Share

182

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-29 16:03:30

"إياكِ!" قاطعتها صرخة خايموآست المكتومة وهو يقف بسرعة ويمسك بمعصمها بقوة لم تعهدها فيه. كانت عينوه تتلقدان ببريق مرعب وهو يتابع: "أي حركة غير محسوبة، أي قطرة دم تسفك في القصر، ستكون الشعلة التي تحرق البيت الملكي بأكمله! أنتِ لا تفهمين مع من نتعامل يا تفنوت.. نحن لسنا أمام ساحرة يمكن قطع رأسها بخنجر في الظلام، نحن أمام قدر يسير على قدمين. إذا حاولنا إيذاءها بجسدها المادي، فإن الرد لن يأتي منها.. بل سيأتي من سى اوزير نفسه، الذي أصبحت هي في نظر عقله وقلبه القداس الوحيد الذي يدافع عنه!"

تركت تفنوت يدها تسقط ببطء، وشعرت ببرودة تتسلل إلى أعماقها وهي ترى الخوف الصادق في عيني زوجها الكاهن الصلب. وقالت بنبرة خفتت فيها شدة الغضب وحل محلها اليأس: "إذاً.. ماذا سنفعل؟ أسنترك سى اوزير يضع يده في يدها أمام المذبح؟ أسنشاهد المملكة تُسلم لهذه الغريبة دون أن نرفع سيفاً؟"

رد خايموآست وهو ينظر نحو نافذة الشرفة التي بدأت تشرق منها أشعة الشمس الكاملة، لتضيء أبراج القصر العالية: "سنسير في هذا طريق الحذر المظلم خطوة بخطوة. سنظهر لـ سى اوزير أننا نتقبل وجودها، وسنراقب كل نفس تنفسه وكل خطوة تخطوها. الحرب الحقيقية بيننا وبينها لن تكون بحد السيف، بل ببطء الزمن وطول النفس.. يجب أن نجد الثغرة في وعيها القديم قبل أن تكتمل الخطة التي أتت من أجلها."

في تلك اللحظة بالذات، في الجهة المقابلة من القصر، كان سى اوزير يعبر الممر المؤدي إلى مخدع أناتيرا. كان يحمل زهرة اللوتس البيضاء بيده، وابتسامة دافئة ترتسم على شفتيه، غير مدرك أن النور الذي يراه متلألئاً في أفق النهار ليس سوى الشفق الذي يسبق ليلة طويلة جداً من الصراع.

دق سى اوزير على الباب الخشبي المزخرف بخفة، وانتظر لثوانٍ معدودة. فتح الباب ببطء، لتظهر أناتيرا وهي ترتدي ثوباً ناصع البياض، وتبدو في عيني الأمير الشاب كأثر إلهي خالص، خالية تماماً من أي مسحة من الجبروت الذي واجهت به والده قبل ساعة في أعمق نقطة تحت الأرض.

ابتسمت له برقة متناهية وقالت بصوت ناعم كنسيم الصباح: "مولاي الأمير.. ما الذي يجعلك تطرق بابي في هذا الهزيع المبكر من النهار؟"

رفع سى اوزير زهرة اللوتس وقدمها لها بنبل، وقال بعينين تفيضان بالصدق والولاء: "أتيت لأخبركِ أن ظلمات الشك قد انجلت للأبد يا أناتيرا.. وأنني اليوم أضع حمايتي وعرشي وقلبي بين يديكِ، ولن يسمح سى اوزير لأي قوة في كمت أن تفصل بيننا بعد الآن."

أخذت أناتيرا الزهرة، واستنشقت عبيرها ببطء، بينما كانت عيناها الفيروزيتان تلمعان ببريق غامض وهادئ، بريق أدركت هي وحدها معناه: أن القيد الأول قد أُغلق بنجاح، وأن رحلة العودة الخالدة قد بدأت رسمياً.

تغلغلت خيوط الشمس الذهبية عبر فتحات السقف الحجري في بهد القصر العالي، لكن الدفء الذي حملته لم يكن قادراً على تبديد البرودة التي استقرت في عظام "خايموآست". وقف الكاهن الأكبر طويلاً أمام طاولته الخشبية، يحدق في البردية السوداء التي تُركت مفرودة كبقعة داكنة وسط الغرفة الفاخرة. كانت الحروف القديمة المكتوبة بالمداد الأحمر تبدو كأنها تنبض، تذكره بكل كلمة قاسية نطقت بها "أناتيرا" قبل قليل في محرابه المظلم. هددت بكسر قلب ولده، ولم يكن هناك ما هو أفظع بالنسبة لأب كرّس حياته لحماية عائلته وملكوته من أن يرى ابنه الوحيد—ثمرة روحه—يتحول إلى دمية مسلوبة الإرادة في يد كيان شيطاني غريب.

استدار خايموآست ببطء، وخطا نحو نافذة الجناح التي تطل على الساحة الرئيسية للمعبد. كانت حركة العمال والكهنة قد بدأت تدب في الأرجاء؛ أصوات أصطبلات الخيول، وقع نعال الجنود على الأرضيات الحجرية، وأحاديث المارة الصباحية كلها كانت تحمل إيقاع حياة طبيعية، هادئة، ومخادعة تماماً. لا أحد في هذا القصر الواسع يعلم شيئاً عن الهاوية التي تفتح فاها تحت أقدامهم. "تفنوت" كانت قد غادرت المخدع للتو بعد نقاشهم العسير، وقد فرضت على نفسها صمتاً قاتلاً، مستجيبة لمخاوف زوجها، لكن عينيها كانتا تشعان بنظرات حارقة تنطق بالوعيد والترقب، مستعدتان لأي ومضة خطر جديدة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status