تسجيل الدخولفي الجانب الآخر من القصر، حيث الهواء يعبق برائحة اللوتس والبخور المحترق، كانت الأمور تسير بمسار آخر تماماً. وقف "سى اوزير" في مخدع "أناتيرا"، وكلماته الرومانسية الصادقة لا تزال تتردد في أركان الغرفة. كان الأمير الشاب غارقاً حتى أذنه في سحرها، لا يرى سوى العذوبة والنقاء في عينيها الفيروزيتين. استلمت أناتيرا زهرة اللوتس البيضاء، ومررت أصابعها الناعمة على أوراقها الرقيقة، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة ودافئة تحمل في طياتها مكر الدهور.
قالت أناتيرا بصوتها العذب الذي يشبه خرير الماء في الأنهار القديمة: "كلماتك تلامس الروح يا سى اوزير.. ولا يوجد في هذا العالم الواسع ما هو أغلى عندي من صدق قلبك. طالما أن حمايتك تحيط بي، فلن تخيفني ظنون الكهنة ولا نظرات الشك التي ترمقني بها عيون القصر."
شعر الأمير بزهو عارم يملأ صدره، فالتصق بها أكثر وقال بنبرة قاطعة: "لا تشغلي بالك بأحد بعد اليوم يا حبيبتي. لقد تحدثت مع والدي، ورغم صمته الثقيل الذي قد يبدو غريباً، إلا أنني أعلم أنه يدرك تماماً مكانتك في قلبي. قريباً جداً، أمام الكهنة وأمام الشعب بأسره، سأعلن مباركتنا رسمياً، ولن تجرؤ أي قوة على الوقوف في طريقنا."
أومأت أناتيرا برأسها في رضا تام، لكن نظرة خافتة وخبيثة لمعت في عمق عينيها لفترة وجيزة لا تلاحظ بالعين المجردة، كأنها تحسب الخطوات المقبلة على رقعة الشطرنج الكبرى التي تبنيها داخل أسوار المملكة. بالنسبة لها، كان سى اوزير قد أصبح الحصن الأمني الحصين؛ درعاً بشرياً حياً يحميها من أي ضربة محتملة توجهها الكهانة.
مرت الأيام التالية في جو مريب من الهدوء الحذر داخل القصر الملكي. كان "خايموآست" يمارس مهامه الرسمية ككاهن أكبر بهدوء ظاهري مطبق، لكن عقله كان منهمكاً في مراقبة كل حركة وسكنة تخص "أناتيرا". كان يرسل عيوناً ثقة من أتباعه المقربين ليتتبعوا خطواتها داخل حدائق المعبد، وليراقبوا ما إذا كانت تلتقي بأي شخص غريب، أو إذا كانت تقوم بطقوس مشبوهة في الليل. لكن النتائج كانت تأتي دائماً بخيبة أمل؛ لم تكن تفعل شيئاً سوى الجلوس في جناخها، أو التجول مع سى اوزير في المروج الخضراء الممتدة على ضفاف النيل.
وفي أحد الأمسيات، بينما كانت الشمس تغرب مخلفة خلفها سماءً ملطخة بالألوان الحمراء والبنفسجية القاتمة، اجتمع خايموآست وتفنوت في الغرفة الداخلية لمخدعهما، بعيداً عن أي آذان صاغية. أغلقت تفنوت الأبواب الخشبية السميكة بإحكام، والتفتت إلى زوجها بوجه مكفهير وقالت بصوت يغلي غضباً مكظوماً: "إلى متى سنبقى هكذا يا خايموآست؟ أسبوع كامل مر منذ تلك الليلة السوداء في المحراب السري، وأنت تتصرف كمن ينتظر الطوفان دون أن يحرك ساكناً! هل تعتقد حقاً أن الاستسلام لهذا الصمت سيحمي ولدنا؟ إنها تتوغل كل يوم أكثر وأكثر في تفاصيل حياته، وتلك الروابط بينهما تصبح أقوى من أي سحر بشري!"
تنفس الكاهن الأكبر الصعداء، وأسند لحيته على كفه المرتعشة، ثم قال بنبرة خفيضة ومثقلة بهموم الجبال: "أتعتقدين أنني أنام يا تفنوت؟ أتعتقدين أن قلبي لا يحترق بنار الخوف على سى اوزير؟ لكنني أعرف ما لا تعرفينه. لقد راقبتُ حركاتها، وبحثتُ في البرديات عن ثغرة واحدة يمكننا من خلالها كشف حقيقتها دون أن ندفع الثمن من دم ولدنا. لكنني أدركت شيئاً مرعباً.. لقد ربطت وجودها بوجوده ربطاً وثيقاً لا يمكن فكه بالسيوف ولا بالتعاويذ التقليدية. إذا حاولنا قتلها الآن، فسيموت قلب سى اوزير قبل جسده."جلست تفنوت على حافة السرير، ووضعت وجهها بين كفيها بينما تسللت دمعة حارقة على خدها، وقالت بصوت مكسور:
انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً
انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال
أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،
انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو
انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية
انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم