تسجيل الدخولمع انبثاق أولى خيوط الفجر الرمادية، تسلل "خايموآست" عبر الممرات السفلية المظلمة لمعبد الكرنك، يهبط درجات حجرية ضيقة لم تطأها قدم كاهن عادي منذ عقود. كان يمسك في يده مصباحاً زيتياً صغيراً يرتجف ضوؤه على الجدران المغطاة بنقوش تعود إلى أزمنة سحيقة، أزمنة سبقت الأسرة الأولى، حيث كانت الآلهة والبشر يتقاسمون الأرض.
وصل الكاهن الأكبر إلى باب حجري ضخم، خالي من أي أقفال أو مزاليج، بل يحمل ختماً طينياً قديماً نُقش عليه رمز "عين حورس" محاطة بسلسلة من التعاويذ الحامية. وضع خايموآست يده المرتعشة على الختم، وهتف بكلمات سرية بلغة كمت القديمة، فانسحب الجدار الحجري بصرير حاد يكتم الأنفاس، مفصحاً عن المحراب السري للمعبد—ملاذ البرديات الممنوعة.
فوحت في الهواء رائحة الكتان العتيق، وبرديات تحللت أطرافها بفعل الزمن، وزيوت حانوتية نادرة. تقدم خايموآست بخطوات حذرة نحو صندوق أبنوسي مرصع بالذهب والفيstated، رفعه ببطء واستخرج منه بردية سوداء اللون، تُعرف بين الخواص بـ "بردية الكيانات الغريبة".
بسط البردية على طاولة حجرية وسلط ضوء المصباح عليها، وبدأ يقرأ بتركيز يلتهم نصوصها التي تتحدث عن آلهة الشعوب المجاورة والكيانات الضالة التي طُردت من عوالمها. وبينما كان يقلب بين الرسوم والرموز، استوقفته فقرة منقوشة بالمداد الأحمر، تتحدث عن كيان إلهي أنثوي قادم من آشور والشمال الساحلي—كيان يُعرف بأسماء متعددة، أبرزها "عشتار" أو "أنات".
تسمر خايموآست في مكانه وهو يقرأ الصفات:
"تتجسد في صور النساء الحسان، وتتغذى على طاقة الخداع والفتنة، ولها قدرة على نسج الغشاوة على الأرواح وفصل الشرايين الحيوية للبشر دون ترك أثر. إذا لامس نور العدالة وعيها البشري الظاهري، ينعكس النور على الوعي ولا يغوص إلى كنهها الإلهي الدفين، لأن أدوات الموتى لا تقيس الكيانات الخالدة."
اتسعت عينا خايموآست وشعر ببرودة تسري في أطرافه. كانت الكلمات تطابق ما حدث في طقس نور تحوت بالمليمتر! أناتيرا ليست ساحرة تستخدم التعاويذ، بل هي الكيان نفسه، تسللت في صورة امرأة حسناء لتخترق قلب الكهانة عن طريق سى اوزير.
وفجأة، بينما كان يغوص في تفاصيل البردية ليجد طريقة لكشف هذا التجسد الإلهي، سمع صوت خطوات خفيفة ورقيقة تهبط الدرجات الحجرية المؤدية إلى المحراب.
استل خايموآست خنجره الكهنوتي البرونزي واستدار بسرعة، ليجد "أناتيرا" تقف عند عتبة الباب الشبه مفتوح!
لم تكن ترتدي ثوب الكتان الأبيض البسيط، بل رداءً من الحرير الداكن ينعكس عليه ضوء المصباح الضئيل، وعيناها الفيروزيتان تتوهجان بريقاً خافتاً في الظلمة. لم تكن هناك أدنى مسحة من التعب أو الانكسار على وجهها، بل كانت ترتسم على شفتيها ابتسامة داهية تفيض بالسلطة والكبرياء.
قالت أناتيرا بصوت خفيض، يتخلله رنين إلهي غريب يتردد في جنبات المحراب: "تسبر غور البرديات المحرمة في هزيع الليل الأخير يا مولاي الكاهن؟ ألم يطمئن قلبك الكبير بعد؟"
تراجع خايموآست خطوة إلى الخلف، وضغط بكلتا يديه على البردية ليخفيها خلفه، وقال بصوت حاول أن يجعله صارماً رغم الفزع الذي يعتصر قلبه: "كيف تجرأتِ على دخول هذا المكان؟ هذا المحراب لا تطأه قدم غريبة ولا امرأة! كيف وصلتِ إلى هنا؟"
ضحكت أناتيرا ضحكة خفيفة ساخرة، وخطت خطوات متزنة نحو الداخل، غير أبهة بالخنجر البرونزي في يده: "الأبواب التي تُغلق في وجه البشر، لا تصمد أمام من صنعوا المفاتيح الأولى يا خايموآست.. ألم يحذرك 'ست' في منامك؟ ألم يخبرك أن عينك أضعف من أن تفرق بين الطين والألوهية؟"
جمد الدم في عروق خايموآست؛ كانت تعرف بالرؤيا وتعرف بحوار 'ست'! لم يعد هناك مجال للشك، هذه ليست بشراً إطلاقاً.
رفع الكاهن الأكبر خنجره نحوها وقال بصوت مرتجف: "أنتِ كيان ملعون.. أتيتِ لدمار هذه الأرض وقتل ابني سى اوزير! أقسم بالآلهة العظام، لن تخرجي من هذا المكان حية!"
توقفت أناتيرا على بعد خطوات منه، ونظرت إلى الخنجر باحتقار، ثم رفعت عينيها لتلتقي بعينيه، وقالت ببرود حاد كالسيف: "قتْل ابنك؟ سى اوزير هو سلاحي وعرشي في أرضكم. أنت من ستقتله بحماقتك وشكك! أم تريد أن تخبره الآن أن فتاة أحلامه التي حماها بنوره ليست سوى إلهة ستلتهم ملكه؟ جرب أن تقوله له يا خايموآست.. وانظر من منا سيصدق!"
انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً
انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال
أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،
انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو
انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية
انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم