Share

75

Author: Ahmed Habib
last update Petsa ng paglalathala: 2026-06-24 20:36:14

حاول سي أوزير الإجابة مرات عديدة، وكان يصرخ بكلمات تخرج من أعماق عقله المشوش، لكن كل إجابة خاطئة أو مشوبة بحب المجد كانت تجعل سطح المرآة يهتز بعنف، مرسلةً موجات من الأثير البارد التي تضرب وعيه الحسي. ومع كل محاولة فاشلة، كان يرى صورته داخل الحجر الأسود تتبدل بطريقة مرعبة؛ رأى نفسه يتجرد من ملامحه البشرية ليتحول إلى مجرد ظل باهت، هائم على وجهه في متاهات لا نهاية لها من النسيان، يصرخ باسم والده "خع إم واست" دون أن يتذكر من يكون هذا الرجل، أو لماذا يركض في هذه الظلمات السحيقة بقلب ممزق.

بدأت الرؤى السحرية تتسارع وتتفتت أمامه كقطع الفخار المكسور، ورأى ذكرياته الغالية تذوب وتتلاشى في الفراغ: ضحكات أمه الكاهنة "تفنوت" في حدائق منف، ملمس يد جده الملك رمسيس العجوز وهو يربت على كتفه ويوصيه بكبرياء الأسرة، وحضن أبيه الدافئ الذي كان يحميه من كوابيس الليل ويشعره بالأمان. كان الخوف يأكله حياً من الداخل — الخوف من أن يكون ضعيفاً في لحظة الحسم، من أن يفشل في إنقاذ أغلى ما يملك، ومن أن يتحول إلى النسخة المظلمة الباردة التي تسخر منه خلف زجاج المرآة.

استمر هذا الصراع النفسي العنيف لعدة ساعات طويلة ومؤلمة وسط الصمت المطبق لعالم الدوات، والفتى يصرخ، ويبكي، ويجثو على ركبتيه فوق التراب العتيق، محاولاً بكل ذرة من قوته العقلية أن يجد نفسه الحقيقية، وأن يتمسك بهويته الأصلية وسط طوفان الأوهام ومغريات العرش الأسود الطاغية التي كانت تداعب وحش الطموح الكامن في عروقه الملكية. كان يشعر ببرودة الأوبسيديان تسري في شرايينه لتجمد عواطفه، والنسخة الأخرى تلح عليه وتطالبه بالتخلي عن إنسانيته لتجاوز البوابة.

في النهاية، وبعد أن شارف على الاستسلام التام وكاد عقله ينفجر من فرط الضغط النفسي، انتصب الفتي بكامل قامته الممشوقة، وجمع شتات روحه النزفة، وصرخ بصدق يمزق نياط القلب ويزلزل أركان الفراغ:

"أنا ابن خع إم واست... وأنا مستعد أن أفقد نفسي، وأفقد تاجي، وأفقد مجدي، فقط لأنقذه من غياهب اللعنة! أنا لستُ الملك الذي تحلم به... أنا الابن الذي لا يبيع دم أبيه!"

ومع الكلمة الأخيرة، تصدعت المرآة العملاقة بصوت مدوٍّ أشبه بانفجار الصخور في الجبال البعيدة، وتناثرت شظاياها السوداء اللامعة في الهواء كغبار من النجوم الميتة، وانفتح أمامه الطريق الضيق نحو العتبة التالية. لكن سي أوزير لم يخرج من هذه المواجهة معافى؛ بل كان يرتجف بشدة، وروحه ممزقة ومثقلة بالهموم، بعد أن دفع ثمناً غالياً من طمأنينته وأعماقه النفسية، ليدرك أن المتاهة لن ترحم طفولته أبداً.

مشى سى اوزير أبعد في جوف العتمة، والظلام يثقل على صدره النحيل كأنه جبل من حديد، والخطوات تزداد صعوبة مع توغل الأثير في أنفاسه المجهدة. وفجأة، وبدون أي تمهيد، انشقت الظلمة مرة أخرى لتظهر أمه "تفنوت" أمامه مباشرة في وسط الطريق، لكنها لم تكن في صورتها الهادئة الطاهرة داخل المعبد؛ بل كانت تبكي بحرقة شديدة تمزق الأوعية، وتمد يدها المرتجفة إليه بضعف وقلة حيلة، وتقول بصوت يتدفق بالوجع وينفذ إلى أعمق نقاط روحه:

"لا تذهب يا ولدي وتتركني وحيدة في صقيع منف.. إذا ذهبتَ وفارقت عيني سأموت من فرط الحزن واللوعة! أبوك قد غيبه الموت والسحر الأسود ولن يعود أبداً.. ابقَ معي، أرجوك.. أنا لا أستطيع تحمل المزيد من الفقد والخراب."

كانت هذه الرؤية الجديدة مؤلمة إلى حد لا يطاق، معلنةً بدء التحدي الثاني الذي يستهدف عاطفة الأمومة ونقاط الضعف الفطرية في قلبه الغض.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status