Share

84

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-28 21:14:08

توقف الزمن.

أو ربما استمر وتوقف سى اوزير عن إدراكه.

ثم ابتسم رع.

وكانت تلك الابتسامة أحزن من كل بكاء سمعه سى اوزير في حياته.

لم تكن ابتسامة نصر. لم تكن ابتسامة فرح. كانت ابتسامة من يحمل الجبال على كتفيه منذ أن كانت الجبال حجارة صغيرة، ويعلم أنه سيستمر في حملها إلى ما لا نهاية، ولا يتذمر، ولا يطلب الراحة، لأن هذا ما هو موجود من أجله.

قال:

*"كل ليلة."*

كلمتان فقط. لكنهما سقطتا كصخرتين في بئر عميقة، وظل صداهما يتردد طويلاً.

ثم تكلم رع بطريقة تشبه فتح كتاب كُتب قبل أن توجد الكتب:

*"منذ أن ارتفعت أول شمس فوق أول أرض، ومنذ أن نطق الخلق باسمه الأول، أسافر في هذا الطريق."*

وأشار — إشارة واحدة بيد قديمة قدم الوجود — نحو النهر الأسود الممتد أمامهم إلى ما لا نهاية.

*"كل ليلة أعبر الدوات. وكل ليلة يخرج أبوفيس من أعماق الفوضى ويحاول ابتلاع النور."*

اشتعلت عيناه الذهبيتان بشيء لم يكن الغضب ولم يكن الحزن، بل شيء بينهما، شيء يُشعل الهواء ويجعل الظلام ينكمش.

*"لكنه لا يكرهني أنا."*

خفضت تلك الجملة صوت المركب كله.

*"ولا يطمع في عرشي. ولا يريد الانتقام."*

ثم انخفض صوت رع — انخفاضاً جعله أشد رهبة من حين كان مرتفعاً:

*"أبوفيس يكره الوجود نفسه."*

---

شعر سى اوزير بشيء بارد يتسلل من أخمص قدميه إلى قمة رأسه.

ليس خوفاً. أبعد من الخوف. شيء أشبه بالإدراك المفاجئ الذي يغير كل شيء.

وتابع رع، وكانت كل كلمة تشق الهواء كنصل:

*"يريد محو النجوم. ومحو الآلهة. ومحو البشر. ومحو الذكرى الأخيرة لأي روح عاشت يوماً فوق هذه الأرض."*

ثم نهض.

نهض رع من عرشه.

وحين نهض، لم ينهض كما ينهض الملوك أو الجبابرة.

نهض كما يشرق الفجر — ببطء، بحتمية، بشيء لا يمكن إيقافه أو تأخيره أو مقاومته.

وانفجر النور من حوله بشكل جعل سى اوزير يغمض عينيه لثانية ثم يصر على إبقائهما مفتوحتين، لأن جزءاً منه أدرك أن ما يراه لن يراه بشر مرة أخرى في ألف عام.

بدا رع أطول من الجبال.

أقدم من الزمن.

أعظم من كل ما يستطيع العقل تخيّله.

وقال بصوت اهتزت له النجوم البعيدة:

*"ولهذا أحاربه."*

ثم، بعد صمت يكفي لأن يُولد فيه عالم:

*"ما دامت الشمس تشرق... فلن ينتصر الظلام."*

---

فجأة — كالرعد الذي يضرب دون تحذير — دوى ضحك هائل يملأ المركب من طرف إلى طرف.

ضحك لا يصدر عن كائن يجد شيئاً مضحكاً، بل عن كائن يجد الكون نفسه هزلياً.

استدار سى اوزير.

ورأى ست.

لم يكن قد رآه من قرب من قبل — أو ربما رآه، لكن الحرب كانت تدور والمشهد كان فوضى من النار والدم والعواء، ولم يكن هناك وقت للنظر.

الآن، في صمت الدوات، وقف ست ماثلاً أمامه بكل ما هو عليه.

كان جسده الضخم يُشعّ بطاقة مختلفة تماماً عن طاقة رع — إن كانت طاقة رع كالشمس، فطاقة ست كانت كالعاصفة. ليست مريحة. ليست دافئة. لكنها حقيقية بشكل بدائي عنيف، حقيقية كأنياب الأسد وبرق السماء وعواء الريح في الصحراء عند منتصف الليل.

كان جسده مغطى بدماء سوداء — دماء أبوفيس، تتصاعد منها أبخرة كثيفة كأنها الدخان الذي يخرج من مكان لم يُخلق النور ليصله. وفي عينيه الحمراوين المتوهجتين شعلة لا تنطفئ، شعلة الكائن الذي لا يعرف التعب لأنه لا يعرف الخوف لأنه ببساطة لا يعترف بأن هناك ما يستحق الخوف منه.

وإلى جانبه رمحه — أطول من جذع أي نخلة رآها سى اوزير، أسود اللون إلا من نصله الذي كانت تتراقص عليه شرارات حمراء تشبه بركاناً صغيراً يبحث عن مكان ينفجر منه.

نظر ست إلى سى اوزير.

وابتسم.

وكانت ابتسامة لا تريح — ابتسامة الذئب حين يرى فريسة تستحق الصيد.

قال، وصوته كالرعد حين يمشي:

*"اللعين هرب بسرعة هذه المرة."*

ثم مسح الدم الأسود عن ذراعه بطريقة تشبه من يمسح التراب عن يده بعد يوم عمل عادي.

وأضاف، وفي صوته خيبة أمل حقيقية:

*"كنت أودّ أن أقطع رأسه ثلاث مرات إضافية. ثلاث مرات بالضبط."*

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status