مشاركة

180

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-07-28 19:34:19

شعر خايموآست بعجزٍ شديد يكبس على صدره كالرخام الثقيل؛ فالكلمات التي واجهته بها أناتيرا لم تكن مجرد تهديد عابر، بل كانت حقيقة ساطعة كشمس الظهيرة. لقد نسجت شباكها الخفية حول سى اوزير بدقة متناهية، وبات الأمير الشاب يرى فيها نجاة روحه وبراءتها المطلقة. وكان الكاهن الأكبر يعلم علم اليقين أن أي اتهام يوجهه إليها الآن—بعد أن أعلنت شعلة تحوت براءتها أمام جميع الكهنة—سيظهره فقط في مظهر الأب المتسلط والكهل الذي يطارده الشك وتملكه الجنون.

أخفض خايموآست خنجره البرونزي ببطء شديد، ويداه ترتجفان بقلة حيلة لم يعهدها في نفسه من قبل، وقال وهو يحاول كتمان خوفه الدفين: "ماذا تريدين من أرض مصر؟ ولماذا اخترتِ سى اوزير بالذات؟ إن كان لكِ ثأر قديم مع الآلهة أو عرش مفقود في عوالمك البعيدة، فما ذنب شاب نقي القلب لم يعرف من الحياة سوى النبل والصفاء؟"

اقتربت أناتيرا منه خطوة إضافية بثقة ثابته، وكان عبير عطر غريب لا يشبه أي زهرة من زهور النيل يفوح منها، يتسلل إلى الرئتين ببطء ويشيع الرهبة في النفس. امتدت أصابعها الناعمة لتلمس طرف الطاولة الحجرية، وقالت بنبرة ساحرة يمتزج فيها الهدوء العجيب بالقوة الإلهية القاهرة: " الملوك والأباطرة يبنون العروش بالدماء والحروب يا خايموآست، لكن الكائنات الخالدة تبني عروشها عبر القلوب والنفوس. سى اوزير ليس مجرد أمير سليل للعرش، بل هو المفتاح الوحيد الذي يربط قدس أقداس هذا المعبد بالدم الملكي العظيم. روحه النقية هي الوعاء الوحيد الذي يتسع لقوتي الجبارة دون أن يحترق أو يتلاشى، وحين يكتمل رابطنا المق any المقدسة، لن تكون مصر مجرد مملكة للبشر.. بل ستصبح العرش الأكبر الذي أعود من خلاله إلى سيادة هذا العالم."

استرد الكاهن الأكبر شيئاً من شجاعته وهيبته، وقال بصوت قوي يتردد بين جدران المحراب الحجري: "لن تمسي روحه بأذى ما حييت! سأقف في وجهكِ بكل ما أوتيت من قوة ولو كلفني ذلك حياتي، و'ست' الذي حذرني في منامي لن يترك أرضه الغالية تُستباح لكيان غريب!"

ابتسمت أناتيرا ابتسامة خفيفة ملؤها الثقة، وتجلت في عينيها الفيروزيتين لمحة من اللهب القديم وهي ترد ببرود: "إله الفوضى والعواصف يعلم قدر قوتي تماماً، ولهذا أتاك في المنام يصرخ محذراً لأن يده مغلولة عن التدخل المباشر في عالم البشر! الآلهة لا تصارع بعضها بالسيوف يا خايموآست، بل تصارع عبر عقول البشر وقلوبهم.. وأنت وقومك لستم سوى قطع صغيرة أتحكم بها على رقعتي."

استدارت أناتيرا ببطء، ومشت بنعومة فائقة نحو الدرج الحجري المؤدي للخروج، لكنها توقفت قبل أن تطأ الدرجة الأولى، والتفتت إليه بنظرة حازمة خالية من أي رقة إنسانية: "الآن.. خذ بردتك المحرمة واصعد بها إلى مخدعك. اقرأها ليل نهار إن أردت واستخرج منها كل الأسرار. ولكنني أتحداك أن تنطق بحرف واحد لـ سى اوزير أو لتفنوت.. لأن الكلمة الأولى التي ستخرج من فمك ضدي، ستكون الإشارة التي أكسر بها قلب ولدك إلى الأبد، وأجعله يفقد عقله بيده."

اختفت أناتيرا في الظلام السائد على الدرج الصاعد، تاركة خايموآست واقفاً بمفرده في منتصف المحراب السري، يلهث كأنه خرج للتو من معركة طاحنة. كان الشمع في مصباحه الزيتي قد بدأ يذوب وينطفئ رويداً رويداً، والظلال من حوله تزداد كثافة وعتمة، وكأن القوة الخفية التي حذره منها إله الفوضى قد بدأت تبتلع المعبد والكهانة بالفعل.

في الوقت نفسه، وفي أروقة القصر الملكي العليا، كان الفجر قد أشرق بضوء ذهبي دافئ يكسو أفق النيل العظيم. وقف الأمير "سى اوزير" في شرفة الجناح المنتظر، يحمل بين يديه زهرة لوتس بيضاء ناصعة قطفها للتو من حدائق المعبد المبتلة بالندى.

كان عقله وقلبه في حالة من الفرح الشديد والاطمئنان الكامل بعد أن ثبتت براءة أناتيرا ونقاؤها في نظره ونظر الجميع. كان ينتظر خروجها بشوق ليعلن لها عن قراره الحاسم الذي اتخذه في ظلمات الليل الماضية: قراره باتخاذها زوجة له ورسمياً تحت حماية العرش والتاج الملكي، غير مدرك على الإطلاق أن الخطوة التي يراها نبلاً وعاطفة صادقة من جانبه، ليست في الحقيقة سوى القيد الأخير الذي يُطبق بإحكام على رقبة المملكة بأكملها ويقودها نحو الهاوية.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status