Partager

152

Auteur: Ahmed Habib
last update Date de publication: 2026-07-12 20:20:07

لكن ما إن أنهى كلماته، حتى شعرت أناتيرا فوراً بضيق شديد، مفاجئ، وعنيف يعتصر صدرها الإلهي. كانت التميمة الفيروزية القوية التي بثها سى اوزير تؤثر في جسدها المتنكر ككيان ظلامي أصيل؛ فشعرت بغثيان خفي، وألم روحي حاد كأن نيران الطهر تحرق أحشاءها المخبوءة. تحركت طاقتها الإلهية بعنف للدفاع عن نفسها، وشحب وجهها النحاسي قليلاً، وارتجفت شفتها. حاولت بكل ما تملك من دهاء إلهي إخفاء هذا الألم الروحي لئلا ينكشف أمرها أمامه، وتمتمت بصوت مرتجف تختلط فيه المعاناة بالخوف المصنوع:

"أنا... أنا ما زلتُ خائفة جداً يا أميري النبيل... ذلك الكابوس اللعين ترك في نفسي أثراً قوياً ورعباً لا يزول بمجرد الكلمات... لا أستطيع، ولا تجرؤ روحي على النوم في هذه الغرفة بمفردي الليلة. أفضل... أفضل بكثير أن أبقى بالخارج... ربما أذهب لأجلس على ضفة النيل الخالد تحت ضوء القمر حتى الصباح؛ فمياهه الهادئة وصوت نسيمه هما الوحيدان اللذان يبعثان في داخلي الطمأنينة والسكينة الآن."

نظر إليها سى اوزير بقلق شديد وعاطفة حانية ملأت قلبه؛ إذ رأى في شحوب وجهها وارتجاف صوتها دليلاً على رعب بشري حقيقي يعصف بوجدان فتاة مغتربة لا حول لها ولا قوة. لم يستطع الشاب الشجاع أن يتركها وحيدة في عتمة الليل على ضفاف النهر، فقال بصوت حازم، يحمل لطافة الحماة ونبل الفرسان:

"لا تقلقي يا أناتيرا ولا تحملي هماً... لن أدعكِ تواجهين خوفكِ بمفردكِ في هذا الليل الصقيعي. سأرافقكِ بنفسي... سأذهب معكِ وأجلس بجانبكِ على الضفة حتى تشرق الشمس ويهدأ روع قلبكِ الصغير تماماً."

انفرجت أسارير وجهها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفية، انتصارية، وقاسية في أعماق روحها الحاقدة؛ فقد نجحت التميمة التي آلمتها في تحقيق غاية أفضل، وها هو الصيد الثمين يسير بقدميه نحو شاطئ الغواية المفتوح. أظهرت له تعبيراً يفيض بالامتنان البالغ والخجل العذري، وقالت بنبرة تقطر رقة:

"شكراً لكَ يا سيدي... إنك حقاً أنبل من عرفتُ في حياتي، وسأظل ممتنة لحنانك الكبير."

خرجا معاً بخطى وئيدة من بوابات المعبد الخلفية نحو الشرفة الكبرى والحدائق الممتدة التي تطل مباشرة على مجرى نهر النيل الخالد، تحت ضوء القمر المكتمل الذي كان يغمر الوادي بوشاحه الفضي الساحر.

كان سى اوزير يحاول بكل ما يملك من أخلاق الأمراء وطهر الكهنة أن يبقي بينه وبينها مسافة محترمة تضمن الشرف؛ وبدلاً من الاستسلام للأفكار المثيرة أو الرغبات المكبوتة التي حاولت اقتحام عقله، قرر تشغيل فكره ولسانه بما يكسر حاجز الفتنة ويقوي وقاره. التفت إليها بنظرة رصينة، ووضع يده على مقبض سيفه، وقال بنبرة هادئة وجادة:

"أنا في الحقيقة لا أعرف عنكِ شيئاً يا أناتيرا... لقد جئتِ إلينا وسط وفود الشمال، واهتممتِ بالعلوم بذكاء ملحوظ، ولكننا لم نتطرق يوماً إلى أصلكِ. حدثيني عن نفسكِ، عن عائلتكِ، وعن حياتكِ في بلادكِ البعيدة قبل أن تأتي إلى أرض مصر."

صُدمت عنات في غسق تنكرها من هذا السؤال المفاجئ والمباشر؛ فقد كانت تتوقع أن يقع الشاب في شباك الصمت والشهوة الخفية، أو أن تغلبه مشاعر القرب تحت ضوء القمر. لكن سى اوزير أثبت بحكمته أنه ابن حقيقي لخع إم واست، قادر على التحكم في مسار الليلة بعقله لا بغرائزه.

حاولت السيطرة على ارتباك طاقتها، وأطرقت رأسها بتظاهر الحزن والشجن الشمالي، وقالت بصوت خافت يقطر مسكنة:

"بلادي... بلادي أصبحت مجرد رماد وذكريات حزينة يا أميري. أنا ابنة عائلة نبيلة كانت تحكم مقاطعة صغيرة في مرتفعات الشمال، عشتُ طفولتي بين قلاع الجبال الخضراء، حيث كنا نظن أن العالم ينتهي عند حدود ودياننا. لم نكن نعرف عن مصر سوى أنها قوة عظيمة وبعيدة، حتى دارت عجلة الحروب وتحالفت ممالكنا في طيش وبغي ضد تاجكم الشامخ."

التقطت أنفاسها، ونظرت إليه بعينيها الخضراوين محاولة إيجاد ثغرة في ثباته، وتابعت مراوغتها:

"عندما سقطت قلاعنا وتحطمت شوكتنا في الحملة الأخيرة، مات أبي في المعركة، وتفرقت عائلتي. أصبحتُ وحيدة وسط الخراب، ولم ينقذني من الضياع سوى أمر عمك الملك مرنبتاح باستقدامنا. جئتُ إلى هنا وأنا أحمل خوفاً هائلاً من انتقامكم، لكنني وجدتُ في معاهدكم وجهاً آخر لمصر... وجهاً يفيض بالنور والحكمة التي تجعل فتاة مكسورة مثلي تتمنى الاندماج والبدء من جديد. هذا كل ما في أمري... مجرد فتاة تبحث عن وطن بديل يحميها من قسوة الماضي."

استمع سى اوزير إلى كلماتها بإنصات كامل وبذكاء وادع؛ ورغم رقة حديثها وعذوبة نبراتها، إلا أن عقله ظل يقظاً، يزن الكلمات بميزان "ماعت" الشريف، محافظاً على المسافة المقدسة والوقار الذي يحميه ويحمي عائلته من أي مجهول، بينما كانت الإلهة المتنكرة تدرك في سرها الشرير أن قلاع هذا الأمير الشاب أشد حصانة ومَنَعة مما ظنت، وأن مواجهته ستحتاج إلى دهاء أكبر من مجرد جمال مصنوع.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • سيد الرماد والضوء   170

    تسمرت "تفنوت" في مدخل الغرفة، واتسعت عيناها بذهولٍ لم تعهده قط، وكأن الزمن توقف داخل تلك الغرفة الصغيرة التي تفوح برائحة الأعشاب الطبية وعبقٍ غامضٍ ينبعث من جسد "أناتيرا". كان المشهد أمامها لا يحتاج إلى تفسيرٍ مطول؛ ابنها البار، الذي لطالما كان مثالاً للرزانة والوقار، يقف أمامها كمن أُلقي في أتونِ نار، جسده العاري العلوي يلمع بعرقٍ كثيف، وأنفاسه تتلاحق كأنما خرج لتوّه من معركةٍ ضارية، بينما ترقد الفتاة الغريبة على فراشه، مغطاةً بقطعةٍ لا تكاد تستر مفاتن جسدها الأسطوري. شعرت تفنوت برعشةٍ تسري في جسدها، فالمشهدُ لم يكن مجرد حادثة، بل كان صدمةً لكل المبادئ التي ربت عليها سلالة رمسيس. في تلك اللحظة الحرجة، كان دخول "تفنوت" بمثابة صاعقةٍ أيقظت "سى اوزير" من غيبوبة الحواس التي كادت تودي بعقله. أدرك الأمير أن جسده قد خانه، وأن حالته الفاضحة أمام والدته لا يمكن السكوت عنها. تسارعت ضربات قلبه، ليس من الشهوة هذه المرة، بل من هول الموقف. سارع بالنهوض، وحاول بيدا مرتعشتين أن يشد الغطاء أكثر على "أناتيرا" ليحجب عنها نظرات أمه، واندفع بكلماتٍ متسارعة، صوته يتهدج بالارتباك: "أمي! ارجوكِ.. لا تسيئي

  • سيد الرماد والضوء   169

    لم يعرف سي اوزير ماذا يفعل هل ينادى على الحراس ليحملوها للداخل ويستدعى الطبيب لكن كيف وهى عاريه هكذا ام يحملها هو للداخل ويداويها بنفسه لكن ايضا كيف فعندما تفيق وهى على هذا الحال وهى عاريه تماما بجسدها الاسطورى سيكون الموقف محرج لم ينتظر كثيرا وحملها واسرع الى غرفتها ووضعها على سريره دون ان يراه احدا ثم هرع الى الخارج ليحضر الاعشاب اللازمه ليداويها وندهوالى احد الحراس ليذهب الى غرفة ابيه ليستدعى امه بخصوص امر ما ولم يشأ ان يجعله عاجل حتى لا يثير التساؤلات في هذا الوقت المتاخر ثم عاد الى غرفته ومعه الاعشاب واناتيرا لم تكن تعلم انه استدعى والدته وبدا كانها فرصه لتختلى به وحدها دخل سي اوزير غرفته ونظر اليها والى جسدها الفاتن ثم قام بتغطيه جسدها بغطاء ثم صنع دواء من تلك الاعشاب كانت الغرفة غارقة في هدوءٍ مشوبٍ بالتوتر، لا يقطعه سوى صوت الأنفاس المتلاحقة لـ "سى اوزير" الذي كان يراقب "أناتيرا" وهي تستعيد وعيها. كانت الفتاة مستلقية على فراشه، وقد ألقى عليها غطاءً كتانياً خفيفاً، لكن حركة جسدها المضطربة جعلت الغطاء يرتخي قليلاً، كاشفاً عن رقة ملامحها التي بدأت تستعيد حيويتها. كان الأمير يغالب

  • سيد الرماد والضوء   168

    لم يعد "سى اوزير" قادراً على تحمل الصمت المريب، فبعد أن تأخر ظهور طيفها على السطح، انقشع قناع الانبهار ليحل محله رعبٌ وجوديٌّ جمد الدماء في عروقه. في لحظةٍ خاطفة، تلاشت كل الحكمة الكهنوتية، ولم يبقَ سوى غريزة الرجل الذي يرى معبودته تبتلعها الغياهب. اندفع من شرفته كالسهم المنطلق، وبقفزةٍ بهلوانية اخترق هواء الليل، لترتطم قدماه ببرودة مياه النيل التي شعرت وكأنها سكاكين تغرز في جسده. لم يكترث لعمق النهر أو لظلام قاعه؛ كان يغوص بجنون، وعيناه الفيروزيتان تمسحان القاع ببحثٍ محموم. وفجأة، رأى طيفاً شاحباً يغوص ببطءٍ نحو القاع السحيق، وكأن قوةً خفية تجذبها إلى الأسفل. زفر في الماء زفرةً مكتومة، واندفع نحوها بكل ما أوتي من قوة بدنية اكتسبها من سنوات تدريبه وقوته البدنية التى توارثها من ابيه وجده رمسيس العظيم . وما إن وصلت يده إلى معصمها، حتى جذبها بقوةٍ نحو صدره، وشعر ببرودة جسدها التي صدمت كل ذرةٍ في كيانه. بدأ في الصعود بكل ما لديه من طاقة، والماء يضغط على رئتيه، لكنه لم يكترث، كان هدفه الوحيد هو ملامسة الهواء الذي تحتاجه. خرج من الماء كغريقٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة، حاملاً جسدها الذي بدا كت

  • سيد الرماد والضوء   167

    مع استمرار المشهد، بدأت الحركات تصبح أكثر غرابة في عيني "سى اوزير". "أناتيرا" لم تكن تسبح بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت تندمج مع الماء بشكلٍ مريب. كانت حركاتها انسيابية إلى درجةٍ تفوق قدرة أي سباحٍ مهر. غاصت تحت السطح، وبقيت مدة طويلة، مما أثار دهشة الأمير، لكنه ظل يبتسم بضعف، معتقداً أنها تختبر قدرتها على البقاء تحت الماء، أو أنها تمارس نوعاً من التدريب الذي تعلمته في بلاد الشمال الباردة. كان يراقب السطح وهو يضطرب، ينتظر خروجها وهي تضحك أو تمسح الماء عن وجهها. كانت الابتسامة لا تزال مرتسمة على شفتيه، لكنها كانت ابتسامة ممزوجة بالتوتر الخفي. لم يشعر بالخوف، بل شعر بنوع من الإعجاب بقدرتها على التكيف مع هذا العنصر المتغير. كان يرى في ذلك الغوص رغبةً في الانفصال عن العالم الخارجي، تماماً كما كان يفعل هو عندما يتأمل النجوم في ليالي السكون. أحس الأمير بأنها كانت تتلاعب بالزمن، وبالماء، وحتى بوعيه هو. كل حركةٍ تقوم بها كانت تثير فيه فضولاً لا يرتوي. "أين تذهبين يا أناتيرا؟ وماذا ترين في تلك الأعماق التي لا أراها؟" كان يتساءل في عقله، دون أن يصدر أي صوت. ظلت غائبة لفترة أطول، وهنا بدأت شجا

  • سيد الرماد والضوء   166

    ساد الصمت المطلق أرجاء المعبد، ولم يقطعه سوى خرير مياه النيل الهادئ الذي ينساب ببطء وكأنه يحمل أسرار العصور القديمة. كان "سى اوزير" واقفاً في شرفته العالية، يراقب المشهد وكأنه مسحور بتعويذة قديمة لا تملك عيناه الفيروزيتان الفكاك منها. كانت ليلة مقمرة، حيث بدا ضوء البدر وكأنه يسكب الفضة السائلة فوق سطح النهر، محولاً المياه إلى بساط متلألئ يعكس هيبة السماء. في تلك اللحظة، ظهر طيف "أناتيرا" من شرفتها المقابلة، وبدت كأنها حورية خرجت لتوها من قصص الخيال التي كان يقرؤها في صباه. لم تكن مجرد فتاة، بل كانت تجسيداً للرقة والغموض. كانت تتحرك بتناغم شديد، وكل حركة من حركاتها كانت تزيد من حدة الاضطراب الذي يغلي في صدره. كان الأمير يراقبها وهي تتجول في شرفتها، يرى كيف يداعب النسيم ثوبها الحريري الشفاف، وكيف ينساب شعرها الأسود الطويل على كتفيها كأنه ليلٌ سرمدي. لم يكن "سى اوزير" يراها كطالبةٍ في المعبد، بل كان يراها كأعجوبةٍ إلهية تفوق منطق الكهنة. كان يتابع تفاصيل جسدها الممشوق تحت ضوء القمر، يرى انحناءات خصرها، وبروز صدرها، وتلك الرشاقة التي لا تكاد تلمس الأرض. وفي تلك اللحظة، اتخذت "أناتيرا" قر

  • سيد الرماد والضوء   165

    انصرف الأمير "سى اوزير" من قاعة المشورة بخطوات متباطئة، مثقلة بعبء الكلمات التي نطق بها أمام والده وعمه. كان يترك خلفه نظراتهما المتفحصة ليغرق مجدداً في دوامة أفكاره، بينما اتجه قلبه وعقله نحو المهام الكهنوتية التي تنتظره في أروقة معبد "بتاح"، في محاولةٍ يائسة لاستعادة توازنه المفقود. على الجانب الآخر، لم تجد الأميرة "تفنوت" أيّ وسيلة للهدوء بعد لقائها المريب مع "أناتيرا". كانت تمشي في الممرات الفسيحة، وقد تلبّستها حالة من اليقظة الشديدة التي لا تفارق الكاهنات اللواتي خبرن أسرار الغيب. بمجرد أن رأت زوجها "خع إم واست" في جناحه الخاص، يراجع بعض اللفائف البردية التي تخص طقوس الحماية الكبرى، دخلت عليه بملامح تنبئ بأن في صدرها حديثاً لا يحتمل التأجيل. اقتربت منه، ووضعت يدها على اللفيفة التي كان يقرؤها، وقالت بصوت خافت لكنه مشحون بالإصرار: "يا زوجي، لا تظن أنني جئت لأشغل وقتك بحديث العيد وما جرى فيه. قلبي لا يزال يرتجف، وهناك شعورٌ بارد يغلف روحي كلما اقتربتُ من تلك الفتاة الشمالية. لقد طلبتُ من الكاهن 'حور-محب' أن يراقبها، لكنني أعلم أن هذا لا يكفي. أنت يا خع إم واست، تمتلك من القدرات م

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status