ومرمر.ورغم أن مرمر عاجزة عن الكلام، إلا أن رؤية والديها المتعانقين أمامها، وسماع شجار ومشاكسات اخوتها في أذنها جعلها تشعر بسعادة غامرة.هكذا يجب أن تكون العائلة.لقد أخبرتها أمها أنها بمجرد العودة إلى مدينة الشمال ستعيد توثيق زواجها من أبيها، وعندها سيصبحون عائلة حقيقية.وذلك اليوم سيأتي قريبًا جدًا.ولم تظهر سارة طوال اليومين الماضيين، وظلت تعتني بعائلتها في الخفاء.كانت ملامح حاتم رقيقة، وبوجود سارة إلى جانبه تحسنت حالته النفسية كثيرًا.وكان يطيل النظر بحنان إلى هذه
كان قاسم حذرًا للغاية بطبيعته، ولم تكن لديه طموحات كبرى، بل كل ما يرجوه هو أن يعيش حياته بسلام وأمان فحسب.وليس أنه شحيح بماله، بل إنه فقط يشعر أن سالي تريد الرهان بكامل مدخراتهما من أجل مستقبل مجهول، وإذا خسرا فسينتهي بهما المطاف بلا أي شيء.وكانت نشأة قاسم مشابهة لسالي تقريبًا، وبسبب بعض الفرص نال هويته الحالية كشاب نبيل، وهو ما يقدره كثيرًا.وحتى لو انسحبا وتراجعا الآن، فإن الأموال التي بين أيديهما تكفيهما للعيش برغد لبقية عمرهما.إنه ليس طماعًا، وبالنسبة له فإن هذه هي ذروة حياته، ولم يتطلع أبدًا أن يصبح فاحش الثراء بين عشية وضحاها.ولكن من الواضح أن أفكار سالي كانت مختلفة تمامًا عنه، وبعد أن بذل جهودًا حثيثة لنصحها، لم ينجح في إقناعها، بل زادها الأمر غضبًا."يا قاسم، أنا أسألك فقط، هل ستساعدني أم لا؟""يا سالي، وكيف لا أساعدكِ؟ أنا فقط...""إذن كف عن الهراء، وعندما أسيطر على عائلة رشيد، ستنعم أنت أيضًا برغد العيش معي."تنهد قاسم قائلاً: "يا سالي، أنتِ تعلمين أنني سأحبك على الدوام بغض النظر عن هوية كلٍ منا، وأيًا كان ما تطلبيه مني فسأمنحه لكِ حتى وإن كانت نجوم السماء.""إذن اذهب واب
العشرة مليارات هي كل ما تملكه سالي!وإذا استخدمت تلك الثروة لسد العجز في عائلة رشيد ولم تستطع استردادها لاحقًا، فإن كل ما قامت به لسنواتٍ طويلةٍ سيذهب سدى.لكن مصطفى أوضح تمامًا أنه سيسلم إدارة أعمال العائلة لها في النهاية، وهذا يعني أنها ستحصل على كل ممتلكات عائلة رشيد مقابل استثمار قدره عشرة مليارات، أي أن العائد سيكون عشرات أضعاف الاستثمار.ستخاطر بالقليل لتحصل على الكثير، هذا رهان هائل.وبالنسبة للمراهنين، كلما عظم الرهان وزادت العوائد، ازدادت الإغراءات.ولم تكن سالي غافلة عن احتمالية الخسارة، لكنها قضت سنواتٍ طويلةٍ في كنف العائلة، وتعلم جيداً أن مصطفى يفي بوعوده دائمًا.مقارنةً بمقدار الخسارة، فإنّ مكاسب الفوز تبدو أكثر إغراءً بكثير.إنها فرصة ذهبية أمضت سنوات في التخطيط لنيلها، وها قد أصبحت في متناول يديها أخيرًا، فكيف يعقل أن تتخلى عنها بسهولة؟ نظر إليها مصطفى بوجوم: "عشرة مليارات ليست بالرقم الهين، يا سالي، هل يشكل هذا عبئاً عليكِ؟ لولا أننا اقترضنا عشرة مليارات من البنك بالفعل، لكنتُ لجأتُ إلى البنك مجددًا.""يا أخي، منذ الصغر والجميع يتولى حمايتي، والعائلة الآن في ورطة، وحا
واصل مصطفى استدراجها بالحديث ببطء: "نحن الآن نواجه اضطرابات داخلية وتهديدات خارجية، ولا يزال مكان أمي مجهولاً، ونحن تحت أنظار الفرع الثاني لعائلة رشيد، وهم مستائين أصلًا من انحياز الجد مديح المفرط لنا، ويرون أن شركة والدي تعد جزءاً من ممتلكات الجد، لذا شرعوا قبل وفاة الجد في الاستحواذ على الأسهم المتبقية، ولم يكن هناك داعٍ للقلق في البداية فالأسهم المتبقية لا تشكل خطرًا، لكن المشكلة تكمن في موت الجد الآن."تغيرت تعبيرات سالي بشدة: "إذن، هل حدثت مشكلةٌ ما؟""نعم، مشكلة كبيرة، فالأسهم المتبقية التي بين أيديهم بالإضافة إلى حصة الجد قد تجاوزت مجموع الأسهم التي يحوزها والدي."تنهد مصطفى قائلاً: "واللوم يقع على عاتق والدي الذي غمرنا بالحب في الماضي، وقسم جزءًا من الأسهم على كل طفلٍ منا، ولم يتوقع أحد وفاة الجد مديح وإثارة الفرع الثاني من العائلة للمشاكل، والآن باتت الأسهم التي بيد والدي أقل بكثير مما لديهم، وصار بإمكانهم السيطرة على الشركة، وحتى لو لجأنا إلى القضاء فسنخسر حتمًا.""إذن ما العمل؟"كانت هذه الجائزة الكبرى هي ما طمحت إليها سالي منذ البداية، ولولا أنها أوشكت على الحصول عليها للاذ
نظر حاتم إلى هذه الفتاة الصغيرة التي احمرّت عيناها وارتجف صوتها أمامه، وهي نفس الشخص الذي غمره بالحب في الماضي."يا أبي، لحسن الحظ أنك بخير، أنت لا تعلم كم قلقت عليك طوال هذه الأيام!"ظلت سالي تبكي أمام سريره طويلًا دون تلقي أي رد، فساورها بعض الشك: "أبي..."كبح سيف غضبه الشديد بداخله، وحاول قدر الإمكان التحدث بنبرة هادئة قائلاً: "يا سالي، أبي ضعيف جداً الآن.""إذن نل قسطًا من الراحة يا أبي، ولا تقلق بشأن أي شيء، واعتنِ بجسدك جيدًا، فأنا موجودة لأجل العائلة."واستمرت سالي في مواساته لفترة طويلة، ولم ينطق حاتم سوى بكلمة "حسنًا".إلا أن سالي لم تلحظ بروز العروق الزرقاء في ظاهر يده التي كانت تقبض على ملاءة السرير بقوة؛ إذ كان حاتم بحاجة إلى قدر هائل من الصبر ليكبح رغبته في قتلها.وكلما فكر في أفعال سالي السابقة، اضطربت نفسيته.لقد قُتلت ابنته على يد هذه المرأة ذات القلب القاسي، وماتت في أرضٍ غريبة، ولا يعلم العذاب الذي عانته قبل موتها، وحتى بعد وفاتها لم تجد من يكرمها بدفن جسدها.ورغم كل الصعاب التي واجهها حاتم، إلا أنه عجز عن البقاء هادئًا.ولم يكن أمامه سوى إغلاق عينيه، ويدعو في سره ألا
شعر مصطفى ببعض المفاجأة، فبعد أن انكشف أمر عليا ولاذت بالفرار، لم تنتهز سالي الفرصة للهروب بل اتصلت به، تمامًا كما قالت سارة.هذه المزيفة ليست قاسية فحسب، بل شديدة الطمع أيضًا.قال مصطفى بنبرة هادئة: "أنا هنا، ما بكِ يا أختي؟""يا أخي، لم أتمكن من الوصول إليكَ في الفترة الماضية، لقد قلقت جدًا، هل أنت بخير؟""أنا بخير، لقد توصلتُ إلى أخبار تفيد بأن والدي لم يمت، وكنت أحاول العثور على طريقة لإنقاذه طوال الوقت.""إذن كيف حال أبي؟ هل تم إنقاذه؟"كانت نبرة صوت سالي مليئة بالقلق، ولو لم يعرف مصطفى حقيقة الأمر مسبقًا، لما استطاع ربط تلك الأحداث بسالي أبدًا.هذه المرأة مخيفة حقًا.رغم صغر سنها الواضح، إلا أنها تمتلك طموحًا وجرأة يعجز عنها الأشخاص العاديون.وشخص مثلها سيكون موته أمراً هيناً جداً!أجابها مصطفى وفقًا للسيناريو الذي اتفقت عليه مع سارة مسبقًا، وعلى الفور عرضت سالي القدوم لرؤية والدها."حسنًا، لكن الوضع ليس آمنًا تمامًا الآن، لا تثيري انتباه الآخرين عند قدومكِ، أخشى أن تخرج الأمور عن السيطرة.""أنا أفهم ذلك يا أخي."أغلق الهاتف، ونظر مصطفى إلى الأشخاص المتواجدين في الغرفة قائلاً: "ي
أجاب حسني بهدوء دون استعجال: "يا سيدتي، عندما أنقذونا وجرّونا إلى هنا، كنتُ أنا من قال ذلك".قال الطبيب: "نعم، أنه… السيد حسني من قال ذلك، حسنًا، سأخرج الآن".لا تدري لماذا شعرت سارة وكأن ذلك الطبيب كان يفرّ من الغرفة فرارًا، إذ خرج مسرعًا كمن يهرب.قال حسني بهدوء: "يا سيدتي، غيّري ملابسكِ أولًا، سأ
كانت سمية تقف غير بعيدة، وحين رأت أنّ الوضع يوشك أن يتفاقم، أسرعت لتدفع بكرسي سارة بعيدًا.وقبل أن تغادر لم تستطع أن تمنع نفسها من إلقاء نظرة ممتلئة باللوم على أحمد، كأنّها تقول في سرّها، أي مسرحية هذه التي تؤديها الآن؟ لقد صَعُب كثيرًا أن يذوب الجليد بينهما قليلًا، فإذا به يعيد كل شيء إلى أجواء مشح
خضعت سارة لست جلسات من العلاج الكيميائي، كانت تُجرى لها كل واحد وعشرين يومًا، ومع نهاية الجلسة السادسة كان قد مضى نصف عام كامل.ذلك النصف من العام كان بالنسبة لها جحيمًا يوميًّا، إذ إن آثار العلاج الجانبية تسللت إلى كل عضو في جسدها.باتت تخاف من البرد أكثر من أي وقت مضى، يداها وقدماها دائمًا متجمدتا
أحمد كان يتأمل النجوم المترامية في السماء، وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة تحمل الكثير من العجز والمرارة.قال في نفسه: "حتى لو لم تكن سارة حبيبتي قد ماتت، وحتى لو عثرتُ عليها وأعدتُها إلى جانبي، فلن يكون ذلك سوى تكرار للمأساة... سأجعلها حزينة مجددًا، بقاؤها معي يشبه زهرة موضوعة في إناء، لن يمر وقتًا طويلا







