Share

74

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-24 20:35:57

بعد ظهور رع العظيم، لم يعد هناك وقت للانتظار. كان سى اوزير يقف أمام البوابة المظلمة العميقة في أحشاء معبد بتاح الكبير بمنف، محاطاً بعائلته التي كانت تبكي بحرقة. كان الفرعون رمسيس يضع يده المرتجفة على كتف حفيده، وتفنوت تحتضنه وهي تبكي بصوت مكسور. لم تكن هذه مجرد رحلة... كانت مقامرة بالروح نفسها.

دخل سى اوزير البوابة، واختفى في الظلام.

كانت الدوات ليست مجرد أماكن، بل كانت عالماً حياً يتغذى على أعماق النفس البشرية. لم تكن هناك بوابات حجرية تُفتح بالمفتاح،

دخل سى اوزير البوابة المظلمة العميقة، وكأن العالم كله ابتلعه في لحظة واحدة. لم يكن هناك صوت، ولا ضوء، ولا حتى شعور بالأرض تحت قدميه. كان يمشي في فراغ أسود كالحبر، يشعر فقط بثقل روحه ودقات قلبه التي كانت تتسارع مع كل خطوة. الهواء كان بارداً ورطباً، يحمل رائحة التراب القديم والدموع المجففة. كان يعرف أن هذه ليست مجرد رحلة... هذه متاهة الروح، حيث يختبر الدوات كل ما في الإنسان من ضعف وقوة.

تلاشت أطراف العالم الحي خلف ظهر الفتى "سي أوزير" كأنها لم تكن سوى حلم عابر، وابتلعته غياهب "الدوات" السحيقة بنهمٍ مخيف. كان الهواء هنا يختلف عن هواء مصر؛ فهو لافح، ثقيل، ويحمل في طياته رائحة الكتان العتيق والتراب المنسي في جوف المقابر. مشى الفتى خطوة تلو الأخرى والظلام يلتف حول جسده الممشوق النحيل كأنه رداء من نسيج حي، وكلما تقدم ميلاً، شعر بأن ذكريات طفولته الغضة في المعبد تتسرب من وعيه لتترك مكاناً لبرد قارس ينخر العظام. كان دافعه الوحيد الذي يدفعه لخوض هذا الجحيم اللامرئي هو إنقاذ والده الأمير "خع إم واست" من سجن اللعنة الذي غُيب فيه، وهو يعلم أن الثمن قد يكون روحه ونقاءه الفطري.

فجأة، وبدون مقدمات، توقف الظلام عن الحركة، وساد صمت مطبق يحبس الأنفاس. أمام سي أوزير مباشرة، انشقت العتمة عن مرآة عملاقة سوداء لامعة، مصنوعة من حجر الأوبسيديان النيزكي المصقول بعناية فائقة. لم تكن المرآة تعكس صورته الحقيقية كفتى غض الإهاب يبحث عن أبيه؛ بل كان الشاب الواقف في عمق الحجر الأسود أكبر سناً، أقوى بنياناً، وأكثر قتامة بشكل يثير الرعب في النفوس. كان يرى نفسه مستقبلاً وهو يرتدي تاجاً ملكياً أسود مشعاً بلون الليل، وتلمع عيناه ببريق السلطة الطاغية والسطوة الحاسمة التي تجعل الملوك يركعون عند عتبات بلاطه، ومن خلفه تتماوج ظلال مصر كلها، من جنادل النيل في الجنوب وحتى شواطئ البحر الكبير في الشمال.

"مَن أنت؟" سأل سي أوزير، وارتجف صوته الفتي وسط الفراغ الساكن، ليرتد إليه السؤال فوراً من النسخة القابعة داخل المرآة بصوت يشبه صوته تماماً، لكنه كان أعمق بكثير، وأبرد كجليد الشتاء. "هل أنت الفتى الصغير الخائف الذي يركض في سراديب الموت والظلال لإنقاذ أبيه، أم أنت مجرد ولد ضعيف يحتمي بالأوهام ويبحث عن حضن دافئ يحميه من قسوة الأقدار؟ انظر إليّ.. أنا حقيقتك الكامنة التي تخاف مواجهتها، أنا المجد الذي ينتظرك إذا ما تخليت عن الروابط الواهية."

مع تلك الكلمات، بدأت الرؤى السحرية تتدفق بغزارة في وعي الفتى كشلال من نار؛ فرأى نفسه ملكاً قوياً مهاباً يجلس على عرش ذهبي تحفه التماثيل الضخمة للإله "بتاح"، والشعب المصري بأكمله يسجد له خضوعاً وإجلالاً، حتى الآلهة القديمة بدت في الرؤية وكأنها تخشى بأس سطوته وعلمه المحرم المستمد من كتاب تحوت. لكن المشهد كان يحمل غصة تذيب القلوب؛ فقد كان وحيداً تماماً في قمة مجده، لا أب يشد أزره، لا أم تمسح على رأسه، لا حب يدفئ ليله، ولا ذكريات طيبة تصله بماضيه، كأن الفراغ الداخلي يأكله حياً من الداخل ويحوله إلى تمثال من حجر بارد لا ينبض. حاول سي أوزير التقدم خطوة ليحطم هذا الوهم بيده، لكن سطح المرآة الأسود تصلب وسد عليه الطريق تماماً، مطلقاً هالة من الطاقة الباردة التي شلت حركته.

مدت النسخة المظلمة يدها من جوف الحجر، وأشارت نحو قلبه النابض قائلة بنبرة حاسمة تملؤها السخرية: "إذا كنت تريد الاستمرار وتخطي هذه العتبة الأولى نحو أعماق الدوات، قل لي بصدق... ما الذي تضحي به الآن؟ هل ستختار مجد العرش الأسود والخلود الأبدي، أم ستظل عبداً لعاطفة الابن الضعيف؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status