Share

118

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-03 23:07:27

تحرك الملك مرنبتاح بمركبته الملكية خطوات وقورة نحو الأمام، متقدماً عن صفوف جيشه ليكون في طليعة المشهد. كان يمسك بزمام خيله القوية بيده اليسرى بثبات، ويقبض بسيفه الذهبي الطويل بيده اليمنى، واجهاً شعاع الشمس الأحمر الوليد الذي انعكس على نصل السيف فجعله يلمع بقوة كأنه قطعة من نور الشمس الخالص شقت الظلام. رفع مرنبتاح رأسه نحو التلال، وأطلق صوته العسكري القوي المدرب، فخرج الصوت هادراً وقاطعاً كالسيف، يخرق صفير الرياح الشمالية الباردة ليصل واضحاً ونقياً إلى الطرف الآخر فوق المرتفعات:

"أدنوك! أيها الملك الباغي والخائن، والتابع الذليل للظلام وبعل! جئتَ تجمع جنودك في الخفاء وتتحرك سراً لغزو أرضنا الطاهرة واستباحة بيوتنا الآمنة ظناً منك أن مصر قد نامت بموت ملكها، لكنك وجدتنا هنا في انتظارك في منتصف الطريق لنقطع دابر شرك قبل أن يقترب من ديارنا. اسمعني جيداً وافهم ما أقول... استسلم الآن دون إراقة للدماء، وخذ جنودك المارقين وملوكك الطامعين وارجعوا فوراً إلى جحوركم الباردة في الشمال، وسنترعكم تعيشون بسلام في بلادكم. أما إذا أصررت على البغي والغزو وعناد الحق، فثق تماماً وأقسم لك بالآلهة العظام أن الموت الزؤام والدمار الشامل ينتظرك وينتظر رجالك هنا على هذا الرمل، ولن يعود منكم مخبر إلى دياره!"

ضحك الملك أدنوك مجدداً ضحكة ساخرة وطويلة، تسببت نبراتها القوية في اهتزاز جنبات التلال وصمتت معها طيور الظلام لبرهة، ثم رد بنبرة مليئة بالطمع والتهديد المباشر الذي يكشف عن جشعه الأسود:

"تطلب مني أن أستسلم وأرحل يا مرنبتاح! من يملك ستين ألف حربة ووحوش بعل لا يستسلم للضعفاء. بل تستسلم أنت وتطلب الرحمة جلالتك! سلم مصر لي الآن دون قتال، وتنازل عن عرش أبيك وطاعة آلهتك الزائفة، وأنا أعدك هنا أمام ملوكي وقادتي بحياة كريمة تملؤها الرفاهية ولكن كتابع مخلص وذليل لي ولإرادتي الملكية الشاملة. إن رفضت عرضي هذا وكابرت، فسأقتلك أنت وأخاك الكاهن وكل مقاتل مصري غبي يقف معك على هذا الشاطئ الدامي، ثم سأتجه بجيوشي ووحوشي جنوباً لأحرق مصر كلها من الدلتا إلى أقصى طيبة! سأستبيح شعبك، وآخذ نساءك وأطفالك سبايا وخدم في قصورنا، وأحول معابدك العتيقة إلى رماد تذروه الرياح الباردة. الإله بعل معنا، وسيمدنا بعواصف وصواعق لا تُقهر! اختر بنفسك الآن وبسرعة... الموت والدمار الشامل، أو الخضوع والعيش تحت ظلي الخالص!"

بمجرد أن أنهى أدنوك كلماته المليئة بالتهديد والوعيد الأسود، ساد صمت ثقيل، مخيف وخانق للغاية، فوق الشاطئ بأكمله. لم يتحرك جندي مصري واحد من مكانه، ولم تهتز حربة في يد محارب، ولم يبدُ على وجوه الصامتين أي أثر للخوف أو التراجع، بل كانت العيون مثبتة نحو عيون الملك ينتظرون الإشارة. تقدم مرنبتاح خطوة أخرى بمركبته نحو التلال، ورفع سيفه الذهبي عالياً نحو السماء كأنه يطلب شهادة الآلهة، ثم رد بصوت مدوٍّ وهادر، زلزل الأرض وتحطمت معه كبرياء كلمات أدنوك:

"اسمعني جيداً وافتح أذنيك المغرورتين يا أدنوك! لن أسلمك مصر أبداً، ولن يطأ دنسك أو دنس جنودك شراً واحداً من أرضنا طالما فينا قلب ينبض وعرق يجري بدم الحياة! مصر ليست مجرد مساحة من الرمل نملكها أو أرض نزرعها ونقايض عليها... مصر هي قلب العالم النابض، ونور الحضارة الأول، ومهد "ماعت"، ونحن حماتها الشرعيون الذين اختارتهم الآلهة لحفظ الميزان ضد الفوضى! أنت ومن معك من الملوك المارقين لستم سوى كلاب تابعة لإله زائف يستمد قوته من الخراب والدمار والظلام. جئتم بهدف النهب والسرقة والحرق واستباحة النساء؟ سنعطيكم الموت الذي تستحقونه في عقر داركم! سنقاتلكم بشراسة لا عهد لكم بها في كتب حربكم، وسنحرق جيشكم وسنسحق وحوشكم الظلامية قبل أن تطأ خطوة واحدة من خيولكم أرض الكنانة الطاهرة!"

ثم دار مرنبتاح بمركبته الحربية بوجه يفيض بالعزم والإصرار نحو صفوف جنوده المتراصين، ونظر في عيونهم القريبة، ورفع سيفه عالياً ليراه كل مقاتل من أول الشاطئ إلى آخره، وألقى فيهم خطاباً حماسياً، هادراً، أشعل النار والحماس في الصدور وحول الجنود إلى براكين مستعدة للانفجار:

"أيها الجنود المصريون الأشداء! يا رجال المعارك وحماة الوادي الأخضر! يا أبناء النيل العظيم وبناة الحضارة! يا أبناء رمسيس الثاني العظيم الذي أمضى عمره كله ولم يعرف طعم الهزيمة يوماً!

اسمعوني جيداً في هذا الفجر... اليوم لا نقاتل من أجل غنائم نأخذها ونعود بها إلى بيوتنا، ولا من أجل مجد شخصي أو شهرة زائلة يكتبها المؤرخون على الجدران... اليوم نقاتل من أجل وجود مصر وبقاء نورها! نقاتل دفاعاً عن كرامة آبائنا، وأمهاتنا، وأبنائنا، ونسائنا اللواتي ينتظرن عودتنا في البيوت الآمنة! نقاتل من أجل طهر معابد آمون وبتاح وإيزيس العظيمة التي يريد الأعداء حرقها! نقاتل وفاءً لعهد جدي وذكرى أبي العظيم الذي أمضى شبابه وشيخوخته يبني هذا الوطن ويحميه ليظل شامخاً فوق الأمم!

انظروا إلى هؤلاء الغزاة فوق التلال... جاؤوا يحلمون بالنهب، والسرقة، والاستباحة، وظنوا في غرورهم أن غياب رمسيس سيجعل الأرض سهلة ومستباحة أمام خيولهم. لكنهم لن يجدوا هنا على هذا الرمل سوى الموت والدمار الشامل! سنقاتلهم بشراسة الأسد الكاسر الذي يحمي عرينه، وبقوة فيضان النيل الجارف الذي لا يقف في وجهه أي سد، وبنور الحكمة الإلهية التي وهبنا إياها تحوت العظيم! الإله ست يراقب شجاعتكم وعزمكم الآن من علياء سمائه وصحراء كنانته، والآلهة كلها تقف معنا في صف الحق ولن تخذل من يحمي الميزان!

من يقاتل معكم اليوم شجاعاً مخلصاً، سيعيش اسمه محفوراً في صفحات التاريخ الخالدة إلى الأبد وتتناقله الأجيال بفخر! ومن يسقط منا شهيداً مدافعاً عن الأرض والطهر، سيصبح بطلاً مكرماً ومستقبلاً بالترحاب والنور في عالم الموتى بين الأجداد العظام! لا تراجع بعد اليوم... لا استسلام لظلام بعل... فقط وفقط النصر العظيم الذي يشرف وطننا، أو الموت المجيد الذي يحفظ كرامتنا!

مصر... إلى الأبد!"

وما إن أنهى الملك مرنبتاح كلماته النارية، حتى انفجر الجيش المصري بأكمله في هتاف مدوٍّ وهائل، صرخ به ثلاثون ألف مقاتل بصوت واحد كالرعد المزلزل الذي شق السماء، واهتز له الشاطئ الرملي بالكامل وتحطمت معه أصوات أمواج البحر:

"مصر... إلى الأبد! مصر... إلى الأبد!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status