مشاركة

157

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-07-15 15:21:30

أما الأمير الشاب "سى اوزير"، الذي كان يسير بوقار ورزانة بجانب والديه خع إم واست وتفنوت، فقد شعر بقلبه يخفق بعنف شديد ويضرب جنبات صدره المفتول بمجرد أن لمحت عيناه الفيروزيتان طيف حضورها الفتّان في ساحة الموكب. في ثانية واحدة، اندفعت إلى عقله كل الذكريات الحارة التي حاول جاهداً قمعها؛ تذكر مشهد ضفة النيل في الغسق، وجسدها النحاسي العاري تماماً وهو يتلألأ تحت ضوء القمر، وصوت أنينها العذب في أحلام ليله الطويل.

حاول الأمير بكل ما يملك من ورع كاهن وعفة أمير أن يشيح بنظراته بعيداً نحو تماثيل الكباش أو زوارق الآلهة، لكن عينيه، رغماً عن كل تعاليمه، كانت تعودان لتنجذبا نحو قوامها الممشوق وحركتها الرشيقة كالمغناطيس. بدت له في تلك الساعة كإلهة حية نبعت من أساطير الأولين، جميلة إلى درجة أثارت في أعماق جوانحه مزيجاً مدمراً من الإعجاب الشديد، والارتباك النفسي، والرغبة الشبابية المكبوتة التي تشتعل كالنار تحت الرماد البركاني.

كانت أناتيرا تدرك بحواسها الإلهية الخفية والراصدة أن عيني الأمير الفيروزيتين معلقتان بها وتلاحقان أثر خطواتها ب لوعة وشغف. بدأت تتقرب منه تدريجياً، مخترقة صفوف الكاهنات بخطى وئيدة، متظاهرة بتوزيع الزهور، حتى أصبحت بجانبه تماماً في مسار الموكب الملكي.

التفتت نحوه ببطء، وارتسمت على شفتيها الممتلئتين ابتسامة رقيقة تفيض بالخجل المصنوع، ومدت يدها الناعمة لتعطيه زهرة لوتس زرقاء يافعة، وتعمّدت أن تلامس أصابعها الدافئة بشرة يده القوية لبرهة خاطفة امتدت في حواسه كأنها دهر من الفتنة.

انحنت قليلاً نحو أذنه، وقالت بهمس خافت، ناعم، ويقطر عذوبة تذيب المحرمات:

"هذا العيد الملكي جميل وعظيم جداً يا أميري... أشعر في أعماق روحي أنني أصبحتُ جزءاً حقيقياً من أرض مصر ومن نوركم... وكل ذلك بفضل كرمكم وعطفكم الذي غمرني."

تجمد سى اوزير في مكانه لثوانٍ، وشعر بتلك الارتجافة العنيفة والحرارة اللافحة تسري في كامل عروقه من أثر لمسة أصابعها الحريرية الساخنة ونفاذ عطرها المثني إلى صدره. نظر إلى وجهها المشرق تحت التاج الحتحوري، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مرتبكة، تائهة، وخارجة عن سيطرته الكهنوتية، وقال بنبرة خافتة حاول فيها إخفاء تأثره وعشقه المكتوم:

"أنتِ... أنتِ تبدين في هذا اليوم المبارك... كأنكِ الإلهة حتحور نفسها وقد نزلت من سمائها لتنير موكبنا."

احمر وجه أناتيرا بشدة بتظاهر الخجل البشري العفيف والارتباك الأنثوي الرفيع، وانحنت برأسها الصغير إجلالاً لكلماته، ثم تابعت سيرها ورقصتها البطيئة بين الصفوف وهي تنثر الورود. ولكن، في أعماق روحها المظلمة والحاقدة، كانت الإلهة "عنات" تضحك ضحكة باردة، قاسية، ومليئة بنشوة الانتصار الكوني العارم والشماتة؛ وهي ترى حصون طهارة أمير النور ووارث عائلة رمسيس تتهاوى وتتحطم تماماً أمام سهم غوايتها، مستعدة لبدء الفصل الأخير من تدمير العرش من جوف طهارته.

استمر الموكب الإمبراطوري الشامخ في طريقه المخطط نحو معبد الأقصر، حيث ستكتمل الطقوس الكبرى لإعادة تجديد القوة الإلهية للفرعون أمام الشعب الهاتِف. وكانت أصوات الموسيقى الصاخبة، وأناشيد الكهنة، وعزف القيثارات تملأ فضاء طيبة، بينما كانت الراقصات المقدسات يؤدين رقصاتهن الإيقاعية برقة، والشعب غارق في فرحة الاحتفال العارمة؛

استمر الموكب الإمبراطوري المهيب في مسيرته التاريخية عبر طريق الكباش، وسط تزايد حماس الجماهير المحتشدة التي كانت تهتف بحياة الفرعون العظيم "مرنبتاح". ومع اقتراب الموكب من بوابات معبد الأقصر الشامخ، تعالت أصوات الطبول الكبرى وصليل الصنوج النحاسية، لتعلن اللحظة الحاسم من الطقوس؛ وهي اللحظة التي يدخل فيها الفرعون إلى قدس الأقداس لتجديد شرعيته الإلهية والسياسية أمام الآلهة والشعب.

ولج مرنبتاح المقصورات الداخلية المظلمة والمشبعة برائحة بخور "الغالانغال" واللوتس الجاف، يرافقه شقيقه الأمير وخبيره الاستراتيجي "خع إم واست". وبدأت المراسم السرية العميقة؛ حيث وقف خع إم واست أمام تمثال الإله آمون رع، ورفع صولجانه المقدس، وبدأ يتلو الترانيم المخصصة لعيد الأوبت بنبرات صوت جهورية سكنت لها أركان الصرح:

"أنت تشرق في بهائك يا سيد الآلهة.. يا آمون القابع في 'إيبت رسيت' (معبد الأقصر). ها هو ابنك البار، مرنبتاح، يأتي إليك طاهراً، محملاً بقرابين الأرض الخصبة. جدد في عروقه دماء القوة، وثبت التاج المزدوج فوق رأسه الشامخ، واجعل خطاه صاعقة تسحق الأعداء ونوراً يحيي الوادي، بحق ماعت الشريفة."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   170

    تسمرت "تفنوت" في مدخل الغرفة، واتسعت عيناها بذهولٍ لم تعهده قط، وكأن الزمن توقف داخل تلك الغرفة الصغيرة التي تفوح برائحة الأعشاب الطبية وعبقٍ غامضٍ ينبعث من جسد "أناتيرا". كان المشهد أمامها لا يحتاج إلى تفسيرٍ مطول؛ ابنها البار، الذي لطالما كان مثالاً للرزانة والوقار، يقف أمامها كمن أُلقي في أتونِ نار، جسده العاري العلوي يلمع بعرقٍ كثيف، وأنفاسه تتلاحق كأنما خرج لتوّه من معركةٍ ضارية، بينما ترقد الفتاة الغريبة على فراشه، مغطاةً بقطعةٍ لا تكاد تستر مفاتن جسدها الأسطوري. شعرت تفنوت برعشةٍ تسري في جسدها، فالمشهدُ لم يكن مجرد حادثة، بل كان صدمةً لكل المبادئ التي ربت عليها سلالة رمسيس. في تلك اللحظة الحرجة، كان دخول "تفنوت" بمثابة صاعقةٍ أيقظت "سى اوزير" من غيبوبة الحواس التي كادت تودي بعقله. أدرك الأمير أن جسده قد خانه، وأن حالته الفاضحة أمام والدته لا يمكن السكوت عنها. تسارعت ضربات قلبه، ليس من الشهوة هذه المرة، بل من هول الموقف. سارع بالنهوض، وحاول بيدا مرتعشتين أن يشد الغطاء أكثر على "أناتيرا" ليحجب عنها نظرات أمه، واندفع بكلماتٍ متسارعة، صوته يتهدج بالارتباك: "أمي! ارجوكِ.. لا تسيئي

  • سيد الرماد والضوء   169

    لم يعرف سي اوزير ماذا يفعل هل ينادى على الحراس ليحملوها للداخل ويستدعى الطبيب لكن كيف وهى عاريه هكذا ام يحملها هو للداخل ويداويها بنفسه لكن ايضا كيف فعندما تفيق وهى على هذا الحال وهى عاريه تماما بجسدها الاسطورى سيكون الموقف محرج لم ينتظر كثيرا وحملها واسرع الى غرفتها ووضعها على سريره دون ان يراه احدا ثم هرع الى الخارج ليحضر الاعشاب اللازمه ليداويها وندهوالى احد الحراس ليذهب الى غرفة ابيه ليستدعى امه بخصوص امر ما ولم يشأ ان يجعله عاجل حتى لا يثير التساؤلات في هذا الوقت المتاخر ثم عاد الى غرفته ومعه الاعشاب واناتيرا لم تكن تعلم انه استدعى والدته وبدا كانها فرصه لتختلى به وحدها دخل سي اوزير غرفته ونظر اليها والى جسدها الفاتن ثم قام بتغطيه جسدها بغطاء ثم صنع دواء من تلك الاعشاب كانت الغرفة غارقة في هدوءٍ مشوبٍ بالتوتر، لا يقطعه سوى صوت الأنفاس المتلاحقة لـ "سى اوزير" الذي كان يراقب "أناتيرا" وهي تستعيد وعيها. كانت الفتاة مستلقية على فراشه، وقد ألقى عليها غطاءً كتانياً خفيفاً، لكن حركة جسدها المضطربة جعلت الغطاء يرتخي قليلاً، كاشفاً عن رقة ملامحها التي بدأت تستعيد حيويتها. كان الأمير يغالب

  • سيد الرماد والضوء   168

    لم يعد "سى اوزير" قادراً على تحمل الصمت المريب، فبعد أن تأخر ظهور طيفها على السطح، انقشع قناع الانبهار ليحل محله رعبٌ وجوديٌّ جمد الدماء في عروقه. في لحظةٍ خاطفة، تلاشت كل الحكمة الكهنوتية، ولم يبقَ سوى غريزة الرجل الذي يرى معبودته تبتلعها الغياهب. اندفع من شرفته كالسهم المنطلق، وبقفزةٍ بهلوانية اخترق هواء الليل، لترتطم قدماه ببرودة مياه النيل التي شعرت وكأنها سكاكين تغرز في جسده. لم يكترث لعمق النهر أو لظلام قاعه؛ كان يغوص بجنون، وعيناه الفيروزيتان تمسحان القاع ببحثٍ محموم. وفجأة، رأى طيفاً شاحباً يغوص ببطءٍ نحو القاع السحيق، وكأن قوةً خفية تجذبها إلى الأسفل. زفر في الماء زفرةً مكتومة، واندفع نحوها بكل ما أوتي من قوة بدنية اكتسبها من سنوات تدريبه وقوته البدنية التى توارثها من ابيه وجده رمسيس العظيم . وما إن وصلت يده إلى معصمها، حتى جذبها بقوةٍ نحو صدره، وشعر ببرودة جسدها التي صدمت كل ذرةٍ في كيانه. بدأ في الصعود بكل ما لديه من طاقة، والماء يضغط على رئتيه، لكنه لم يكترث، كان هدفه الوحيد هو ملامسة الهواء الذي تحتاجه. خرج من الماء كغريقٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة، حاملاً جسدها الذي بدا كت

  • سيد الرماد والضوء   167

    مع استمرار المشهد، بدأت الحركات تصبح أكثر غرابة في عيني "سى اوزير". "أناتيرا" لم تكن تسبح بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت تندمج مع الماء بشكلٍ مريب. كانت حركاتها انسيابية إلى درجةٍ تفوق قدرة أي سباحٍ مهر. غاصت تحت السطح، وبقيت مدة طويلة، مما أثار دهشة الأمير، لكنه ظل يبتسم بضعف، معتقداً أنها تختبر قدرتها على البقاء تحت الماء، أو أنها تمارس نوعاً من التدريب الذي تعلمته في بلاد الشمال الباردة. كان يراقب السطح وهو يضطرب، ينتظر خروجها وهي تضحك أو تمسح الماء عن وجهها. كانت الابتسامة لا تزال مرتسمة على شفتيه، لكنها كانت ابتسامة ممزوجة بالتوتر الخفي. لم يشعر بالخوف، بل شعر بنوع من الإعجاب بقدرتها على التكيف مع هذا العنصر المتغير. كان يرى في ذلك الغوص رغبةً في الانفصال عن العالم الخارجي، تماماً كما كان يفعل هو عندما يتأمل النجوم في ليالي السكون. أحس الأمير بأنها كانت تتلاعب بالزمن، وبالماء، وحتى بوعيه هو. كل حركةٍ تقوم بها كانت تثير فيه فضولاً لا يرتوي. "أين تذهبين يا أناتيرا؟ وماذا ترين في تلك الأعماق التي لا أراها؟" كان يتساءل في عقله، دون أن يصدر أي صوت. ظلت غائبة لفترة أطول، وهنا بدأت شجا

  • سيد الرماد والضوء   166

    ساد الصمت المطلق أرجاء المعبد، ولم يقطعه سوى خرير مياه النيل الهادئ الذي ينساب ببطء وكأنه يحمل أسرار العصور القديمة. كان "سى اوزير" واقفاً في شرفته العالية، يراقب المشهد وكأنه مسحور بتعويذة قديمة لا تملك عيناه الفيروزيتان الفكاك منها. كانت ليلة مقمرة، حيث بدا ضوء البدر وكأنه يسكب الفضة السائلة فوق سطح النهر، محولاً المياه إلى بساط متلألئ يعكس هيبة السماء. في تلك اللحظة، ظهر طيف "أناتيرا" من شرفتها المقابلة، وبدت كأنها حورية خرجت لتوها من قصص الخيال التي كان يقرؤها في صباه. لم تكن مجرد فتاة، بل كانت تجسيداً للرقة والغموض. كانت تتحرك بتناغم شديد، وكل حركة من حركاتها كانت تزيد من حدة الاضطراب الذي يغلي في صدره. كان الأمير يراقبها وهي تتجول في شرفتها، يرى كيف يداعب النسيم ثوبها الحريري الشفاف، وكيف ينساب شعرها الأسود الطويل على كتفيها كأنه ليلٌ سرمدي. لم يكن "سى اوزير" يراها كطالبةٍ في المعبد، بل كان يراها كأعجوبةٍ إلهية تفوق منطق الكهنة. كان يتابع تفاصيل جسدها الممشوق تحت ضوء القمر، يرى انحناءات خصرها، وبروز صدرها، وتلك الرشاقة التي لا تكاد تلمس الأرض. وفي تلك اللحظة، اتخذت "أناتيرا" قر

  • سيد الرماد والضوء   165

    انصرف الأمير "سى اوزير" من قاعة المشورة بخطوات متباطئة، مثقلة بعبء الكلمات التي نطق بها أمام والده وعمه. كان يترك خلفه نظراتهما المتفحصة ليغرق مجدداً في دوامة أفكاره، بينما اتجه قلبه وعقله نحو المهام الكهنوتية التي تنتظره في أروقة معبد "بتاح"، في محاولةٍ يائسة لاستعادة توازنه المفقود. على الجانب الآخر، لم تجد الأميرة "تفنوت" أيّ وسيلة للهدوء بعد لقائها المريب مع "أناتيرا". كانت تمشي في الممرات الفسيحة، وقد تلبّستها حالة من اليقظة الشديدة التي لا تفارق الكاهنات اللواتي خبرن أسرار الغيب. بمجرد أن رأت زوجها "خع إم واست" في جناحه الخاص، يراجع بعض اللفائف البردية التي تخص طقوس الحماية الكبرى، دخلت عليه بملامح تنبئ بأن في صدرها حديثاً لا يحتمل التأجيل. اقتربت منه، ووضعت يدها على اللفيفة التي كان يقرؤها، وقالت بصوت خافت لكنه مشحون بالإصرار: "يا زوجي، لا تظن أنني جئت لأشغل وقتك بحديث العيد وما جرى فيه. قلبي لا يزال يرتجف، وهناك شعورٌ بارد يغلف روحي كلما اقتربتُ من تلك الفتاة الشمالية. لقد طلبتُ من الكاهن 'حور-محب' أن يراقبها، لكنني أعلم أن هذا لا يكفي. أنت يا خع إم واست، تمتلك من القدرات م

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status