مشاركة

186

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-07-30 16:55:06

مع هبوط الليل وسكون القصر الملكي، خفتت أصوات المارين في الممرات الفسيحة، ولم يبقَ سوى حفيف نسائم الصيف التي تدعب الستائر الحرارية في شرفة الجناح الملكي. كانت السماء فوق طيبة صافية، تزينها آلاف النجوم المضيئة كأنها جواهر منثورة على عباءة سوداء، بينما ينعكس ضوء القمر الفضي على سطح النيل ليحوله إلى نهر من اللجين المنصهر.

جلست "أناتيرا" على أريكة الخشب الأبنوسي المكسوة بالحرير الأرجواني. كان رداءها الأبيض الخفيف يلتف حول جسدها بنعومة، متدلياً بكبرياء ورقة تشعل أنفاس من ينظر إليها. وفي عينين الفيروزيتين كان بريق دافئ يمتزج بغموض سحري أزلي، بريق يمتص كل ظنون الليل ويردها دلالاً آسراً.

اقترب "سى اوزير" بخطوات حذرة متثاقلة، كأن حواسه كلها قد سُحبت إلى هذه الدائرة المغناطيسية التي تدور حولها. كان يحمل في عينيه شغف الشباب وطهارة العاطفة التي لم تمسها الماكرات قبل اليوم. جثا على ركبتيه أمامها ببطء، ووضع يديه الداكنتين بوجل فوق ركبتيها، مرسلاً في عينها نظرة تفيض بالحب والولاء الصادق.

همس سى اوزير بصوت خفيض، تكسره الشحنات العاطفية المتدفقة في صدره: "أناتيرا.. كلما أمعنت النظر في عينيكِ، شعرت أن العالم بكل عظمه وقصوره يبتعد ويذوب، ولا يبقى في هذا الوجود الفسيح سوى نفَسكِ ونبضكِ."

ابتسمت أناتيرا ابتسامة ساحرة تتسلل إلى عمق الروح، ومدت أصابعها الرقيقة الدفيئة لتداعب خصلات شعره الأسود القصير، مسدت على عنقه ببطء أشعل حواسه دفئاً. رفعت وجهه نحوها حتى التقت عيناهما في مسافة لم تتجاوز أنفاساً معدودة.

قالت بصوت ناعم كخرير المياه في الأنهار العتيقة، يتدفق بدلال يذيب الصلابة: "ومعي أنا.. تبتعد أثقال العوالم يا أميري. بين يديك فقط تشعر روحي أنها وجدت مستقرها وأمانها الذي طالما بحثت عنه في عوالم الضياع."

ازدادت أنفاس سى اوزير تسارعاً، وانقبض صدره بوجد عارم لم يختبره من قبل. شعر بدفء جسدها يسري في عروقه كالشرار الناعم. امتدت يداه لتمسكا بخصرها ببطء وشغف، وجذبها نحوه برفق حار، فيما مال وجهه نحو وجهها تدريجياً، وعيناه لا تفارقان شفتيها المترعتين بعبير اللوتس والندى.

اقتربت هي الأخرى، وأغمضت عينيها لترسل إشارة الاستسلام الآسر. وفي تلك اللحظة المشحونة بالحرارة والعاطفة المتأججة، تلاقت شفتاهما في قبلتهما الأولى.

كانت القبلة في بدايتها هادئة، رقيقة، كنسيم الفجر الذي يلامس أوراق الشجر، لكنها سرعان ما استعرت بالدفء والحرارة الشديدة؛ تبادلا فيها أنفاساً متلاحقة وشغفاً متفجراً أذاب كل مسافة بينهما. أحس سى اوزير بقشعريرة عارمة تسري في كامل جسده، وكأن حرارة الدم الملكي تجري لتلتحم بالطاقة السحرية الدفينة التي تنبعث من كيانها. ضغط بكفيه على ظهرها الحريري يشدها إليه أكثر وأكثر، مشدوداً بقوة لا تقاوم إلى هذا المزيج المذهل من الحب والسخونة والافتتان المطلق.

تراجعت أناتيرا ببطء شديد، وفتح عينيها الفيروزيتين اللتين باتتا تلمعان ببريق متوهج، وأنفاسها متقطعة تتداخل مع أنفاسه الحارة. وضعت يدها على صدره لتشعر بضربات قلبه المتسارعة كالطبول، وابتسمت بنشوة آسرة.

همس سى اوزير وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، وقد أصبحت عيناه ممتلئتين برغبة عارمة وحب لا يحده حد: "أنتِ ملكتي يا أناتيرا.. أنتِ حياتي وروحي، ولن يدخل الخوف قلبكِ بعد الليلة أبدأ، لأنني أهبتكِ وجودي بكامله."

لفت أناتيرا ذراعيها حول عنقه من جديد، وأسندت رأسها على صدره الدافيء، فيما لمست بعينها المظلمة أفق النيل البعيد، متذوقة طعم الانتصار الشامل؛ فقد أطبقت حلقاتها العاطفية على عقل الأمير بلمسة واحدة من الحرارة والشغف القاتل. ولم يعد امامها الا ان تكسر اخر حصن للبراءة فس سي اوزير لم يبقى الا ان تجعله يمارس الحب معها لكى تتمكن من كامل روحه اثناء لحظة الاندماح الجسدى وجميع حصونه الروحيه غير مغلقة

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status