مشاركة

119

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-07-03 23:07:30

كان الملك أدنوك ينظر إلى هذا الحماس المصري العارم والمنظم بغضب شديد وضيق بدا واضحاً على ملامح وجهه، وبدأت علامات الاطمئنان والغرور تزول عن وجهه قليلاً بعد أن رأى روح القتال الشرسة تشتعل في عيون المصريين. لكنه عاد وبسرعة واستند في ثقته المطلقة إلى عدده الهائل الذي يملأ التلال ووحوشه المتربصة التي بدأت تزمجر وتستعد للهجوم بطلب من الكهنة.همس اليه الاله بعل فى عقله : لاتقلق انت الاعلى وانا ساعد لهم مفاجئة ستزعجهم

وفي تلك اللحظات الحرجة والفاصلة من تاريخ الوادي، كان الأمير خع إم واست والفتى الصغير سى اوزير يراقبان الموقف بدقة شديدة وعين ساهرة من موقعهما الخفي والمستتر في الجهة الخلفية للتلال. كان خع إم واست يقبض على عصاه الكهنوتية، بينما كان سى اوزير يمسك بالتميمة الحجرية المقدسة التي بدأت تزداد دفئاً ونبضاً بين أصابعه، مستعدين مع مقاتليهم العشرة آلاف لإطلاق ضربة المفاجأة الساحقة وتوجيه المطرقة نحو السندان بمجرد أن يلتحم الجيشان وتبدأ الحرب الفعلية.

كانت الشمس ترتفع أكثر في السماء ملقية بلهيبها الخانق فوق الرمال، والجيشان يقفان وجهاً لوجه بكامل سلاحهما وغضبهما، يفصل بينهما شريط ضيق وصغير من الرمل الأبيض... والحرب الكبرى والملحمية التي ستحدد مصير النور والظلام على وجه الأرض على وشك الاشتعال والانفجار.

في تلك اللحظة الحاسمة التي كان فيها الجيشان يقفان وجهاً لوجه، والجميع يحبس أنفاسه بانتظار شرارة الحرب الأولى، حدث شيء مرعب في الخفاء. لم يكن الجنود يسمعون سوى صوت الرياح الباردة، ولكن في داخل عقل الملك الحيثي "أدنوك"، كان هناك صوت آخر يتردد بقوة. لقد كان صوت الكيان الشرري "بعل" نفسه، وهو يهمس في أعماق روحه بصوت هادر وقوي يرج عظام جسده رجاً:

"لا تقلق يا أدنوك... ولا تدع الخوف يتسلل إلى قلبك من شجاعة هؤلاء المصريين. لدي مفاجأة كبرى سترعب قلوبهم وتجعلهم يندمون على خروجهم من بلادهم. وحوشي الشيطانية التي أرسلتها معك ستلتهمهم وهم أحياء، وسأمد جيوشك ورجالك الآن بقوة خارقة لا تُقهر. فقط تقدم وقاتل بكل قسوتك... وسأكون معك خطوة بخطوة."

تسببت هذه الكلمات الشيطانية في بث ثقة عمياء وجديدة داخل صدر أدنوك. نظر إلى الجيش المصري المرتب على الشاطئ، وارتسمت على شفتيه ابتماسية شريرة مليئة بالشماتة والطمع. ثم رفع سيفه البرونزي الثقيل نحو السماء، وأطلق صرخة حرب قوية أمر فيها جميع فيالقه بالهجوم الفوري.

وفي نفس اللحظة، اندلعت المعركة الملحمية الكبرى بشراسة لا مثيل لها، شراسة لم تشهد السواحل الشمالية مثلها في تاريخها كله.

لم ينتظر الملك المصري "مرنبتاح" حتى يأتيه الهجوم، بل بدأ هو الآخر الهجوم الأمامي بصيحة عسكرية مدوية هزت أركان الشاطئ. وبمجرد سماع الصيحة، اندفع ثلاثون ألف مقاتل مصري كالسيل الجارف الذي لا يمكن لأي سد أن يقف في وجهه. كانوا يجرون بقوة وشجاعة، ويصرخون بصوت واحد يملأ الفضاء: "مصر... إلى الأبد!".

واصطدم الجيشان بعنف شديد أحدث صوتاً مرعباً يشبه تصادم الجبال. كانت الرماح تتكسر، والسيوف تلمع وتتحطم تحت أشعة الشمس الحمراء، والدماء الدافئة بدأت تسيل بغزارة وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر.

كان الملك مرنبتاح في مقدمة الصفوف، يقود عجلته الحربية ويقاتل بشراسة أسد كاسر يدافع عن عرينه. كان سيفه الذهبي يتحرك بسرعة ودقة قاطعة، يطيح برؤوس قادة الأعداء واحداً تلو الآخر دون أي تردد، وهو يصرخ من أعماق قلبه بصوت يلهب حماس رجاله:

"لأجل أبي رمسيس! لأجل أرض الكنانة ومصر الطاهرة! لا تراجع اليوم!"

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   130

    انقشعت غيوم الشمال السوداء أخيراً، وساد صمت مقدس، مهيب، وعميق على طول الساحل الشمالي الذي شهد أعظم مواجهة في تاريخ البشر والآلهة. كان جسد "بعل" قد تبدد تماماً وتحول إلى هباء تذرؤه الرياح الباردة، وكان الإله "ست" قد اختفى في عاصفته الرمادية، تاركاً وراءه في الفضاء رائحة الرعد النفاذة، والبرق المخبوء، والرمال المحترقة التي لا تزال تشع بالدفء.وقف الملك "مرنبتاح" على تل صخري مرتفع، يرسل نظراته الصارمة نحو الأفق الواسع. كان ينظر إلى جيشه المنتصر الذي غمرته الفرحة، فارتفعت صيحات الجنود وهتافاتهم التي تزلزل الأرض باسم مصر العظيمة وباسم رمسيس، لكن الملك لم يكن يفكر في الاحتفال؛ بل كان عقله العسكري يدير موازين المستقبل بحذر شديد.لقد فرّ الملوك الشماليون المتآمرون كالفئران المذعورة، تاركين وراءهم راياتهم الممزقة وجيش الحيثيين يواجه مصيره المأساوي وحده تحت أقدام المصريين. ولم يكن مرنبتاح بالملك الذي يرضى بنصف انتصار، أو يترك أفاعي الشمال تعود إلى جحورها لتنفث سمومها من جديد في المستقبل.التفت الملك نحو شقيقه الأمير "خع إم واست" وحفيده الفتى المعجزة "سى اوزير"، اللذين كانا يقفان إلى جواره والدم

  • سيد الرماد والضوء   129

    وفي ذات الوقت، وفي قلب المعركة الإلهية التي تصاغرت أمامها حروب البشر، كان الإله ست يقف ثابتاً كالمسلة الشامخة، وقد وضع قدمه الضخمة والثقيلة بقسوة فوق صدر بعل المطروح على الرمال الحارة.كان بعل يلهث ويتنفس بصعوبة شديدة كأن أنفاسه الأخيرة تفر منه، وجسده العملاق الأسود ينزف بغزارة ناراً زرقاء داكنة تذوب في التراب وتترك حروقاً في الأرض، وعيناه الكبيرة اللتان كانتا تشتعلان بالرعد والغرور منذ ساعات، امتلأتا برعب حقيقي، خالص، وعميق لأول مرة في حياته الطويلة. رفع ست صولجانه الرعدي المعوج عالياً نحو الغيوم المتفجرة، ومفاصله تنبض بقوة كونية مدمرة، مستعداً بكل جوارحه لإطلاق الضربة القاضية والنهائية التي ستنهي هذا الوجود المظلم.شعر بعل بنهاية أجله واقتراب الفناء، فتحرك الخوف في صدره، وصاح متوسلاً بصوت مكسور، ذليل، يرج جنبات السماء ويستجدي الرحمة من قاهره:"أرجوك... أرجوك يا ست العظيم... ارفع قدمك عني وأتركني أعيش! أقسم لك ببارئ الأكوان أنني لن أمس أرض مصر الطاهرة، ولا نيلها، ولا شعبها بأي سوء أو شر مرة أخرى طوال حياتي... حقاً أقول لك! لقد تعلمت الدرس القاسي اليوم وعرفت حجمي الحقيقي... أنا كنت أح

  • سيد الرماد والضوء   128

    وفي تلك اللحظة الحرجة من المواجهة الكونية، وتحت وطأة الضربات الساحقة والمدمرة لسيد الصحراء، أدركت الإلهة الشرسة عنات أنها ميتة بلا محالة إن بقيت في هذه الساحة لعدة دقائق أخرى، وعرِفت أن جبروت ست لا يمكن لأي قوة شمالية أن تقف في وجهه أو ترده.التفتت برأسها ونظرت إلى زوجها وشريكها بعل، فرأته يترنح وينزف ناراً زرقاء اللون من جروحه العميقة وعاجزاً عن الصد، ثم نظرت نحو الإله ست فرأته يتقدم نحوهما بخطى ثقيلة وثابتة كأنه الموت نفسه الذي يطارد ضحاياه وعيناه الحمراوان تشعان بقسم الفناء. في تلك اللحظة، تملك الخوف والهلع قلب إلهة الحرب، وقررت التخلي عن كل شيء والهرب لتنقذ نفسها.همست عنات بنبرة مرتجفة ومذعورة وهي تنظر إلى زوجها للمرة الأخيرة:"سامحني يا بعل... لم أكن أعلم أننا نواجه هذا الوحش الكوني. لا يمكنني الموت هنا من أجلك."وبدون أي تردد، دارت بجسدها وتحولت في ثوانٍ معدودة إلى لهيب أزرق حارق، وانطلقت نحو أعالي السماء هاربة بسرعة مذهلة شقت بها الغيوم الداكنة، تاركة زوجها بعل وحيداً وبدون أي دعم في قبضة ست التي لا ترحم.صاح بعل بصوت يملأه الذعر والذهول والحرقة وهو يرى شريكته تفر وتتركه للموت

  • سيد الرماد والضوء   127

    تحولت ساحة المعركة بالكامل إلى جحيم أسطوري حي، حيث امتزجت قوة البشر بقوة الآلهة العظام لتصنع لوحة من الدمار لم تشهدها الأرض من قبل. كانت السماء قد تبدلت ملامحها، فصارت ساحة متفجرة مليئة بصواعق البرق العنيفة، وهزيم الرعد الذي يصم الآذان، والرمال المتطايرة التي تحجب الرؤية كأنها جدران من الغبار. وفي الأسفل، كانت الأرض تئن وتنشق تحت الأقدام لتبتلع جثث الغزاة، بينما كانت الدماء الدافئة تسيل كالأنهار الجارية، وتصبغ الرمال البيضاء باللون الأحمر القاني.وفي قلب هذا الجحيم المستعر، كان الجيش المصري يقاتل ببسالة خارقة وبشجاعة هزمت الموت نفسه.وقف الملك "مرنبتاح" في طليعة الصفوف الأمامية كأسد جريح لا يعرف الخوف؛ كان درعه مكسوراً ووجهه مغطى بالدماء والغبار، لكن سيفه الذهبي كان يلمع كقطعة من جمر. اندفع نحو سبع ظلامي عملاق كان يمزق رماة الدلتا، وبضربة سريعة ودقيقة قطع أرجل السبع، ثم قفز بخفة فوق ظهره المغطى بالدخان، وغرز سيفه بكل قوته في عنق السبع حتى سقط الوحش يصرخ صرخة الموت ويتلاشى كالدخان. رفع مرنبتاح سيفه وسط الغبار وصاح بصوت مدوٍّ أشعل الحماس في قلوب رجاله:"لأجل أبي رمسيس العظيم! لأجل أرض ا

  • سيد الرماد والضوء   126

    وقف الإله ست في مكانه، شامخاً كالجبل الأبدي وسط الرمال المتطايرة، ثم انفجرت من حنجرته السبعية ضحكة مدوية، غاشمة، ملأت أركان الكون كله وأخرست حتى صوت الرياح العاتية. لم تكن ضحكة خوف أو قلق، بل كانت ضحكة سعيدة، فرحة، وشرهة للقتال إلى أبعد الحدود. كانت عيناه الناريتان تضيئان بوهج أحمر مرعب، وأنيابه الحادة تبرز من تحت شفتيه في ابتسامة وحشية مخيفة.لقد كان ست يحب القتال والصدام أكثر من أي شيء آخر في الوجود، ومواجهة إلهين قويين مثل بعل وعنات في وقت واحد وفي معركة مكشوفة، كانت بالنسبة له متعة كبرى لا تُضاهى، وفرصة ليطلق العنان لجبروته الذي لا يعرف القيود.رفع ست صولجانه الرعدي المعوج نحو السماء، وصاح بصوت زلزل الجبال الشمالية وأحدث شروخاً في صخور التلال:"أخيراً... أخيراً جاءني تحدٍّ حقيقي يليق بقوتي وجوعي للدماء! تعالَ إليّ يا بعل الجبان الذي يختبئ خلف زوجته... وتعالَي أنتِ أيضاً يا عنات بنصالك المسمومة! اليوم سأعید تلقينكما الدرس، وأذكركما بالدم والنار لماذا أنا، وليس غيري، سيد الصحراء الأوحد، وملك الرعد، وإله الدمار الغاشم الذي لا يُقهر!"وفي تلك اللحظة بالذات، بدأت الملحمة الإلهية الحقيق

  • سيد الرماد والضوء   125

    كان بعل يعرف في أعماق نفسه، وبتجاربه القديمة المريرة، أنه لا قبل له بمواجهة ست منفرداً في ساحة مفتوحة؛ فقوة ست لا تُقاس بالمعايير العادية، وغضبه الحارق لا يمكن لأي إله أن يطفئه، ووحشيته الحربية تفوق كل آلهة الممالك الأخرى. انخفض كبرياء بعل، وهمس لنفسه بصوت مرتجف ومذعور وهو يتراجع للخلف:"لا... ليس الآن... ليس هذا الكائن المرعب... كيف جاء إلى هنا وتركت سفينة رع؟!"ثم، وفي حالة من اليأس المطلق والخوف من الموت الوشيك، رفع بعل صوته القوي نحو السماء وصرخ بتعويذة نداء قديمة ومقدسة استنجاداً بشريكته:"عنات! يا زوجتي ونصل حربي! تعالي إليّ سريعاً... ساعديني قبل أن يسحقني سيد الصحراء!"الفصل الثالث: مذبحة الوحوش واتحاد الجيشينوفي ذات الوقت، لم تكن وحوش ست الأسطورية تنتظر الأوامر؛ بل كانت تلك السباع البرية العملاقة ذات العيون النارية المتوهجة والآذان المستقيمة — وحوش الشا الخالدة — تندفع بغضب جامح ولا يُوصف نحو صفوف الأعداء. وانقضت وحوش الشا بقوة وبدأت تفتك بوحوش بعل الظلامية في مجزرة مروعة غطت الرمال.تحت الضربات النارية لسباع الصحراء، تحولت المعركة بين الوحوش إلى مذبحة حقيقية من طرف واحد؛ حيث

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status