تسجيل الدخولساد صمت ثقيل داخل المقصورة، واضطربت شعاع قناديل النحاس بفعل حركة الهواء المفاجئة. وفي تلك اللحظة، رُفعت الأستار المخملية الثقيلة المضروبة على مدخل مقصورة التطهير، ودخل الفرعون مرنبتاح بخطوات مهيبة تثقلها مسؤولية الحكم. كان يرتدي التاج الملكي المزدوج ومزر الحرب المذهب، وبيده صولجان الحكم الحاسم، ويرافقه اثنان من كبار حراسه المقربين الذين وقفوا عند الباب في وضعية الاستعداد.
تطلع الفرعون مرنبتاح بعينين ثاقبتين تسبران الأرجاء إلى سى اوزير وتفنوت، ثم التفت نحو الكاهن الأكبر خع ام واست قائلاً بصوت صارم يتردد صداه بين جدران المعبد: "كيف حال الأمير الآن يا خع ام واست؟ لقد أصدرت أوامري الملكية الصارمة بإغلاق بوابات طيبة العظمى وأسوار القصر الملكي بالكامل. الحراس والفرسان ينتشرون الآن على طول شواطئ النيل، والأطباء والاهراميون يفتشون كل زاوية وحي في المدينة بحثاً عن أي أثر لسحر غريب أو جواسيس يتسللون بين التجار. لا أريد للرعية أو لحكام القرى المجاورة أن يظنوا لحظة واحدة أن سلالة رمسيس العظيم قد اهتزت أو أن بلاطنا بات مخترقاً!"
انحنى خع ام واست بإجلال تام أمام الفرعون، وقال بنبرة موقرة: "عاش الفرعون، حامي ماعت وحاكم الأرضين. إن جسد الأمير سى اوزير يستعيد عافيته البايولوجية برحمة الإلهة حتحور وبركة الزيوت المقدسة يا مولاي، لكن الروح تظل معلقة بخيط أثيري واهن مع الكيان المطروِد. الندبة على صدره لم تلتئم روحانياً بعد، وسنحتاج إلى أيام متواصلة من طقوس الغسل الروحي وتلاوة التعاويذ السرية المسجلة في برديات الأجداد لضمان حجب وعيه بالكامل أثناء النوم ومنع أي طيف من النفاذ عبر أحلامه."
تقدم الفرعون مرنبتاح بخطوات واثقة حتى وقف أمام سى اوزير مباشرة. جثا على ركبة واحدة بنبل ملكي، ووضع يده القوية الثقيلة على كتف الأمير الشاب، ملقياً عليه بنظرة تجمع بين حزم الحاكم وحنان القائد العظيم: "استمع إليّ جيدا واستوعب كلماتي يا سى اوزير. إن هذا العرش لم يُبنَ بالضعف، ولا بالانسياق خلف نداءات القلوب الرهيفة أو الشغف الخادع. هذا السحر الأسود المحرم الذي تعرضت له لم يكن سوى اختبار حقيقي لقدرتك على الصمود والتضحية من أجل كمت. أناتيرا ومكائدها ليست سوى حجر شطرنج أول في لعبة الجيو-سياسية والروحية التي تحيط بمملكتنا. الأطماع الخارجية والفتن الداخلية تترقب أي لحظة انكسار في الجناح الملكي. عليك أن تطهر عقلك وقلبك فوراً، وأن تدفن أي أثر للشغف القديم؛ فالمرحلة القادمة ستتطلب سيفاً لا يرتجف وفطنة حادة لا تنخدع بالمظاهر أو الدلال الزائف!"
رفع سى اوزير رأسه بثبات ونظر في عيني الفرعون مباشرة، مشعراً بدفء دماء الجد رمسيس يسري كالنار في عروقه ليطرد ما تبقى من رعدة الخوف: "أعدك يا مولاي الفرعون أمام الآلهة وأمام هذا المعبد المقدس.. لن أكون الوعاء الذي تُكسر منه مصر، ولن أسمح لنفسي بأن أكون الثغرة التي ينفذ منها الأعداء. سأتحمل كافة طقوس التطهير الشاقة مهما بلغت آلامها، وسأقف في الصفوف الأولى بجانبك لمواجهة كل من يتربص بأرضنا وشعبنا."
ابتسم مرنبتاح ابتسامة خفيفة تفيض بالهيبة والرضا، ثم استقام في وقفته والتفت نحو تفنوت قائلًا: "يا تفنوت، حراسة الجناح الملكي وأجنحة الحريم والخدم تُصبح من هذه اللحظة تحت إشرافك المباشر والكامل. لا تدعي أي جارية، أو زائر، أو تاجر يدخل إلى الأروقة الداخلية دون علمك الشخصي وعلم الكاهن الأكبر. الحميمية المفاجئة والدلال الخادع هما الأسلحة المفضلّة للعيون والجواسيس في أوقات الاضطراب."
أومأت تفنوت رأسها بوقار وثبات، ونظرت إلى الفرعون بنبرة ملؤها التحدي والولاء المطلق: "أمرك نافذ وطاعتك واجبة يا ملك مصر وحامي حماها. لن تعبر قطرة ماء واحدة أو خطوة عابرة إلى داخل القصر دون أن تفحصها عيون حراسي المخلصين وتزنها فطنتي. ولائي للعرش ولأسرتي هو درعي الأول."
انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً
انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال
أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،
انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو
انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية
انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم