Share

64

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-21 16:30:59

الظلام يعود إلى القلب**

عاد الفرعون رمسيس إلى طيبة منتصراً على جيش الحبشة، لكن النصر تحول في قصره إلى مرارة ثقيلة. كان القصر يعج بالاحتفالات في الخارج — الشوارع مليئة بالموسيقى والراقصات والولائم، والناس يهتفون باسم رمسيس ويمدحون انتصاره — أما داخل أروقة القصر الملكي، فكان الصمت ثقيلاً كالرصاص، والهواء مشبعاً برائحة البخور واليأس.

كان خع إم واست مستلقياً في غرفة الشفاء المقدسة داخل معبد بتاح الكبير بمنف، حيث نقلته العائلة بعد عودة الحملة. كان جسده قوياً ظاهرياً، لكن روحه كانت ممزقة. عيناه مفتوحتان أحياناً، تحدقان في الفراغ، وأحياناً تغلقان بعنف وهو يرتجف كأن ناراً داخلية تحرقه. كانت تابوبو قد عادت بقوة أشد مما كانت عليه، تعويذتها السوداء تتجدد كل ليلة، وهمساتها تتردد داخل رأسه كالسم الذي يقطر ببطء.

في تلك الليلة، كان الفرعون رمسيس جالساً بجانب سرير ابنه، يمسك بيده بقوة رغم الوهن الذي أصاب جسده بعد الحملة. كان وجه الشيخ العظيم شاحباً، عيناه غائرتان، وخطوط السنين والحزن قد تعمقت على جبينه. لم يكن رمسيس يبكي أمام أحد، لكنه في تلك اللحظة كان يشعر بألم لم يشعر به حتى في أحلك معاركه.

"يا ولدي..." همس بصوت مكسور، "أنت الذي قهرت الدوات، الذي أنقذت عرشي مرتين... كيف يعود هذا الشر إليك؟"

كانت الأميرة تفنوت جالسة على الجانب الآخر، رأسها ملقى على صدر زوجها، تبكي بهدوء. شعرها منسدل، وعيناها منتفختان من البكاء المتواصل. كانت تمر أصابعها في شعر خع إم واست، وتهمس له بكلمات حب وتعاويذ قديمة، لكن صوتها كان يرتجف:

"عد إلينا يا حبيبي... أرجوك. لا تتركنا. أنا هنا... أنا دائماً هنا."

أما سى اوزير، الفتى الذي أصبح في الرابعة عشرة، فقد كان يقف في الزاوية، يداه ترتجفان وهو يحاول مرة أخرى أن يستدعي نوره الفيروزي. كان وجهه شاحباً، عيناه حمراء من قلة النوم، وقد أصبح يبدو أكبر من سنه بسبب الحزن الثقيل. حاول للمرة العشرين في تلك الليلة:

"**يا تحوت يا صاحب المعرفة الأزلية... يا أوزير يا حارس الحياة والموت... أعطوني قوتكم لأقطع هذه التعويذة السوداء!**"

انفجر نوره الفيروزي في صدر والده، لكنه لم يدم طويلاً. عادت الخيوط السوداء تتجدد كالأفاعي، وصرخ خع إم واست صرخة مكتومة، جسده يتقوس من الألم. سقط سى اوزير على ركبتيه، يبكي بصمت.

"لماذا... لماذا لا أستطيع؟" همس الفتى بصوت مكسور. "أنا الذي قطعت خيوط عيلاج... أنا الذي رأيت الدوات... فلماذا أفشل الآن مع أبي؟"

اجتمع كبار الكهنة من كل مصر في المعبد. جاءوا من طيبة ومنف وأبيدوس وحتى من الدلتا. أجروا طقوس التطهير الكبرى، سبعة أيام متتالية. كانوا يحرقون البخور المقدس، يذبحون الثيران، يرددون التعاويذ من برديات "كتاب الموتى" و"كتاب تحوت"، ويضعون تمائم على جسد الأمير. لكن كل محاولة باءت بالفشل. كانت التعويذة السوداء تتجدد كل ليلة، أقوى مما كانت عليه.

في اليوم الثامن، جلس الفرعون رمسيس وحده مع ابنه بعد انصراف الكهنة. كان يمسك بيده، ودموعه تسيل على وجهه لأول مرة أمام أحد:

"يا ولدي... أنا الذي أرسلتك إلى بو باستيس من قبل. أنا الذي سمحت لك بالنزول إلى الدوات. أنا... أنا السبب في كل هذا. لو لم أكن ضعيفاً، لما احتجنا إليك. سامحني يا خع إم واست."

كان خع إم واست شبه فاقد الوعي، لكنه همس بصوت ضعيف:

"لا... يا أبي... أنت... أعطيتني القوة... لأحمي... مصر..."

دخلت تفنوت ومعها سى اوزير. كانت تبكي بحرقة، تحتضن زوجها، وتقول بصوت مكسور:

"لن أتركك أبداً. حتى لو اضطررت أن أنزل إلى الدوات بنفسي، سأفعل. أنت حياتي... أنت كل شيء."

كان الحزن يخيم على القصر كله. كانت الخادمات يبكين في الأروقة، والجنود الذين عادوا من الحملة يقفون خارج المعبد يصلون للآلهة. كان الشعب في منف وطيبة يعلمون أن الأمير المفضل مريض، وكانوا يقدمون القرابين في كل المعابد.

في كل ليلة، كانت تابوبو تعود في رأس خع إم واست. همساتها حلوة مرة، مليئة بالوعود والتهديدات:

"**عد إليّ يا حبيبي... أنا الوحيدة التي أفهمك. أنا الوحيدة التي تستطيع أن تشفيك. اترك كاهنتك، اترك طفلك، وتعالَ إليّ... وإلا سأجعلك تشاهد من تحب يذوبون أمام عينيك.**"

كان خع إم واست يصرخ في نومه، يدفع يد زوجته، ويتمتم بكلمات غير مفهومة. بدأ يفقد القدرة على التعرف على من حوله أحياناً. في إحدى الليالي، نظر إلى سى اوزير وقال بصوت غريب:

"تابوبو... هي هنا... تريدك أنت أيضاً..."

كان الحزن يأكل العائلة. كان الفرعون رمسيس يزور ابنه كل يوم، يجلس ساعات طويلة صامتاً، يمسك بيده، ويبكي في الخفاء. كان يشعر بالعجز لأول مرة في حياته. كان يقول لنفسه:

"أنا قهرت الحيثيين... أنا بنيت معابد لا تُحصى... فكيف أعجز عن إنقاذ ابني؟"

استمرت محاولات الشفاء أسابيع طويلة. جلبوا أمهر السحرة من النوبة، وكهنة من معبد الكرنك، وحتى بعض الحكماء الذين جاؤوا من أرض اليونان. كلهم فشلوا. كانت التعويذة مرتبطة بعمق بروح خع إم واست، مرتبطة بماضيه مع تابوبو، وكانت تتغذى على قوته نفسها.

في إحدى الليالي المظلمة، انهار سى اوزير أمام والدته، يبكي بحرقة:

"أنا فاشل يا أمي... أنا الذي يُقال عنه المعجزة... ولا أستطيع إنقاذ أبي."

احتضنته تفنوت بقوة، وهي تبكي معه:

"لستَ فاشلاً يا ولدي... أنت أعظم ما لدينا. سنستمر... مهما طال الزمن."

كان الظلام قد عاد، أقوى من أي وقت مضى. وتابوبو كانت تضحك في الظلال، تنتظر اللحظة التي ينهار فيها الجميع.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status