Share

158

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-15 15:21:34

وفي ذات الوقت، كانت الأميرة النبيلة "تفنوت" تقود الجوقة النسائية الكبرى في الفناء المفتوح للمعبد، حيث تصاعدت الأغاني والترانيم الشجية التي حفظتها الأجيال لتمجيد الآلهة الأم "موت". كانت الكاهنات يحركن "الشخاشيخ" (السيستروم) البرونزية بإيقاع متناغم، وصوت تفنوت يرتفع كالسحر يبدد وعثاء السفر:

"مباركة أنتِ يا أم الكون ويا سيدة السماء.. يا موت العظيمة. النيل يتدفق بفضلك، والقلوب تفرح بنورك. احمي وادينا ب رداء أمومتك، وباركي ملوكنا، وانثري الحب في نفوس البشر."

كانت الأجواء تفيض بالروحانية والبهاء، والشعب في الخارج يرقص على أنغام القيثارات والنايات، مستبشرين ب ليلة قمرية تحمل الخير والنماء لكل شبر في أرض كمت.

بعد إتمام الطقوس السرية بنجاح عارم، خرج الفرعون مرنبتاح إلى الشرفة الملكية الكبرى المطلة على الساحة الفسيحة للمعبد، حيث كان مئات الآلاف من المصريين يملؤون الأفق. ارتدى التاج المزدوج، وامسك ب صولجان الحكم والمذبة، فوقف كالطود الشامخ بينما خيم الصمت المطلق على الحشود طوعاً لاستماع كلمات سيد الأرضين.

تنحنح مرنبتاح، وانطلقت نبراته القوية القاطعة لتملأ الساحة الفسيحة:

"يا أبناء كمت الأوفياء.. يا حماة النهر وبناة المجد. نقف اليوم في هذا العيد المبارك، عيد الأوبت المجيد، لنعلن للعالمين أن مصر ستبقى دائماً منارة الطهر والقوة التي لا تنطفئ نيرانها. إن حضورنا الليلة في محراب آمون ليس مجرد طقس عابر، بل هو تجديد للعهد المقدس بين العرش والآلهة والشعب؛ عهد على صيانة أمان هذا الوادي، وبسط السلام في ربوعه، وإحياء العدالة 'ماعت' في كل شبر من أرضنا.

لقد خضنا المعارك، وتحطمت تحت أقدام جيوشنا الباسلة جحافل الأطماع في ممالك الشمال، واليوم نرى أبناء تلك الممالك يعيشون بيننا، يتعلمون من نورنا، وينهلون من حكمتنا بعد أن أدركوا عاقبة البغي. إن قوة مصر لا تكمن فقط في نبال جنودها، بل في قدرتها على احتواء الجميع وتحويل الخراب إلى بناء ونماء.

افرحوا وابتهجوا.. فإن النيل سيتدفق بالخير، والآلهة قد باركت مسيرتنا، وعرش رمسيس العظيم سيبقى حامياً ل رفعتكم وكرامتكم إلى أبد الآبدين!"

انفجرت الساحة بهتافات جنونية دوت ك الرعد في سماء طيبة، وتصاعدت أبخرة البخور إلى عنان السماء، وتمايلت الحشود فرحاً وفخراً بملكهم القائد الذي أعاد للبلاد هيبتها وجبروتها.

بعد انتهاء الخطبة الملكية الرسمية، تراجع الملك مرنبتاح وجلس في قاعة الاستقبال الفاخرة الملحقة بالشرفة، واستقر فوق كرسي العرش المذهب، وبجانبه شقيقه الأمير خع إم واست وزوجة شقيقه الأميرة تفنوت، ليتناولوا شراب النبيذ المعتق ويرتاحوا من عناء الطقوس الشاقة.

بينما كان الفرعون يتطلع من خلال الشباك المشبك نحو فناء المعبد الخارجي، لمحت عيناه الثاقبتان مشهداً لافتاً؛ كان ابنه الشاب الأمير "سى اوزير" يقف قريباً من الأميرة الشمالية المتنكرة "أناتيرا"، وكان يتبادلان نظرات طويلة، عميقة، وممتلئة بالحب المشع والتعلق المتبادل الذي بدا واضحاً وضوح الشمس لمن يملك عيناً خبيرة.

التفت مرنبتاح نحو أخيه وتفنوت، وابتسم ابتسامة عريضة تحمل دهاء الملوك وحنان الأعمام، ونبههما ب غمز خفيف قائلاً بصوت خافت:

"انظرا هناك يا خع إم واست... التفتي معي يا تفنوت، وراقبا نظرات ولدنا الشاب سى اوزير وتلك الأميرة الحسناء أناتيرا. من الواضح جداً أن الأجواء بينهما مليئة بالحب المتبادل والتعلق الشديد الذي لا يمكن إخفاءه وراء حجب الأدب."

التفت خع إم واست وتفنوت نحو النافذة، وما إن لمحا ارتباك سى اوزير ونظراته الشغوفة نحو الفتاة، حتى انطلقت منهم ضحكات دافئة ومكتومة ملأت أركان القاعة الملكية. وضحك الفرعون معهم، وقال برضا تام:

"يبدو يا أخي الحبيب أن قلب أميرنا الشاب وطبيبنا البارع قد سُرق منه بالكامل الليلة! ما رأيكم، كتدبير عائلي وسياسي حكيم، أن تفاتحوه في هذا الأمر وتسمعوا رأيه بهدوء بعد أن تنتهي أيام احتفالات عيد الأوبت الصاخبة؟"

نظرت الأميرة تفنوت نحو ولدها وعيناها تلمعان بفرحة حقيقية ممتزجة بحنان الأمومة الخائف، لكن علامات الرزانة والحذر عادت لترتسم على ملامحها الحسناء. التفتت نحو الفرعون والملك، وقالت بنبرة عذبة تحمل حرص الكاهنات:

"إنهما فعلاً يبدوان في غاية السعادة ويملؤهما الحب الطاهر، فهذا الأمر واضح وضوح الشمس في عيونهم الشابة يا جلالة الفرعون... ولكن، لنكن صادقين ومستبصرين يا فرعون مصر العظيم؛ نحن لا نزال حتى هذه الساعة لا نعرف عن هذه الفتاة وعن خلفيتها وعائلتها في الشمال شيئاً حقيقياً يثلج الصدر.

أنا أريد حقاً، ومن كل قلبي، أن أتقرب منها أولاً في الأيام القادمة؛ لأجلس معها بمفردي، وأختبر طوية نفسها، وأعرف هل هي جديرة بصدق بالدخول في عائلتنا الملكية العريقة وحمل اسم رمسيس أم لا. لقد عانينا كثيراً في السابق من المؤامرات والخراب، وأنا أتمنى فعلاً من كل قلبي أن تكون فتاة جيدة وجديرة بهذا الشرف العظيم من أجل سلامة ابننا. أنا أراها جميلة، ورقيقة، ومؤدبة للغاية، ويبدو أن ابننا سى اوزير يراها أبعد وأكثر من ذلك بكثير!"

انطلقت ضحكات دافئة وخفيفة مجدداً بين ثلاثتهم، وعلق خع إم واست وهو يمسك بيد زوجته:

"أنتِ على حق تماماً يا تفنوت، وسنترك لكِ مهمة سبر أغوارها، فحذر الأم هو الدرع الحقيقي لعائلتنا."

جلسوا معاً يتابعون تفاصيل الاحتفال والصخب يملأ الفضاء الخارجي، بينما كانت الإلهة المتنكرة "أناتيرا" في الأسفل تبتسم لسى اوزير ابتسامة خجولة، غير مدركة أن حصون العائلة قد بدأت تضرب حولها سياجاً من الرقابة الذكية التي ستحدد مصير اللعبة بأكملها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status