Share

185

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-07-29 16:03:49

في هذه الأثناء، وعلى الشرفة المرتفعة المطلة على النيل، كان سى اوزير لا يزال مأخوذاً بحديث أناتيرا. كانت نسائم الليل الباردة تداعب وجهيهما، وأصوات تجديف الصيادين البعيدة تفد كهمس خافت من قلب النيل.

نظر سى اوزير إليها وقال بصوت يخالطه الشجن: "تتحدثين عن المصير وعن الملوك يا أناتيرا وكأنكِ شهدتِ قيام الأسرات وسقوطها.. أحياناً عندما أستمع إليكِ، أشعر أنني أمام شعلة أعمق من هذا الجسد الغض، وكأن روحكِ عاشت ألف عام قبل أن تطأ قدمكِ أرض كمت."

لم تتغير ملامح أناتيرا، بل اتسعت ابتسامتها ببطء شديد، وانعكست أضواء المشاعل البعيدة في حدقتيها الفيروزيتين فتوهجتا بريقاً أخاذاً. وقفت واقتربت من سور الشرفة، ثم التفتت إليه وقالت بنبرة خفيضة تسحر الألباب: "الأرواح التي وُلدت لتحكم لا تقاس بالأعوام يا سى اوزير، بل تقاس بمقدار العظمة التي تحملها. ألم تشعر يوماً أنك لست مجرد أمير ينتظر دوره ليجلس على العرش، بل أنك مخلّص مقدر لهذه الأرض؟ إن مصر ليست بحاجة إلى ملوك يمارسون الطقوس ويهابون ظلال الكهنة، بل إلى حاكم يحمل قوة الآلهة في عروقه ويستعيد مجد المشرق بأكمله."

اقترب سى اوزير منها، وأمسك بيديها الناعمتين اللتين كانتا بباردتين كمرمر المعبد، وقال بثقة أعمى بها الحب بصيرته: "معكِ أنتِ فقط أشعر أنني قادر على إعادة تشكيل العالم. والدي يرى القوة في التقوى والخضوع للطقوس القديمة، وأمي ترى الخطر في كل غريب.. أما أنا، فأرى في عينيكِ مستقبلاً لم يكتبه كاهن قط."

في عمق المعبد، كان خايموآست يطوي اللفيفتين بعناية. طافت في ذهنه فكرة جريئة ومحفوفة بالمخاطر. لن يواجه أناتيرا بالسيوف ولا بالاتهامات أمام سى اوزير؛ بل سيستغل الطقس القادم—طقس "فيضان النيل المبارك"، حيث يتوجب على الأمير الشاب أن يسكب القربان المقدس بيده في مياه النهر أمام الشعب والكهنة.

في هذا الطقس، تتدفق دماء القربان لتختلط بماء النهر، وتُفتح أبواب المعبد للجمهور. كان خايموآست يعلم أنه إذا أعدّ طقساً موازياً يُبرز طاقة المياه المقدسة المحملة بأسماء آلهة كمت القدامى، فإن أي كيان غريب يحاول الاقتراب من المذبح الرئيسي سيتعرض للاختبار التلقائي دون تدخل بشري مباغت. سيكون عليها إما أن تتراجع فيفتضح أمرها أمام الجميع، أو أن تقترب فتتحمل تأثير الطاقة المقدسة التي قد تصدع غطاءها البشري الرقيق. وتظهر ايضا حقيقتها فى العلن امام الجميع وبالاخص امام ابنه الوحيد سى اوزير .. كان خع ام واست فى قرارة قلبه يعلم ان ابنه الذى واجه العديد من الصعاب وهو صغير ودخل عالم الدوات وهاجم الشر فى قلب الفوضى و الظلام وزامل الالهة العظيمة فى محاربة قوى الظلام والتدمير بل دخل الى قلب ابو فيس نفسه وقطع الارتباط بينه وبين الكاهنة الشريرة بل وراى ووقف امام ست نفسة الذى اهداه تلق القلادة ليستدعيه فى الامور القصوى لن يكون لقمة سائغة في يد عنات او هذا ماكان يتمناه خع ام واست فى داخله

رجع الكاهن الأكبر إلى مخدعه بخطى ثابتة، فوجد تفنوت تتوقع عودته بلهفة. وضع يده على كتفها وقال بنبرة ملؤها الإصرار: "استعدي يا تفنوت.. لن ننتظر أن تصنع هي أحداث رقعتها. طقس الفيضان بعد ثلاثة أيام سيكون ساحة اختبارها الحقيقية. لن نقتلها ولن نلتمس الخوف، بل سنجعل طاقة الأرض نفسها هي التي تجبرها على إظهار حقيقتها أمام عيني سى اوزير."

تنفست تفنوت الصعداء وارتسمت على وجهها حمرة التحدي، بينما كان الفجر يبدأ برسم خطوطه البيضاء الأولى في أفق طيبة، مشيراً إلى اقتراب المعركة الصامتة التي ستقرر مصير المملكة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status