共有

156

作者: Ahmed Habib
last update 公開日: 2026-07-15 15:21:24

بدأ عيد الأوبت في ربوع مصر بكل بهائه وجلاله، ليملأ الأرض بنور المجد والقداسة، كما كان يُحتفل به منذ عهد الأجداد العظام الفاتحين. كان هذا العيد يمثل أحد أعظم وأقدس الاحتفالات الدينية في تاريخ العاصمة طيبة ووادي النيل برمتها؛ إذ كان يرمز في جوهره الكوني إلى تجديد الخصوبة في الطبيعة، وتأكيد قوة وجود الفرعون، وإعلان الاتحاد المقدس بين ملك الآلهة "آمون رع" وزوجته الإلهة الأم "موت" وابنهما إله القمر "خنسو". وفي عهد الملك العظيم "مرنبتاح"، كان العيد يُقام بفخامة أسطورية، غير مسبوقة، تعكس بوضوح جبروت الإمبراطورية المصرية وقوتها العسكرية العظمى بعد انتصارها الساحق والأخير على جحافل ممالك الشمال.

بدأت المراسم الرسمية والدينية الكبرى من جوف معبد الكرنك الشامخ. وحمل الكهنة المقدسون، الذين ارتدوا ثياباً كتانية بيضاء ناصعة ومطرزة بخيوط الذهب الخالص، محفة الإله آمون الطاهرة على أكتافهم القوية. كانت المحفة كأنها بارقة ذهبية تسلب الأبصار، مزينة بتماثيل دقيقة وأعمدة مقدسة تلمع تحت أشعة الشمس القوية.

وكان الفرعون مرنبتاح يتقدم الموكب الملكي المهيب راكباً مركبت الحربية الفاخرة، يرتدي التاج المزدوج لمصر العليا والسفلى، ويلوح بيده الشامخة للشعب الوفي الذي كان يصطف بمئات الآلاف على جانبي طريق الكباش المقدس الممتد بين الكرنك ومعبد الأقصر، وهم يهتفون باسمه ويبخرون الطرقات.

وكان الأمير الحكيم "خع إم واست" يسير برزانة ووقار بجانب مركبة أخيه الملك، مرتدياً رداءه الكهنوتي الفاخر والمصنوع من جلد الفهد المنقوش، ويحمل في يده اليمنى صولجان الإله تحوت المقدس، رمز العلم والمعرفة. كان دوره المحوري في المراسم يتمثل في تلاوة الترانيم السرية والتعاويذ الكبرى المستمدة من كتب الحكمة؛ لتأمين الموكب وطرد أرواح الفوضى، وتجديد القوة الإلهية للفرعون أمام الأكوان.

أما زوجته الأميرة النبيلة "تفنوت"، الكاهنة العظيمة، فقد كانت تقود في الجانب الآخر مجموعة مختارة من كاهنات معبد بتاح ومنف. كانت ترتدي ثوباً أبيض نقياً مطرزاً بزهرات اللوتس الزرقاء، وتحمل بين يديها إناء النيل المقدس الذي يحتوي على الماء المبارك الأخير، رمزاً للخصوبة وتجدد الحياة في الوادي. كانت تفنوت تغني بصوتها الرخيم العذب الأناشيد السرية والمقدسة للإلهة إيزيس والإلهة موت، مما ملأ الأجواء بروحانية عميقة وخشوع تدمع له العيون.

ومن بين حشود الموكب الملكي الصاخب، كانت الأميرة الشمالية المتنكرة "أناتيرا" — الإلهة "عنات" — تشارك في المسيرة بمظهر ساحر يخطف الأبصار ويسلب عقول الرجال الأشداء. ارتدت ثوباً فرعونياً فاخراً مصنوعاً من الكتان الأبيض النامي والشفاف، والذي طُرز بدقة متناهية بخيوط ذهبية وزهرات لوتس زرقاء عند الأطراف، فجاء الثوب ضيقاً يلتصق بمنحنيات جسدها الأنثوي المكتمل والمثير بشكل مبهر؛ يبرز استدارة وركيها الفاتنين، وضيق خصرها النحيل، وبروز صدرها الممتلئ الذي كان يرتفع بوضوح مع أنفاسها اللاهبة.

وضعت على رأسها تاجاً ذهبياً صغيراً، صُمم على هيئة قرني بقرة يحيطان بقرص الشمس المتوهج — وهو الرمز المقدس للإلهة "حتحور"، إلهة الحب والجمال والخصوبة. وأحاطت عينيها الخضراوان الواسعتين بخط أسود طويل من الكحل الملكي الثقيل، مما منح نظراتها عمقاً سحرياً مفرطاً، وجعلها تبدو في أعين الحشود وكأنها تجسيد حي ونازل للإلهة حتحور نفسها على الأرض.

كانت تسير ب رقة ودلال بين صفوف الموكب، تحمل بين يديها سلة منسوجة من الخوص المليء بالزهور الملونة ذات الرائحة الذكية، وتبتسم ابتسامة خجولة، وادعة، ولكنها ساحرة للغاية، وتوزع الزهور بيمينها على عامة الشعب. كان كل من تقع عيناه عليها من الحراس، والنبلاء، والمارة يتوقف عن الحركة للحظات، واقفاً مشدوهاً ومفتوناً بهذا الجمال البارع ورقتها الظاهرية التي تخفي وراءها حقد آلهة دمرت الممالك.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • سيد الرماد والضوء   170

    تسمرت "تفنوت" في مدخل الغرفة، واتسعت عيناها بذهولٍ لم تعهده قط، وكأن الزمن توقف داخل تلك الغرفة الصغيرة التي تفوح برائحة الأعشاب الطبية وعبقٍ غامضٍ ينبعث من جسد "أناتيرا". كان المشهد أمامها لا يحتاج إلى تفسيرٍ مطول؛ ابنها البار، الذي لطالما كان مثالاً للرزانة والوقار، يقف أمامها كمن أُلقي في أتونِ نار، جسده العاري العلوي يلمع بعرقٍ كثيف، وأنفاسه تتلاحق كأنما خرج لتوّه من معركةٍ ضارية، بينما ترقد الفتاة الغريبة على فراشه، مغطاةً بقطعةٍ لا تكاد تستر مفاتن جسدها الأسطوري. شعرت تفنوت برعشةٍ تسري في جسدها، فالمشهدُ لم يكن مجرد حادثة، بل كان صدمةً لكل المبادئ التي ربت عليها سلالة رمسيس. في تلك اللحظة الحرجة، كان دخول "تفنوت" بمثابة صاعقةٍ أيقظت "سى اوزير" من غيبوبة الحواس التي كادت تودي بعقله. أدرك الأمير أن جسده قد خانه، وأن حالته الفاضحة أمام والدته لا يمكن السكوت عنها. تسارعت ضربات قلبه، ليس من الشهوة هذه المرة، بل من هول الموقف. سارع بالنهوض، وحاول بيدا مرتعشتين أن يشد الغطاء أكثر على "أناتيرا" ليحجب عنها نظرات أمه، واندفع بكلماتٍ متسارعة، صوته يتهدج بالارتباك: "أمي! ارجوكِ.. لا تسيئي

  • سيد الرماد والضوء   169

    لم يعرف سي اوزير ماذا يفعل هل ينادى على الحراس ليحملوها للداخل ويستدعى الطبيب لكن كيف وهى عاريه هكذا ام يحملها هو للداخل ويداويها بنفسه لكن ايضا كيف فعندما تفيق وهى على هذا الحال وهى عاريه تماما بجسدها الاسطورى سيكون الموقف محرج لم ينتظر كثيرا وحملها واسرع الى غرفتها ووضعها على سريره دون ان يراه احدا ثم هرع الى الخارج ليحضر الاعشاب اللازمه ليداويها وندهوالى احد الحراس ليذهب الى غرفة ابيه ليستدعى امه بخصوص امر ما ولم يشأ ان يجعله عاجل حتى لا يثير التساؤلات في هذا الوقت المتاخر ثم عاد الى غرفته ومعه الاعشاب واناتيرا لم تكن تعلم انه استدعى والدته وبدا كانها فرصه لتختلى به وحدها دخل سي اوزير غرفته ونظر اليها والى جسدها الفاتن ثم قام بتغطيه جسدها بغطاء ثم صنع دواء من تلك الاعشاب كانت الغرفة غارقة في هدوءٍ مشوبٍ بالتوتر، لا يقطعه سوى صوت الأنفاس المتلاحقة لـ "سى اوزير" الذي كان يراقب "أناتيرا" وهي تستعيد وعيها. كانت الفتاة مستلقية على فراشه، وقد ألقى عليها غطاءً كتانياً خفيفاً، لكن حركة جسدها المضطربة جعلت الغطاء يرتخي قليلاً، كاشفاً عن رقة ملامحها التي بدأت تستعيد حيويتها. كان الأمير يغالب

  • سيد الرماد والضوء   168

    لم يعد "سى اوزير" قادراً على تحمل الصمت المريب، فبعد أن تأخر ظهور طيفها على السطح، انقشع قناع الانبهار ليحل محله رعبٌ وجوديٌّ جمد الدماء في عروقه. في لحظةٍ خاطفة، تلاشت كل الحكمة الكهنوتية، ولم يبقَ سوى غريزة الرجل الذي يرى معبودته تبتلعها الغياهب. اندفع من شرفته كالسهم المنطلق، وبقفزةٍ بهلوانية اخترق هواء الليل، لترتطم قدماه ببرودة مياه النيل التي شعرت وكأنها سكاكين تغرز في جسده. لم يكترث لعمق النهر أو لظلام قاعه؛ كان يغوص بجنون، وعيناه الفيروزيتان تمسحان القاع ببحثٍ محموم. وفجأة، رأى طيفاً شاحباً يغوص ببطءٍ نحو القاع السحيق، وكأن قوةً خفية تجذبها إلى الأسفل. زفر في الماء زفرةً مكتومة، واندفع نحوها بكل ما أوتي من قوة بدنية اكتسبها من سنوات تدريبه وقوته البدنية التى توارثها من ابيه وجده رمسيس العظيم . وما إن وصلت يده إلى معصمها، حتى جذبها بقوةٍ نحو صدره، وشعر ببرودة جسدها التي صدمت كل ذرةٍ في كيانه. بدأ في الصعود بكل ما لديه من طاقة، والماء يضغط على رئتيه، لكنه لم يكترث، كان هدفه الوحيد هو ملامسة الهواء الذي تحتاجه. خرج من الماء كغريقٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة، حاملاً جسدها الذي بدا كت

  • سيد الرماد والضوء   167

    مع استمرار المشهد، بدأت الحركات تصبح أكثر غرابة في عيني "سى اوزير". "أناتيرا" لم تكن تسبح بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت تندمج مع الماء بشكلٍ مريب. كانت حركاتها انسيابية إلى درجةٍ تفوق قدرة أي سباحٍ مهر. غاصت تحت السطح، وبقيت مدة طويلة، مما أثار دهشة الأمير، لكنه ظل يبتسم بضعف، معتقداً أنها تختبر قدرتها على البقاء تحت الماء، أو أنها تمارس نوعاً من التدريب الذي تعلمته في بلاد الشمال الباردة. كان يراقب السطح وهو يضطرب، ينتظر خروجها وهي تضحك أو تمسح الماء عن وجهها. كانت الابتسامة لا تزال مرتسمة على شفتيه، لكنها كانت ابتسامة ممزوجة بالتوتر الخفي. لم يشعر بالخوف، بل شعر بنوع من الإعجاب بقدرتها على التكيف مع هذا العنصر المتغير. كان يرى في ذلك الغوص رغبةً في الانفصال عن العالم الخارجي، تماماً كما كان يفعل هو عندما يتأمل النجوم في ليالي السكون. أحس الأمير بأنها كانت تتلاعب بالزمن، وبالماء، وحتى بوعيه هو. كل حركةٍ تقوم بها كانت تثير فيه فضولاً لا يرتوي. "أين تذهبين يا أناتيرا؟ وماذا ترين في تلك الأعماق التي لا أراها؟" كان يتساءل في عقله، دون أن يصدر أي صوت. ظلت غائبة لفترة أطول، وهنا بدأت شجا

  • سيد الرماد والضوء   166

    ساد الصمت المطلق أرجاء المعبد، ولم يقطعه سوى خرير مياه النيل الهادئ الذي ينساب ببطء وكأنه يحمل أسرار العصور القديمة. كان "سى اوزير" واقفاً في شرفته العالية، يراقب المشهد وكأنه مسحور بتعويذة قديمة لا تملك عيناه الفيروزيتان الفكاك منها. كانت ليلة مقمرة، حيث بدا ضوء البدر وكأنه يسكب الفضة السائلة فوق سطح النهر، محولاً المياه إلى بساط متلألئ يعكس هيبة السماء. في تلك اللحظة، ظهر طيف "أناتيرا" من شرفتها المقابلة، وبدت كأنها حورية خرجت لتوها من قصص الخيال التي كان يقرؤها في صباه. لم تكن مجرد فتاة، بل كانت تجسيداً للرقة والغموض. كانت تتحرك بتناغم شديد، وكل حركة من حركاتها كانت تزيد من حدة الاضطراب الذي يغلي في صدره. كان الأمير يراقبها وهي تتجول في شرفتها، يرى كيف يداعب النسيم ثوبها الحريري الشفاف، وكيف ينساب شعرها الأسود الطويل على كتفيها كأنه ليلٌ سرمدي. لم يكن "سى اوزير" يراها كطالبةٍ في المعبد، بل كان يراها كأعجوبةٍ إلهية تفوق منطق الكهنة. كان يتابع تفاصيل جسدها الممشوق تحت ضوء القمر، يرى انحناءات خصرها، وبروز صدرها، وتلك الرشاقة التي لا تكاد تلمس الأرض. وفي تلك اللحظة، اتخذت "أناتيرا" قر

  • سيد الرماد والضوء   165

    انصرف الأمير "سى اوزير" من قاعة المشورة بخطوات متباطئة، مثقلة بعبء الكلمات التي نطق بها أمام والده وعمه. كان يترك خلفه نظراتهما المتفحصة ليغرق مجدداً في دوامة أفكاره، بينما اتجه قلبه وعقله نحو المهام الكهنوتية التي تنتظره في أروقة معبد "بتاح"، في محاولةٍ يائسة لاستعادة توازنه المفقود. على الجانب الآخر، لم تجد الأميرة "تفنوت" أيّ وسيلة للهدوء بعد لقائها المريب مع "أناتيرا". كانت تمشي في الممرات الفسيحة، وقد تلبّستها حالة من اليقظة الشديدة التي لا تفارق الكاهنات اللواتي خبرن أسرار الغيب. بمجرد أن رأت زوجها "خع إم واست" في جناحه الخاص، يراجع بعض اللفائف البردية التي تخص طقوس الحماية الكبرى، دخلت عليه بملامح تنبئ بأن في صدرها حديثاً لا يحتمل التأجيل. اقتربت منه، ووضعت يدها على اللفيفة التي كان يقرؤها، وقالت بصوت خافت لكنه مشحون بالإصرار: "يا زوجي، لا تظن أنني جئت لأشغل وقتك بحديث العيد وما جرى فيه. قلبي لا يزال يرتجف، وهناك شعورٌ بارد يغلف روحي كلما اقتربتُ من تلك الفتاة الشمالية. لقد طلبتُ من الكاهن 'حور-محب' أن يراقبها، لكنني أعلم أن هذا لا يكفي. أنت يا خع إم واست، تمتلك من القدرات م

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status