INICIAR SESIÓNانقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.
في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدود الصحراء الغربية الشاسعة، ومسارب الواحات النائية، والدروب الصخرية الضيقة لوادي الملوك؛ تلك الممرات الملتوية التي تسعى قوى السحر الأسود وحلفاؤها من أمراء الفتن والمتسللين إلى اتخاذها مسرحاً للزحف المباغت لكسر الحصن الأثيري الحامي لعاصمة العرش.
كان سى اوزير يقف منتصب القامة بهيبة استثنائية تليق بسليل رمسيس العظيم، مرتدياً درعه الجلدي المقسّى بصفائح البرونز المتداخلة، بينما كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره بثقلها النجمي المهيب ووهجها القرمزي الهادئ. كانت التميمة تطلق نبضات حرارية خفيفة ومستمرة تغطي موضع الندبة بالكامل، وتبث في عروقه وجسده طاقة نارية تصنع حاجزاً روحانياً يمنع أي اختراق لوعيه أو تسلل لوساوس الفراغ البرزخي. كان الأمير يمسك بعصا القيادة العاجية المطعمة برقائق الذهب الخالص، ويشير بها إلى المضايق الجبلية الثلاثة الحاكمة الفاصلة بين الكثبان الرملية وامتداد الوادي الأخضر الخصيب.
تحدث سى اوزير بصوت جهوري صارم تردد صداه بقوة وثبات بين جدران القاعة الصخرية: "يا قادة كمت وفرسان العرش، لن ننتظر في موضع الدفاع المتراجع حتى تطرق جحافل الظلمة مشارف طيبة مع اكتمال ظلمة الكسوف. إن خطتنا المعتمدة تقوم على المبادأة السريعة، والهجوم الاستباقي الصاعق لسد المنافذ الجبلية قبل أن تكتمل الطلاسم والتعاويذ السحرية التي يعكف المشعوذون على نسجها في عمق الصحراء. سأتولى بنفسي قيادة طليعة الفرسان في قلب الوادي الأوسط لجر الكتائب المظلمة إلى كمين محكم، بينما تتمركز فرق الرماة وألوية الدعم الثقيل على المرتفعات الصخرية الجانبية لإمطارهم بوابل السهام المغموسة بالزيوت المقدسة ونار الكرنك الحارقة، لنقطع دابرهم قبل أن يلتحموا ببؤر السحر."
أومأ الفرعون مرنبتاح برأسه إعجاباً بيقظة الأمير الشاب وخبرته التكتيكية المتصاعدة، وضرب بصولجان الحكم المذهب فوق الطاولة الحجرية قائلاً بنبرة تفيض بالعزم والهيبة: "هذا هو الفكر الحربي الحكيم الذي يحمي الأرضين ويثبت أركان ميزان ماعت المقدس. المباغتة الحازمة ستشتت صفوفهم وتشل قدرتهم على بناء الرابط الأثيري بين المذبح الميداني وعوالم الظلمات السفلية. سى اوزير، لك مطلق الصلاحيات الملكية في تحريك الجيوش واختيار الفرسان والنزول إلى الميدان. وأنتِ يا تفنوت، ما هي التدابير والإجراءات التي أقررتِها لحفظ سلامة الجبهة الداخلية داخل أسوار القصر الملكي وحرم المدينة؟"
التفتت تفنوت بنظرة ثاقبة تجمع بين الفطنة السياسية الصارمة والحنان الأمومي الحذر، وقالت بصوت قاطع لا يعرف المهادنة: "أبواب مدينة طيبة العظمى ستُغلق تماماً بأقفال البرونز وتُدعم بالحراسة المشددة مع غروب شمس يوم المعركة، وتُمنع حركة القوارب والسفن في مجرى النيل ليلاً بشكل صارم. لقد أشرفتُ بنفسي على إعادة تنظيم وتطهير حرس الجناح الملكي، واستبدال كافة الخدم المشبوهين، وتوزيع عيون الحرس النسائي المخلص في أروقة الحريم والمخازن ومنافذ المياه. لن تتحرك نملة واحدة داخل أسوار طيبة دون علمنا، ولن يجد الخونة المتآمرون في الداخل أي نافذة لمد يد العون لجحافل الغدر القادمة من الخارج."
في هذه الأثناء، كان الكاهن الأكبر خع ام واست يرابط في المحراب السري لمعبد الإله "ست" عند الأطراف الشرقية للكرنك، محاطاً بصفوة الكهنة المرتلين وكتبة النصوص المقدسة. كانوا يعملون دون انقطاع على نسخ تعاويذ الحصن الأبدي على رقائق البردي المعطرة بالمسك الملكي واللبان الجاوي، وتجهيز الجرار الفخارية المعبأة بالزيوت الطاهرة المقروء عليها رقيات الحماية الكبرى، ورمل الصحراء المبارك المشحون بطاقة العواصف الرعدية، لدهن أسنّة الرماح وحواف السيوف البرونزية والدروع التي سيحملها الفرسان إلى ساحة النزال الفاصل.
وعندما أرخى الليل سدوله الكاملة على ربوع طيبة، انسحب سى اوزير إلى مقصورته الخاصة طلباً للراحة وتفقداً لعتاده الحربي وسلاحه. نزع درعه البرونزي الثقيل ووضعه بعناية على الحامل الخشبي، ثم استل سيفه التكتيكي العريض ليمسح نصله المصقول بزيت الزيتون الصافي وقطع الكتان النقي. وقف الأمير الشاب أمام الشرفة الفسيحة المطلة على مياه النهر الخالد، ونسائم الليل الباردة تداعب جبهته التي علت منها ملامح الجدية والمسؤولية.
وضع يده اليمنى فوق حجر العقيق الأحمري المتوهج في قلادة الإله "ست"، وسرت في عروقه حرارة جافة ومطمئنة طردت كل قشعريرة أو ارتعاش، محصنة قلبه وفؤاده تماماً. في تلك السكينة المهيبة، لم تعد ذكريات أناتيرا القديمة أو دلالها الشفاف تملك أي قدرة على زعزعة روحه؛ بل استقرت في أعماقه كوقود لحقد مقدس وعزيمة فولاذية لا تلين، تذكره دائماً بمرارة الغدر وواجب حماية هذا العرش وصون دماء الأجداد.
نظر سى اوزير إلى صفحة السماء الصافية المرصعة بآلاف النجوم اللامعة فوق معابد كمت، وقال بنبرة هادئة تفيض بالعزم الراسخ واليقين: "ليأتِ الكسوف المرتقب ولتتحشد قوى الفوضى كما تشاء في عتمة الرمال... ستكون صحراء كمت مقبرة أبدية لكل من تسول له نفسه المساس بذرة تراب من أرض مصر أو كسر إرادة فرسانها المخلصين."
خيم السكون الحذر على أروقة القصر الملكي، بينما كانت مشاعل الحراسة تتلألأ فوق الأسوار العالية كعيون يقظة لا تغفل، في انتظار فجر المواجهة الحاسمة
انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً
انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال
أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،
انقشعت أطياف الليل الثقيل والغائم عن سماء مدينة طيبة العظمى لتكشف عن بزوغ فجر مشحون بأقصى درجات الاستنفار العسكري والتأهب الروحي، وذلك في أعقاب انتهاء جلسة الاستجلاء الكهنوتية الحارقة في المقاصير السفلية لمعبد الكرنك. لم تكن اعترافات رئيس المشعوذين المقبوض عليه بشأن ليلة الكسوف المرتقبة بعد دورتين كاملتين للقمر مجرد نذير عابر يمر مرور الكرام، بل كانت بمثابة إعلان النفير العام الذي أطلق شرارة التعبئة الشاملة والقصوى في كافة أركان القصر الملكي، وثكنات الجيش الإمبراطوري، وحرم المعابد الكبرى الممتدة على ضفتي نهر النيل الخالد من أقصى الشمال إلى أطراف الجنوب.في الجناح الشرقي للقيادة العسكرية العليا، وهو بهو رحب شُيدت أعمدته الضخمة من حجر الجرانيت الأحمر المصقول وعُلقت على جدرانه الشاهقة دروع البرونز اللامعة ورايات الصقر المجنح الذهبية، اجتمع الأمير سى اوزير بكبار قادة الفرسان، وأمراء الألوية الحربية، ورؤساء فرق الرماة، بحضور مهيب من الفرعون مرنبتاح والملكة تفنوت. كانت الطاولة الجرانيتية الكبرى التي تتوسط البهو تكتظ بخرائط جلدية مدبوغة بعناية فائقة، رُسمت عليها التضاريس الجبلية والوعرة لحدو
انحدرت درجات السلم الجرانيتي المؤدية إلى مقاصير التحقيق السفلية في ظلمات معبد الكرنك، حيث كان الهواء يزداد برودة وثقلاً مع كل خطوة يخطوها الأمير سى اوزير بجانب والده الكاهن الأكبر خع ام واست وأمه تفنوت. كانت المشاعل المثبتة على الجدران الصخرية ترسل ألسنة لهب مضطربة بفعل التيارات الهوائية الباردة المتسربة من دهاليز الأرض، لتلقي بظلال طويلة راقصة تشبه أطياف الكيانات السفلية المحبوسة في نقوش التطهير الفرعونية المحفورة على الحجارة.كانت رائحة المر المحروق، والبخور الجاوي، وحشائش الحرمل تملأ الأروقة السفلية لتشكل سداً روحانياً منيعاً ضد السحر الأسود. تقدم سى اوزير بخطوات ثابتة ومهيبة، وصوت صليل سيفه البرونزي يتردد في الممر كإيقاع حربي صارم، بينما كانت قلادة الإله "ست" تستقر بثقلها المهيب فوق صدره العاري، تطلق نبضات حرارية خفيفة ومتصلة تحمي وعيه وتكتم أي صدى للأطياف المتربصة في عتمة المقاصير.وصلا إلى قاعة الاستجلاء الكبرى، وهي غرفة دائرية منحوتة في باطن الصخر تحيط بها أربعة أعمدة بازلتية نُقشت عليها تعاويذ ميزان ماعت وسيف الانتقام. في منتصف القاعة، كان رئيس المشعوذين مقيداً بسلاسل برونزية
انسابت ظلال المساء الأولى متسللة كالأفاعي بين ثنايا الجناح الملكي، محملة ببرودة صحراوية خفيفة كسرت الجو اللاهب لنهار "طيبة" العصيب. لم يكن الصمت المخيم على المقاصير الملكية سكون راحة أو دعة، بل كان هدوءاً ثقيلاً يئن بصدى التوترات الجيو-سياسية والروحية العاصفة التي باتت تهدد بتفكيك ميزان "ماعت" وإسقاط عرش كمت في أتون الفوضى.في مجلس إدارة شؤون العرش المصغر، حيث تتداخل خطوط السحر بصرامة الحكم، جلس الأمير سى اوزير بجانب أمه تفنوت وأبيه الكاهن الأكبر خع ام واست. كانت الطاولة الحجرية المصنوعة من الجرانيت الأسود تكتظ بخرائط أقاليم مصر الجنوبية وبرديات التقارير الاستخباراتية الواردة من عيون العرش في حواضر الشام وأطراف النوبة، تحكي عن تحركات مريبة وفتن تشتعل في الخفاء.كان سى اوزير يرتدي رداءه الكتاني الملكي الفاخر، وتتربع قلادة الإله "ست" فوق صدره العاري بثقلها النجمي المهيب. كانت التميمة تطلق ضوءاً قرمزيًا خافتاً يتناغم مع ضربات قلبه الم