Share

210

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-08-16 15:11:16

انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.

كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.

وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية مقسّاة ومثبتة بحلقات جرانيتية في الأرضية. كان جسده يرتجف بشدة، ووجهه الشاحب ينضح بعرق بارد، وعيناه لا تزالان تتأرجحان بين رمادية خافتة وبين سواد دامس يحاول التشبث ببقايا وعيه البشري المنهك.

وقف الفرعون مرنبتاح في زاوية القاعة يرتدي مئزره الملكي الأسود وتاجه العسكري، ممسكاً بصولجان الحماية، وتحيط به ثلة من أشد حراس العرش بأيديهم المطبقة على رماحهم البرونزية. نظر مرنبتاح إلى سى اوزير وأومأ برأسه إيماءة ملكية حازمة تشير إلى بدء الاستنطاق الروحي النهائي.

تقدم الكاهن الأكبر خع ام واست بخطوات بطيئة ووقورة، وألقى بقبضة من مسحوق زهر اللوتس الأزرق وحجر الكبريت المعالج في كانون النار المشتعل أمامه. اندلعت شعلة زرقاء ناصعة أضاءت تفاصيل وجه المشعوذ المقيد، ثم رفع خع ام واست عصاه المطعمة بالفضة وركز طرفها عند موضع جبهة الرجل، قائلاً بنبرة كهنوتية جهورية هزت جدران القاعة الصخرية: "باسم رع المتجلي في كبد السماء، وبحق ماعت التي تقيم السموات والأرض، وبسطوة ست الذي يقهر الفوضى في الآفاق! افصح عن الكيان الذي أمدكم بالسحر المحرم في المرسى الجنوبي، وما هي الغاية من محاولة إعادة فتح الرابط الأثيري مع الفراغ البرزخي!"

تلوى المشعوذ في سلاسله، وتصاعد صوته كفحيح متكسر يمتزج فيه صرير الحديد وصوت أنثوي خافت وبعيد يذكر بأناتيرا: "الكاهن الأكبر... تظنون أنكم بقلادة العاصفة تحمون الأمير إلى الأبد؟ أناتيرا ليست سوى قطرة في بحر الظلمة الأزلي! الكيان الذي ابتلعها في قاع الفراغ يحتاج إلى دماء سلالة رمسيس ليكسر أختام الأرض ويجعل من كمت جسراً لجيوش الفوضى! الندبة التي على صدره هي مفتاحنا... وحرارة القلادة لن تصمد إن استيقظ الأصل في ليلة الكسوف!"

عند سماع هذه الكلمات، تقدم سى اوزير بخطوات حاسمة حتى وقف أمام المشعوذ مباشرة. وضع يده القوية على مقبض سيفه، بينما توهج حجر العقيق الأحمري في قلادة الإله "ست" ببريق أحمر ناري ساطع ملأ القاعة بنور قرمزي مهيب، أخرس الفحيح المنبعث من فم المشعوذ وأحرقت الشرارات المتطايرة منه بقايا الطيف المظلم المحيط برأسه.

نظر سى اوزير في عيني المشعوذ بعينين تشتعلان بحقد مقدس وإصرار لا يلين، وتحدث بصوت صارم كالرعد: "أيها الخائن العاجز! تتوهمون أن دلال أناتيرا أو أطياف الفراغ قادرة على كسر إرادتي؟ لقد دفنت شغفي الزائف تحت ثقل هذه التميمة، وجعلت من خديعتكم وقوداً لغضبي وحمايتي لهذا العرش. كمت يحرسها رجال لا يعرفون الضعف، وإله العاصفة يقف في صدري ليحرق كل من تسول له نفسه المساس بأرض النيل!"

صرخ المشعوذ صرخة مدوية حين لامست طاقة القلادة النجمية جبهته، وانبعث من فمه وعينيه خيط دخان رمادي كئيب تلاشى فوراً في لهيب كانون النار الأزرق، قبل أن يسقط الرجل مغشياً عليه، مسلوب القوة المظلمة ومتروكاً لضعفه البشري المجرد.

التفت الفرعون مرنبتاح نحو خع ام واست وتفنوت وسى اوزير، وارتسمت على وجهه ملامح الجدية الصارمة، ثم قال بصوت حازم: "لقد اتضحت ملامح الحرب القادمة يا قادة كمت. ليلة الكسوف القادمة بعد دورتين للقمر ستكون موعد المواجهة الكبرى مع قوى الظلمات على حدود الصحراء الغربية. سى اوزير، ستكون أنت رأس الحربة وقائد الجيوش المتحركة، وتفنوت ستتولى تأمين الداخل بالكامل، بينما يعد خع ام واست التعاويذ والأختام في معبد الكرنك."

انحنى سى اوزير بإجلال تام أمام الفرعون، واضعاً يده فوق قلادة الإله "ست" التي زادت حرارتها ودفؤها وكأنها تعلن جاهزيتها للمعركة الحاسمة: "أمرك نافذ يا مولاي الفرعون. لن تدنس الظلمة حبة رمل واحدة من أرضنا، وسأكون السيف الذي يقطع رأس الفتنة قبل أن تبدأ."

صعد الجميع مجدداً نحو أروقة القصر الملكي العليا، حيث بدأت الاستعدادات العسكرية والكهنوتية الكبرى في طيبة، في سباق مع الزمن قبل حلول ليلة الكسوف العاصفة لحماية عرش مصر وميزان ماعت الخالد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

  • سيد الرماد والضوء   212

    انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو

  • سيد الرماد والضوء   210

    انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية

  • سيد الرماد والضوء   209

    انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status