Share

153

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-12 20:20:11

"أنا في الحقيقة لا أعرف عنكِ الكثير يا أناتيرا... لقد جئتِ إلى أرضنا وسط وفود أمراء الشمال الخاضعين لتاجنا، واهتممتِ بالعلوم المقدسة بذكاء فذ ملحوظ أذهل الكهنة، ولكننا لم نتطرق يوماً إلى حقيقة ما يختلج في صدركِ. أخبريني بصدق واكشفي لي ما في باطنكِ... هل حقاً لا تحملين في أعماق روحكِ أي حقد أو ضغينة ضد مصر وضد جلالة الفرعون مرنبتاح؟ لقد أمات الفرعون العظيم والدكِ في معارك ساحات الحرب الأخيرة، وجعل مملكتكم القديمة ووديانكم الخصبة خراباً مهدماً تحت وطأة الضربات العسكرية.

وليس هذا فحسب، بل ألا تجدين في نفسكِ سبباً كافياً لتهجيريني وتكرهيني أنا بالذات؟ فأنا وأبي الأمير خع إم واست شاركنا في تلك الحملة القاسية بكل ما أوتينا من قوة عسكرية وسحر كهنوتي، ودمرنا قلاعكم الحصينة بحد السيف وبصواعق النور التي بددت طلاسم شمالكم. من المنطقي، والبديهي جداً من الناحية البشرية، أن تشعري بكل هذا الحقد، والكره، والرغبة في الانتقام تجاهنا جميعاً؛ بل هو الأمر الطبيعي والواجب لأي ابنة مخلصة لدم أبيها الراحل. فكيف لكِ أن تجلسي هنا وادعة تبتسمين لمن حطموا ملككِ؟"

كان الأمير الشاب يلقي بهذه الكلمات القاسية والدقيقة بمكر مدروس؛ إذ كان غرضه الأساسي هو سبر أغوار طوية نفسها، واختبار حقيقة مشاعرها وما تضمره في جوفها؛ فتعاليم الحكماء قد رسخت في عقله أن الغضب المكبوت والسكوت غير المبرر هما أولى بذور الخيانة التي تنبت في ظلال القصور وتدمر العروش من الداخل.

صمتت أناتيرا — الإلهة المتنكرة "عنات" — لعدة لحظات خاطفة، وأطرقت رأسها الصغير نحو الأرض بتظاهر الحيرة التامة والألم الدفين، بينما كان عقلها الإلهي الماكر والشرير يطبخ الرد المناسب بسرعة مذهلة ليخترق حصونه الروحية ويقضي على شكوكه ببراعة الأفاعي التي تحسن التسلل. كانت تدرك أن سى اوزير ليس صيداً سهلاً، وأن ذكاءه الكهنوتي يمثل عقبة كبرى أمام خطتها.

لذا، قررت أن تستخدم الصدق الظاهري والاعتراف بالضعف البشري كسلاح فتاك يسلب الحكماء قدرتهم على النقد. رفعت عينيها الخضراوين الساحرتين اللتين كانت تلمعان تحت ضوء القمر ببريق أخّاذ، ونظرت في عمق عينيه الفيروزيتين، وقالت بصوت ناعم، متهدج، ويقطر رقة ومسكنة تذيب القلوب:

"لن أكذب عليكَ أبداً أو أتجمل بالزيف أيها الأمير الحكيم والمبجل... فسيكون من الغباء أن أحاول خداع عقل يملك نور تحوت. في بادئ الأمر، وعندما تناهت إلينا أنباء الهزيمة المروعة وسقطت بلادي وقلاعنا تحت أقدام جيوشكم، كان القهر والحزن يكادان يقتلانني ويمزقان أحشائي؛ ففي الأخير، ومهما كانت خطيئته، هو أبي الذي نلتُ منه اسمي، ونَسبي، وعطفي، وبسببه عشتُ مكرمة في قصور الشمال.

في تلك الأيام السوداء الدامية، بدأتُ أرى الخراب ماثلاً حولي في كل شبر من ودياننا، ولم يعد هناك موطئ قدم آمن واحد ألوذ به أو يعيد لي سكينة روحي. ظننتُ بيقين قاطع أنني لن أجد في هذا العالم الفسيح ما يعيلني أو يسد رمقي بعد فقدان عائلتي، وأن الموت جوعاً أو سبياً قادم لا محالة تحت وطأة الفوضى. في تلك اللحظات الرهيبة، نعم... شعرتُ بغضب عارم، وبحقد أسود، وبيأس قاتل ضدكم جميعاً. كنتُ أكره اسم مصر، وأكره الفرعون، وأكره كل من شارك في إخماد نور مملكتنا وحرماننا من سيادتنا."

توقفت لثوانٍ، وتظاهرت بأخذ نفس عميق لتطرد غصة البكاء المصطنعة، ثم اقتربت منه خطوة صغيرة، مستندة بيدها على حافة المقعد الحجري، وتابعت حديثها المسموم والمغلف بالدهاء:

"ولكن... بعد أن مرت الأسابيع القليلة الأولى على الكارثة، بدأتُ أرى بأم عيني ما أذهل عقلي وحير فكر شعبي كله. رأيتُ أن الفرعون مرنبتاح لم يكتفِ بنيل النصر العسكري الساحق وفرض شروطه، بل أرسل على الفور قوافل من مستشاريه، وبناءيه، ومهندسيه الحكماء، ليس لنهب ما تبقى، بل لإعادة إعمار مملكتنا المهدمة، وتطهير قلاعنا، وبناء بيوت الفلاحين بشكل أفضل، وأجمل، وأقوى مما كانت عليه في عهد آبائنا!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status