Share

177

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-28 14:57:46

في تلك الليلة الشديدة الظلمة، لم تدخل السكينة أروقة القصر الملكي الملحق بالمعبد. كانت الشموع الدانية على وشك الانطفاء في مخدع الكاهن الأكبر "خايموآست"، تزفر دخاناً خفيفاً يرقص مع الريح المتسللة عبر الشرفات العالية.

جلست "تفنوت" على طرف الفراش الوفير، وقد خلع الموقف وِقَارها المعهود ليتسلل بدله توتر عاصف، بينما كان خايموآست يقف عند الطاولة الخشبية الثقيلة، يفك حزام ردائه الكهنوتي بأصابع ثقيلة ومجهدة.

التفتت تفنوت إليه، وقالت بصوت متهدج وخفيض لكنه محمل بالحساب والشك:

"أتنام هادئ البال يا خايموآست؟ أتظن أن نار 'تحوت' قد قطعت القول وحسمت أمر تلك الغريبة؟"

زفر خايموآست زفرة حارة، والتفت إليها بوجه أضناه السهر والمسؤولية، وقال بنبرة هادئة يحاول بها احتواء غضبها:

"تفنوت.. لقد استدعينا النور المقدس بنفسه. إناء الحكمة لا يكذب، واللهب الأزرق تغلغل في وعيها وأظهر ماضياً مليئاً بالفجيعة والدموع. ماذا تريدين بعد؟ هل أشك في شريعة 'تحوت' وأنا كاهنه الأكبر؟"

قامت تفنوت واقتربت منه بحدة، ووضعت يدها على صدره قائلة:

"أنا لا أشك في النور يا زوجي العزيز، بل أشك في حدود فهمنا لما جرى! ألم يخطر ببالك لحظة أن السحر القديم يمكنه أن يتنكر في شكل البراءة؟ ألا ترى كيف تنظر إلى سى اوزير؟ وكيف بات ولدك يسير خلفها كالمسحور لا يرى سبل الرشاد؟ إنها تأكله ببصيرة مكشوفة وأنت تغمض عينيك!"

رد خايموآست بشيء من الصرامة والجفاء:

"حسبُكِ طعناً في الحقائق يا تفنوت! إن العاطفة تُعمي بصائِر النساء. سى اوزير أمير شاب يدفعه النبل والشهامة لحماية الضعفاء، والتشكيك المستمر سينزع هيبة الكهانة من صدور أبنائنا قبل أعدائنا. الاختبار انتهى، وعلينا أن نمنح البيت حقه من السكينة والهدوء. هيا إلى النوم، فغداً يوم جديد في خدمة المعبد."

استلقى الكاهن الأكبر على مضجعه، متجاهلاً نظرات زوجته الغاضبة والمستسلمة لقلة الحيلة. أطفأت تفنوت الشمعة الأخيرة، وساد صمت ثقيل يشبه الهدوء الذي يسبق الكوارث.

وفي أعمق ساعات الليل هدوءاً، حين تتلاشى الحدود بين العالم الأرضي وعالم الأرواح، غرق خايموآست في نوم نزل عليه كالكابوس الخانق.

استحال المخدع الدافئ في منامه إلى صحراء قاحلة تعصف بها رياح حمراء ملتهبة، وتتطاير في أجوائها رمال تكاد تسحق الأبصار. في منتصف هذا الفراغ الموحش، ظهر ظل عملاق وهائل يتشكل من الدخان والأعاصير؛ كائن بعينين توقدان جماراً نارية، وصوت يجلجل كالهزيم في السماء. إنه الإله "ست"—رب العواصف، والفوضى، والظلمة.

تراجع خايموآست في حلمه رعباً وسقط على ركبتيه، بينما انحنى الظل الإلهي نحوه وهو يضحك ضحكة جليدية تهز أركان الوجود، وقال بصوت يرعد في أذنيه:

"خدعتك أيها الأحمق! ظننت أنك أغلقت الأبواب بعلمك وقوانينك الهشة، بينما أفسحت المجال بيدك للخراب الكامل!"

صرخ خايموآست ويده ترتجف:

"من أنت؟ وماذا تريد منا ومن أسرار المعبد؟"

انقض "ست" عليه بنظرة تقطر غضباً ووعيداً، وقال بلهجة احتقار تنزل كالصواعق: الا تفتح عينيك بعد حقا انت احمق ...عذرا ايها الاله العظيم ست

"اكمل ست أنا العاصفة التي لا تبقي ولا تذر! أطلقتَ سراحها بحماقتك! ستقوم تلك الغريبة بقتل ابنك سى اوزير بعد ان تدمر حصون النور به ، وسيعم الظلام كل شبر في مصر، ولن تقوم لها قائمة بعد اليوم! أنت لست كفؤاً لحمل مفاتيح 'تحوت' ولا لارتداء ثوب الكهانة العظيم.. إن عينيك قاصرتان، لا تتسع إدراكهما لتفرقا بين ضعف البشر وسطوة الآلهة المتخفية!" ثم ركله ركله طاحت به بعيدا يصرخ

انتفض خايموآست من فراشه جافزاً، وصدره يعلو ويهبط بسرعة جنونية، والحيطان حوله تدور في عتمة الليل. كان العرق البارد يغرق وجهه ورداءه، وشعرت تفنوت بجانبه بحركته الذعرة فاستقامت فزعة:

"خايموآست! ما بك؟ ما الذي جرى؟"

لم يجبها الكاهن الأكبر فوراً؛ كان يمسح وجهه ببدن يرتجف، بينما تردد صدى صوت "ست" الرهيب كالسيف المنغرس في وعيه. الرؤيا لم تكن أضغاث أحلام، بل حقيقة مجردة مرعبة. كانت نذيراً صارخاً بأن الخطر آتٍ وأن بذور الدمار قد زُرعت بالفعل.

لكن، رغم وضوح التهديد القاطع بخصوص مقتل ابنه وعموم الظلام في البلاد، ظل هناك جزءٌ غامض في ثنايا الرؤيا يؤرقه؛ كيف لكيان إلهي كالرب 'ست'—المعروف بالشر والفوضى—أن يحذره من ظلام قادم؟ هل كان كاشفاً للغمة أم مضللاً يستغل شكه؟ وما هي ماهية تلك السلطة التي جعلت شريعة تحوت تعمى عن رؤيتها؟

التفت خايموآست نحو تفنوت بعينين متسعتين من هول ما رآه، يملؤهما الضياع والندم، وعلم في أسرار نفسه أن رحلة البحث عن التفسير الحقيقي للرؤيا ستأخذه إلى أعماق أشد ظلمة من قبو الكرنك بكثير.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status