تسجيل الدخولجلس خايموآست على أريكة الخشب الأبنوسي الثقيل، ويداه المرتعشتان تمسكان برأسه الذي كاد ينفجر من ثقل الرؤيا. ساد الصمت المخدع لثوانٍ بدت كأنها دهر، وكان صرير الشموع الملتهبة الصوت الوحيد الذي يخترق العتمة. كانت تفنوت تجلس إلى جواره، وعيناها اللتان اعتادتا الحزم تتطلعان إليه الآن بقلق جارف لم تعهده فيه من قبل؛ فالكاهن الأكبر، حصن المعبد ورجل الحكم الصارم، يبدو أمامهما الليلة مكسوراً ومحتاراً.
رفع خايموآست رأسه ببطء، ونظر إلى تفنوت بنظرة يملؤها الندم والانكسار، وقال بصوت خفيض بحشرجة مكتومة: "يبدو أنكِ كنتِ على حق يا تفنوت.. لقد أعمى غروري الكهنوتي بصيرتي، وظننت أن طقوس تحوت لا يمكن أن تُخترق." اتسعت عينا تفنوت صدمة وذهولاً؛ لم تكن تتوقع أن تسمع هذا الاعتراف الضمني والعلني من زوجها بهذه السرعة. وضعت يدها فوق يده المرتعشة، وقالت بنبرة قلقة: "خايموآست.. ماذا حدث؟ ما الذي رأيته في نومك ليجعلك تقول هذا؟" تنفس الكاهن الأكبر بعمق، ورسمت علامات الخوف خطوطاً غائرة على جبهته وهو يقص عليها تفاصيل الكابوس المرعب: "لقد أتاني الإله 'ست' في المنام يا تفنوت.. لم يكن حلماً عابراً من أضغاث الأحلام، بل كانت رؤيا مهيبة تعصر الروح! رأيته في وسط عاصفة من الرمال والدخان الأحمر، صرخ في وجهي بصوت كالرعد وقال إنني أحمق خدعتني مظاهر البراءة، وأنني بجهلي أفسحت المجال للخراب الكامل. حذرني من أن تلك الغريبة ستقتل ابننا سى اوزير، وأن الظلام سيعم مصر ولن تقوم لها قائمة بعد اليوم!" شهقت تفنوت وضغطت على يديه بقوة وهي تتراجع للخلف، واندفعت الكلمات من فمها مذعورة: "قتْل سى اوزير؟! الظلام على مصر؟! ألم أقل لك إن تلك الفتاة نبتة شيطانية؟ يجب أن نقتلها الآن يا خايموآست! يجب أن نأمر الحراس برميها في النيل قبل أن تشرق الشمس!" رفع خايموآست يده المحذرة ليوقف ثورتها، وقال بنبرة مليئة بالغموض والتحليل الحذر: "تمهلي يا تفنوت! الأمر أشد تعقيداً وعمقاً مما تظنين. إن بعض الرؤيا واضح ومرعب، لكن بعضها الآخر يحمل ألغازاً تحرق العقل! لقد صرخ 'ست' في وجهي بكلمات لا تغادر وعيي.. قال لي بالحرف: *'أنت لست كفؤاً.. عينك لا ترى الفرق بين البشر والآلهة!'*" سكنت تفنوت في مكانها، وضقيت عينيها بحيرة تسأل: "ولكن.. كيف لـ 'ست' – وهو إله الفوضى والدمار في أسطورتنا – أن يحذرنا؟ كيف يأتي هو بالذات ليخشي على مصر وابننا من الظلام؟" شخصت عينا خايموآست بنظر بعيد، واعتلت وجهه هيبة الكاهن العليم بخلائف العقيدة وأسرار الآلهة، وقال موضحاً لها بجلاء: "أنتِ تظنينه شراً مطلقاً يا تفنوت، لكنكِ تنسين طبيعة القوى العظمى! نعم، 'ست' هو رب الفوضى والدمار، ولكنه في الوقت ذاته حامي أرض الكنانة الراسخ وحارس 'الدوات' العظيم! إنه هو الذي يقف كل ليلة في مقدمة مَركب الشمس الإلهي، يرفع سيفه البتار ليصرع حية 'أبوبيس' وينقذ العالم من الغرق في الفناء المطلق. 'ست' هو بطشه ودماره لكل من يتجرأ على أرض مصر أو يستهدف وجودها.. وإن كان قد تجسد في رؤياي غاضباً، فلأن الخطر القادم يهدد عرش هذه الأرض وطبيعة وجودها، خطرٌ أكبر حتى من قوى الفوضى التي يحكمها!" صمتت تفنوت لبرهة وقشعريرة باردة تسري في جسدها، ثم سألت بصوت مرتعش: "إذاً.. ما الذي كان يقصده بقوله إنك لا ترى الفرق بين البشر والآلهة؟ عن أي فرق يتحدث؟" استقام خايموآست واقفاً وصار يذرع الغرفة جيئة وذهاباً، وهو يهمس لنفسه كأنه يحلل طلاسم قديمة: "هذا هو السر الأكبر! من هي أناتيرا حقاً؟ هل هي مجرد ساحرة قادرة على التلاعب بالنور؟ أم أن قوله يعني أنها ليست بشراً على الإطلاق؟ قوله يعني أن أناتيرا نفسها كيان إلهي قديم يتخفى في جسد امرأة، ولهذا لم يستطع طقس تحوت – الذي يحاكم أروقة الأرواح البشرية الفانية – أن يدرك حقيقتها الإلهية المتخفية!" تأملت تفنوت كلماته، وشعرت بثقل الموقف يكبس على أنفاسها، فقالت: "إذا كنا نحارب كياناً إلهياً متخفياً، فكيف سنحمي سى اوزير منها؟" توقف خايموآست عند نافذة المخدع المطلة على معبد الكرنك الغارق في الظلام، ونظر إلى السماء النجمية بعينين يملؤهما الثقل والمسؤولية، وقال بنبرة حاسمة: "لا يمكننا التصرف بطيش، لأن أي خطوة غير محسوبة ضد كيان بهذا الحجم قد تعجل بهلاك سى اوزير وسقوط المملكة. يجب أن أهبط فوراً إلى المحراب السري المظلم في أسرار المعبد، لأستشير البرديات الممنوعة وأتقرى حقيقة الكائنات القديمة.. علينا أن نفهم خبايا 'أناتيرا' وماهية هذا الكيان الذي يقف بين البشر والآلهة قبل أن يفوت الأوان."انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً
انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال
أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،
انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو
انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية
انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم