Share

66

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-23 18:26:41

إنذار تابوبو**

كان اليوم التالي لظهور رع العظيم يوماً ثقيلاً مشحوناً بالأمل الخافت والخوف المتزايد. داخل معبد بتاح الكبير بمنف، كانت أشعة الشمس تخترق النوافذ العالية بصعوبة، ملقية ضوءاً ذهبياً خافتاً على أرضية الحجر المصقول. كان خع إم واست لا يزال مستلقياً على سرير الشفاء المقدس، جسده مغطى بأغطية من الكتان الأبيض، ووجهه شاحب كالقمر في ليلة مظلمة. كان يتنفس بصعوبة، وعيناه نصف مغلقتين، يتقلب بين الوعي والغيبوبة بسبب الهمسات التي لا تتوقف داخل رأسه.

كانت العائلة الملكية مجتمعة حوله منذ الفجر. الفرعون رمسيس جالس على كرسي بجانب السرير، يمسك بيد ابنه بقوة رغم الوهن الذي أصاب جسده بعد الحملة. كان وجهه الملكي يعكس حزناً عميقاً لم يظهره من قبل أمام أحد، دموعه تسيل بصمت على لحيته البيضاء وهو يهمس:

"يا ولدي... أنت الذي حملتَ على عاتقكِ أعباء مصر كلها... كيف أصبحتَ الآن في هذا الحال؟ أنا الذي أرسلتك إلى الدوات... أنا السبب..."

بجانبه كانت الأميرة تفنوت جالسة على حافة السرير، رأسها ملقى على صدر زوجها، تبكي بهدوء شديد حتى لا يزعجه. كانت أصابعها تمر في شعره بلطف، وشفتاها تتحركان بتعاويذ حماية مستمرة، لكن صوتها كان مكسوراً:

"لا تتركني يا حبيبي... أرجوك. أنا لا أستطيع الحياة بدونك. أنت النور الذي اخترته في أحلك الظلام... عد إلينا."

أما سى اوزير، فقد كان جالساً على الأرض بجانب السرير، رأسه ملقى على ذراع والده، عيناه حمراء من البكاء والسهر. كان الفتى الذي أصبح في الرابعة عشرة يبدو كشاب ناضج من شدة الحزن، يهمس بكلمات من "كتاب تحوت" بصوت متهدج، محاولاً مرة أخرى قطع الخيوط السوداء التي يراها تتجدد حول قلب والده.

فجأة... ارتفعت ضحكة حادة، مألوفة، مليئة بالسم والانتصار، تتردد في أرجاء المحراب كله.

**ضحكة تابوبو.**

تجمد الجميع في أماكنهم. ظهرت تابوبو فجأة في وسط المحراب، في هيئة شبه مادية، جميلة ومرعبة في آن واحد. كانت ترتدي ثوباً أسود شفافاً يلتصق بمنحنيات جسدها، شعرها الأسود الطويل يتمايل كأفاعٍ حية، وعيناها تحترقان بنار سوداء مليئة بالشوق المشوه والانتقام. كانت تطفو قليلاً فوق الأرض، تنظر إليهم بابتسامة عريضة.

"**أخيراً اجتمعتم كلكم...**" قالت بصوت حلو مر، يرج المكان. "**كم افتقدتُ هذه اللحظة.**"

نهض خع إم واست بصعوبة بالغة على مرفقيه، وجهه شاحب، عيناه مليئتان بالرعب والغضب:

"تابوبو... ظننتُ أنني قضيتُ عليكِ... كيف...؟"

ضحكت تابوبو ضحكة عالية مدوية، ثم نظرت إليه بنظرة حب مشوه:

"**يا حبيبي... أنت لم تقضِ عليّ. أنت فقط فتحت الباب أمامي. عندما قطعتَ خيوطي في الدوات، ارتبطتُ بروح أبوفيس... والآن أنا أقوى من أي وقت مضى.**"

تقدمت خطوة نحو السرير، فارتجف سى اوزير ورفع يده محاولاً استدعاء نوره، لكن تابوبو لوحت بيدها فتجمد الفتى في مكانه. نظرت إلى الفرعون رمسيس، ثم إلى تفنوت، ثم عادت إلى خع إم واست وقالت بصوت هادئ لكنه قاتل:

"**سيموت خع إم واست في غضون ثلاثين يوماً... إلا إذا أحضرتموه إليّ في معبدي القديم ببو باستيس. هناك فقط، في المكان الذي بدأ فيه كل شيء، يمكنني أن أشفيه... بشرط واحد.**"

ساد الصمت المذهول. تقدم الفرعون رمسيس بصعوبة، وجهه يعكس غضباً ملكياً عميقاً:

"ما هو الشرط يا شيطانة؟"

ابتسمت تابوبو ابتسامة عريضة، مليئة بالانتصار:

"**أن يعود إليّ... كما كان. أن يترك كاهنته وطفله، ويعود إلى حضني. أن يعطيني ما أريد... روحه، جسده، وعرشه. إذا فعل ذلك، سأشفيه وأمنحه قوة لا تُقهر. وإلا... سيموت أمام أعينكم، وسأجعل كل من حوله يدفع الثمن.**"

صرخ خع إم واست صرخة مكتومة، حاول النهوض لكنه سقط مرة أخرى. نظرت تفنوت إلى تابوبو بعينين مليئتين بالدموع والكراهية:

"لن نعطيكِ شيئاً! لن نتركه يذهب إليكِ!"

ضحكت تابوبو مرة أخرى، ثم نظرت إلى سى اوزير الذي كان يرتجف من الغضب:

"**حتى أنتَ يا معجزة... ستفقده. ثلاثون يوماً فقط... الساعة بدأت تدق.**"

اختفت تابوبو فجأة وسط ضحكاتها المدوية التي ظلت تتردد في أرجاء المعبد لدقائق طويلة.

سقط الفرعون رمسيس على كرسيه، يمسك برأسه، وجهه يعكس يأساً عميقاً. بكت تفنوت بحرقة شديدة، تحتضن زوجها، وكان سى اوزير يقف صامتاً، قبضتاه مشدودتان، دموعه تسيل على وجنتيه.

"ثلاثون يوماً..." همس الفتى بصوت مكسور. "لدينا ثلاثون يوماً فقط..."

كان الحزن قد بلغ ذروته. كان الفرعون رمسيس ينظر إلى ابنه وهو يبكي في صمت، يشعر بالعجز التام لأول مرة في حياته. كانت تفنوت تبكي في حضن زوجها، وكان سى اوزير ينظر إلى الفراغ بعينين مليئتين بالعزم واليأس.

بدأ العد التنازلي... وتابوبو كانت تضحك في الظلال، تنتظر.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status