مشاركة

184

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-07-29 16:03:44

"لقد خدعتنا جميعاً.. كيف لإلهة قديمة أن تتنكر بهذه البراعة وتسرق عقل شاب في ريعان حياته؟ ما العمل إذن؟ ألا يوجد طريق لنجاة مصر من هذا الشر المتربص؟"

رفع خايموآست رأسه، ونظر إلى النار الخافته في الموقد الحجري المجاور، وقال بعزم صلب بدأ يتشكل تدريجياً في صوته: "الطريق الوحيد ليس في محاربتها بالقوة، بل في كشف حقيقتها أمام عقل سى اوزير نفسه.. يجب أن نجعله هو من يرى الحقيقة بوعيه الكامل، لا أن نفرضها عليه فرضاً. وعلينا أن نصبر.. فالزمن وإن كان يبدو في صفها الآن، إلا أن الحقيقة كالشمس، مهما طال ليلها، فلابد أن تشرق يوماً وتكشف ما تحت الرمال."

وفي تلك اللحظة بالذات، كان سى اوزير يجلس مع أناتيرا على شرفة عالية تشرف على نهر النيل الهادئ. كانت النسائم اللطيفة تلاعب خصلات شعرها الداكن، وكانت هي تنظر إلى مياه النهر المظلمة بابتسامة خفيفة، هامسة له بصوت ساحر: "ألم تنتبه يا سى اوزير؟ كيف أن النيل يرضخ دائماً لمن يحسن ترويضه، وكيف أن ضفافه لا تحفظ سوى أسماء العظماء الذين امتلكوا الجرأة لتغيير مصائر الشعوب؟"

نظر إليها الأمير الشاب بإعجاب مطلق، ولم يكن يدري أن تلك الكلمات الرقيقة لم تكن سوى الخطوة الأولى في بناء عرش الدم الذي تنوي إقامته على أنقاض وطنه.

ظلّ خايموآست متسمّراً في مكانه لدقائق طوال بعد مغادرة تفنوت، يراقب راقصات الشعلة الصغيرة في الموقد الحجري. كانت كل حركة للنار تطرح في عقله ألف سؤال وسؤال: كيف لكيان قديم يمتلك هذا القدر من العظمة والمكر أن يختار جسداً بشرياً غائراً في الرقة والجمال؟ وكيف يمكن لشابٍ لم يذق مرارة الغدر، كابنه سى اوزير، أن يكتشف الخديعة وحده دون أن يحترق بلهيبها؟

خرج الكاهن الأكبر من مخدعه والتفّ برداءٍ فضفاضٍ من الكتان غير المزخرف، متخفياً عن أعين الحراس والكهنة الذين يتجولون في أروقة المعبد. لم يكتفِ بما قرأه في البردية السوداء؛ فالنصوص القديمة تمنح الخبر، لكنها لا تمنح الخطة. جاب الممرات المظلمة حتى وصل إلى البرج الشمالي للمعبد، المكان الذي يُحفظ فيه "أرشيف الملكية القديمة"—وهي سجلات لا تضم التعاويذ، بل تسرد تواريخ السلالات وما واجهته من نكبات وفتن عبر القرون.

سحب خايموآست لفيفتين عتيقتين يعود تاريخهما إلى عهد الدولة القديمة، ونشرهما على طاولة حجرية صغيرة تسلل إليها ضوء القمر عبر نافذة ضيقة. بدأ يتفحص السطور بعناية، يفتش عن أي إشارة لظهور كائنات غريبة تدثرت بعباءة البشر وتسللت إلى قصور الفراعنة. كان يبحث عن ثغرة: نقطة ضعفوا عندها، أو خطأ ارتكبوه في غمرة غرورهم الإلهي.

وبينما كان إصبعه يمر على النقوش الهيروغليفية الغائرة، استقرت نظراته على فقرة مطعمة برسمٍ محفور يدوياً لثعبان ذي وجه امرأة تتوسط هالة سوداء. تقول السطور:

"إذا ما لبست الآلهة المطرودة لباس الفناء، فإنها تخضع لرغبات الجسد البشرية وإن أنكرت. إن سحرها يقوى بالخوف والتقديس، ولكنها تتزلزل حين يُسحب منها الوعاء البشري الذي تستمد منه شرعيتها في أرض الأحياء. إن قوتها في العرش تكمن في جهل الملك، فإذا أضاء النور العقل، انكسر القيد."

توقف نبض خايموآست لبرهة. كانت السطور تشير إلى حقيقة جوهرية: أناتيرا لا تستطيع استخدام كامل قوتها الإلهية في عالم البشر بشكل مباشر؛ هي بحاجة إلى "شرعية" يمنحها إياها سى اوزير بعاطفته وولائه. سى اوزير ليس مجرد ضحية، بل هو المحرك الحقيقي لقوتها في هذا العالم. إن كُسر الولاء، أو إن شك العقل البشرى بحقيقة ما يراه، فإن الغشاوة ستبدأ بالتآكل.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status