Share

209

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-08-11 18:58:36

انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.

في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.

كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه المتزنة، سارية بدفء ناري يثبت أركان وعيه ويحصن شرايينه. كان إبهامه يمسح ببطء وإصرار على حجر العقيق الأحمري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، مستشعراً القوة الجافة التي تطرد من عقله أي طيف خبيث.

لكن العقل البشري، في ساعات الغسق الهادئة، يحب أحياناً ممارسة قسوته الخاصة. رغماً عنه، تسللت إلى مخيلته شظايا ذكريات قديمة محرمة؛ تذكر ليلته الأولى مع أناتيرا تحت نجوم النيل الخالدة، ملمس أيديها الحريرية الناعمة، ودفء ذراعيها اللتين طوقتا عنقه بمهارة ساحرة. تراءى له طعم قبلتهما الأولى التي كانت تفيض بوعود الشغف الزائف ونبيذ الغواية، ومظهر جسدها العاري المكتمل تحت ضوء القمر الفضي وهي تتجرد من ردائها الشفاف، بدلال شل إرادته وجعله يسلم عقله لها كصيد سهل.

انقبضت الندبة المحفورة فوق قلبه فجأة—تلك العين المفتوحة ذات الحواف المتفحمة—وأطلقت لعة حرارية حارقة جعلت صدره ينقبض. لكن القلادة النجمية ردت فوراً بنبضة نارية خاطفة، ليتحول ذلك التلاطم الوجداني في لحظة واحدة إلى شحنة من الحقد المقدس والغليان الصارم. كزّ سى اوزير على أسنانه حتى أبيضت شفتاه، واستحضر بشاعة الخيانة، ومظهر عينها السوداوين حين انشق القناع وظهر الوحش المتربص بقلبه وعرشه. صرّ في سريرته بصرامة: "لقد كانت خديعة مسقية بالسم.. كل لمسة وكل دلال كانا طعماً يهدف إلى ذبح سلالة رمسيس. سأحرق تلك الذكريات في لظى هذا الحقد، ولن تنال مني مجدداً!"

نظرت تفنوت إلى ابنها بنظرة نافذة سبرت أغوار الصراع الخفي المشتعل في وجهه. لاحظت انقباضة فكه وترقرق قطرات العرق على جبينه، فمدت يدها الدافئة ووضعتها فوق يده الممسكة بحجر القلادة، قائلة بنبرة يمتزج فيها الدفء الأمومي بالفطنة الملكية القاطعة: "يا سى اوزير... الذكرى حين تلبس ثوب الشغف القديم قد تحاول استدراجك إلى الضعف، لكن الفارس الحقيقي هو من يجري من جراحه درعاً. أليس كذلك يا خع ام واست؟ إن ما شهدناه في المأدبة الملكية من اكتشاف الجارية المشبوهة، ثم تدمير المذبح المظلم عند المرسى الجنوبي، هي أدلة قاطعة على أن الخطر لم يكن محض تجاسر فردي من أناتيرا. هناك أيدٍ بشرية وجواسيس ينسجون في الخفاء شبكة غدر تحيط بالمملكة."

توقف الكاهن الأكبر خع ام واست عن تفحص إحدى البرديات الكهنوتية الممتلئة بالرموز المحرمة، ورفع رأسه المكلل بالوقار ومهابة السنين، ونظر إلى تفنوت وابنه بنبرة تفيض بالحكمة والخبرة السياسية: "هذا عين الصواب يا تفنوت. الكيان المظلم الذي سُحب إلى الفراغ البرزخي كان يمثل الشق الروحي المتربص بوعي الأمير، أما الأيدي التي تحرك المشعوذين والجوارح في أروقة البلاط فهي أيدٍ بشرية طامعة تحاول استغلال أي ثغرة في العرش لتفتيت ميزان ماعت. لكن سى اوزير اليوم، بهذه القلادة وبهذا الحزم، بات الحصن الناري الذي تتكسر عليه كل أطماعهم."

استقام سى اوزير في جلسته، ورفع رأسه بقامة فارس تجري في عروقه دماء الجد رمسيس المرعب لأعدائه. نظرت عيناه العسليتان بثبات يقطر صرامة وقال بصوت حازم تردد صداه بين جدران المقصورة: "أبتاه.. أمي.. لقد انقضى عهد التردد والتخبط الوجداني إلى غير رجعة! إن الشغف الزائف الذي حاولت أناتيرا زرعه في قلبي قد استحال كلياً إلى حقد صلب وإرادة نارية لحماية هذا العرش وصون أرض النيل. لن ننتظر حتى يطرق الخونة والجواسيس أبواب قصرنا أو ينفذوا عبر أحلامي مجدداً؛ بل سأنزل بنفسي لتفقد ثغرات الأقاليم الجنوبية، ومتابعة التحقيقات الكهنوتية مع الأسرى المقبوض عليهم في الكرنك لقطع أذيال الأفعى من جذورها."

ابتسمت تفنوت ابتسامة يملؤها الفخر العظيم والرضا الملكي، وأومأت برأسها وقاراً: "هكذا أردتك دائماً يا سى اوزير.. سيفاً لا ينثني في الميدان، وفطنة لا تنخدع بالدلال. سأكون أنا هنا في القصر بجوار الفرعون مرنبتاح لمتابعة ترتيبات حراسة الجناح الملكي وأجنحة الخدم، لضمان ألا تتسلل أي يد خبيثة أو عين حاقدة إلى محيط أسرتنا، بينما تتولى أنت وخع ام واست الحسم العسكري والكهنوتي."

في تلك اللحظة الدرامية، رُفعت الأستار الثقيلة المضروبة على باب المقصورة الخارجية، ودخل أحد كبار حراس الجناح الملكي، وانحنى بإجلال تام قائلًا بصوت يملؤه التوتر: "سمو الأمير.. الكاهن الأكبر.. لقد استعاد رئيس المشعوذين المقبوض عليه في المرسى الجنوبي وعيه في مقاصير التحقيق السفلية بالكرنك، والفرعون مرنبتاح يأمر ببدء طقوس الاستجلاء النهائي فوراً لمعرفة القوى المظلمة التي تحركه!"

وقفت تفنوت واستقام خع ام واست، بينما نهض سى اوزير في وقفته كشبح الجرانيت، وشدّ نطاق سيفه البرونزي العريض ذي المقبض العاجي حول وسطه. وما إن استقر السيف على جنبه، حتى أضاءت قلادة الإله "ست" فوق صدره بوهج أحمر ناري مكثف، وتصاعد منها حفيف روحي شبه مسموع، وكأن طاقة حامي العاصفة تنبض بالتزامن مع عزيمته المشتعلة.

نظر سى اوزير إلى والديه بثبات يفيض بالحزم والهيبة: "حان وقت كشف الحقائق كاملة وإسقاط أقنعة الظلمة.. لن يختبئ أي خائن أو طيف ملعون خلف الظلال طالما كان نور ماعت وقوة ست يحرسان عرش كمت العظيم."

تحرك الثلاثة بخطى واثقة وصارمة نحو أروقة المعبد السفلية المظلمة، حيث تتلاقى أسرار الحكم والدين في معركة أزلية صلبة؛ معركة تثبت أن كمت ستظل حرة شامخة، وعصية على كل الكيانات المظلمة والمكائد البشرية طالما كان أميرها وحراسها يداً واحدة في وجه العاصفة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status