LOGINشعر "خايموآست" ببرودة الحجر تحت قدميه الحافيتين تجذبه إلى أرض الواقع المحتوم. كان يتنفس بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط في إيقاع متسارع كأن الرئة ترفض العطر الغريب الذي تركته "أناتيرا" خلفها في أثير المحراب السري. الدخان الضئيل المتصاعد من فتيل المصباح الذي انطفأ للتو ملأ المكان برائحة الزيت المحترق، لكن ذهن الكاهن الأكبر كان يشتعل بأفكار أشد ضراوة من أي نار.
أمسك البردية السوداء بيدين المفاصل فيهما بيضاء من شدة الضغط. كانت أطراف الجلد القديم تتكسر تحت ثقل قبضعته، لكنه لم يهتم. تلفع بعباءته الكهنوتية الثقيلة، واستدار بخطوات بطيئة، كأن كل قدم تحمل أوزاناً من الرصاص. صعد الدرج الحجري المظلم درجة بدرجة، وفي كل خطوة كان يخيل إليه أنه يسمع صدى ضحكتها الساخرة يتردد بين أحجار الجدران.
عندما وصل إلى الباب الخارجي للمحراب السري، وقف لثوانٍ يستجمع قوته. كان الخوف الأكبر ليس ممّا رآه أو سمعه، بل من مواجهة "تفنوت" التي تنتظره في أعلى الممر، ومن طريقة النظر في عيني "سى اوزير" دون أن تفضحه أسرار الكيان الإلهي الذي يسكن قصرهم. مسح العرق المتصبب على جبهته بطرف رداء الكتان، ودفع الجدار الحجري المنسحب ببطء، ليخرج إلى ممرات المعبد التي بدأت تستقبل أنوار الصباح الأولى.
في الجناح الشرقي، كانت "تفنوت" تذرع الغرفة جيئة وذهاباً. حركة قدميها على الأرضية المبلطة بالمرمر كانت تصدر صوتاً رتيباً ينم عن توتر خفي. عندما دخل خايموآست وغلق الباب خلفه بثقل، توقفت فجأة، واتسعت عينها وهي ترصد التغير الكامل في ملامح زوجها. لم يكن هذا وجه الرجل الذي ينزل لاستشارة البرديات بحثاً عن حل؛ كان وجه رجل عاد من حافة القبر.
اقتربت منه بخطوات سريعة، ويدها امتدت لتلمس كتفه، لكنها توقفت في الهواء عندما لاحظت ارتعاش الكاهن الأكبر. وقالت بصوت هامس يحمل نبرة حادة من الحذر: "خايموآست.. أين كنت كل هذا الوقت؟ ماذا وجدت في أسفل؟ ولماذا تبدو كمن واجه الموت وجه بوجه؟"
جلس خايموآست على الأريكة الأبنوسية بنفس الطريقة التي جلس بها قبل ساعات، لكن عينيه هذه المرة كانتا مثبتتين على الفراغ في زاوية الغرفة. لم يجرؤ على النظر في عيني زوجته مباشرة؛ فتهديد أناتيرا بكسر قلب ولديهما كان يرن في أذنيه كصوت نحاس يقرع بلا انقطاع.
وضع البردية السوداء على الطاولة، وقال بصوت خفيض جداً، يكاد يكون همساً لا يصل إلا لمسامع تفنوت: "النصوص القديمة لا تكذب يا تفنوت.. لكن المشكلة ليست في النصوص، بل فينا نحن الذين ظننا أننا نفهم لغة السماء والأرض."
ضيقت تفنوت عينيها، ونشبت أظافرها في قماش رداء أزواجها وهي تسأل بلهجة يمتزج فيها الغضب بالقلق جارف: "تكلم بوضوح! هل عرفت من تكون هذه الفتاة؟ هل هناك تعويذة أو طقس يمكننا استخدامه لإبعادها عن سى اوزير قبل أن يفوت الأوان؟"
نزل صمت ثقيل بينهما، صمت قطعه صوت الكاهن الأكبر وهو يزن كل كلمة بميزان من ذهب، حريصاً على ألا يتخطى الخط الأحمر الذي رسمته أناتيرا: "أناتيرا ليست مجرد امرأة تحمل سحراً بطلاسم خطيرة.. القوة التي تحركها أعمق من ذلك بكثير. الطقس الذي أديناه في معبد تحوت لم يخطئ، بل طبق أحكامه على الصورة الظاهرة للروح، بينما السر الحقيقي يكمن فيما خفي خلف الصورة. إنها تمتلك معرفة تعود لأزمنة طمستها الرمال، وأي مواجهة علنية معها الآن لن تؤدي إلا إلى شيء واحد.. دمار سى اوزير عاطفياً وعقلياً قبل أي شيء آخر."
انتفضت تفنوت واقفة، وشخصت عيناها بغضب مكتوم: "أتطلب مني أن أقف مكتوفة اليدين بينما أراها تستدرج ابننا إلى الهاوية؟ إن لم تتصرف بصفتك الكاهن الأكبر، فستصرف أنا بصفتي أمه! سأجمع الحراس الشخصيين وفي منتصف الليل—"
انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً
انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال
أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،
انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو
انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية
انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم