Share

83

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-28 21:14:04

كان الصمت سلاحاً.

ليس ذلك الصمت الرقيق الذي يعقب النوم، ولا الصمت الحزين الذي يملأ بيوت المآتم، بل شيء آخر تماماً — صمت حيّ، ثقيل، يضغط على الصدر كأن الكون بأسره يحبس أنفاسه في آنٍ واحد.

قبل لحظات فقط — أو ربما كانت قروناً، فالزمن في الدوات لا يجري كما يجري فوق الأرض — كانت أرجاء العالم السفلي تنفجر تحت أقدام الآلهة. كانت أنهار النار تشق عظام الكون من الداخل، وكانت الأسلحة الإلهية تصدر صوتاً كأنها تقطع النسيج الذي يفصل الوجود عن العدم. كانت السماوات السبع تئن، والنجوم المخفية خلف جدران الدوات ترتجف في أماكنها كأنها أرادت أن تنطفئ هرباً مما رأت.

وكان أبوفيس — ذلك الثعبان الذي لا يصفه لسان ولا تستوعبه عقول البشر — يملأ الأفق بجسده، ويملأ الهواء بعوائه، ويملأ القلوب بشيء أشد فتكاً من الخوف: بالشعور المطلق بأن الوجود كله لم يكن سوى خطأ كبير على وشك التصحيح.

ثم...

اختفى.

انسحب إلى الأعماق كما ينسحب الموج حين يرتد عن الصخر.

وخلّف وراءه ذلك الصمت المرعب.

---

كان سى اوزير واقفاً عند مقدمة المركب كتمثال منسي في معبد مهجور.

جسده كان يشهد على ما مرّ به — جروح لا تزال تنزف بخطوط حمراء داكنة على جلده، وملابس ممزقة كأن الظلام نفسه حاول أن ينتزعه من فوق المركب، وعينان محمرتان لم تنعما بالنوم منذ أن وطأت قدماه عتبة الدوات الأولى.

لكن الألم لم يكن يشغله.

كيف يشغله الألم وقد رأى ما رأى؟

رأى رع.

لم يقرأ عنه في ألواح الكهنة.

لم يسمع قصصه من شفاه المعلمين.

رآه بعينيه — رآه يحارب، رآه يضرب، رآه يُلقي بنفسه أمام الفناء ليحول دونه ودون العالم.

ورأى ست — الإله الذي كانت أمه تخبره عنه بصوت خافت كأنه خطر ينبغي الابتعاد عنه — يقف وسط الأشلاء السوداء لأبوفيس ويضحك كأنه يلعب لعبة أطفال.

ورأى أبوفيس.

ولن يخبر أحداً بما رآه في عيني أبوفيس.

لأن ليس ثمة كلمات.

---

تحرك شيء ما.

رفع سى اوزير رأسه.

وجد نفسه ينظر إلى رع.

وللوهلة الأولى، لم يستطع التحرك.

كان رع جالساً على عرشه الذهبي في وسط المركب، لكن كلمة "جالس" لا تعطي الصورة حقها. الجبال تجلس. الصخور تجلس. أما رع فكان يوجد، بطريقة تجعل كل ما حوله يبدو مجرد ظلال وانعكاسات لشيء واحد حقيقي.

كانت الهالة الذهبية المنبثقة منه لا تشبه نور الشمس الذي يعرفه الناس — ذلك النور الأصفر الدافئ الذي يسكب نفسه فوق النيل كل صباح. كانت هذه طاقة أولى، نور سابق للنور، كأنه المادة الخام التي صُنعت منها الشمس قبل أن تُشكّل وترتفع في السماء.

وفوق رأسه — قرص الشمس المقدس. لم يكن يشع فحسب. كان يُغنّي. بتردد لا تسمعه الآذان بل تحسه الأرواح.

ثم أدرك سى اوزير شيئاً جعل قدميه تتجذران في أرضية المركب.

الجروح على جسده كانت تنغلق.

ببطء. بصمت. كأن يداً غير مرئية تخيط لحمه بخيوط من ضوء.

دفء بدأ يسري في عروقه من مكان لا يعرف تحديده — ليس من الخارج، بل من الداخل، من مكان أعمق من العظام، من المكان الذي تسكنه الروح.

دفء يشبه... يشبه...

يشبه حين كانت أمه تضع يدها على جبهته وهو طفل مريض.

يشبه نور الفجر حين يكسر ظلام ليل طويل.

يشبه الإحساس بأن كل شيء، رغم كل شيء، سيكون بخير.

ثم تكلم رع.

---

لم يكن صوتاً بالمعنى الذي يفهمه البشر.

كان الصوت شعاعاً — شيئاً يدخل من الأذنين ويصل مباشرة إلى مركز الوعي، يتجاوز اللغة والكلمات ليصل إلى المعنى الخالص.

واهتز المركب.

واهتزت المياه الازليه السوداء للدوات تلك المياه التى خلق رع منها الكون حوله.

وفي مكان ما، بعيداً بعيداً، اهتزت نجمة لم يرها أحد من قبل ولن يراها أحد بعد.

قال رع، وكانت كلماته تملأ الكون من حافة إلى حافة:

*"يا سى اوزير... ابن الأرض المباركة... وحفيد الملوك الذين حملوا تاج مصر تحت عيني."*

انحنى سى اوزير بشكل انعكاسي تلقائي، كأن جسده قرر بمعزل عن عقله أن هذا هو الشيء الوحيد المناسب أن يفعله.

لكن شيئاً لطيفاً — قوة لا تشبه أي قوة عرفها، ناعمة كالحرير ومتينة كجبل — رفعته من جديد.

وقال رع:

*"لا تنحنِ خوفاً. فقد وصلت إلى موضع لا يبلغه البشر إلا مرة واحدة في ألف عصر."*

رفع الفتى رأسه.

وكانت عيناه تحملان كل ما لا يستطيع لسانه التعبير عنه.

سأل، وصوته خافت كصوت رجل يتحدث داخل معبد يعلم أن الآلهة تسمع:

*"أيها العظيم... هل ما رأيته اليوم... يحدث حقاً كل ليلة؟"*

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سيد الرماد والضوء   218

    خطى سى اوزير خطوة واثقة إلى الأمام، مستنداً بيده اليسرى على مقبض سيفه البرونزي العريض، بينما لامست يده اليمنى حجر القلادة النجمية التي بثت في عروقه طاقة جافة وحازمة. نظر إلى حكام الأقاليم بعينين تقدحان بالفطنة والصرامة القيادية، وتحدث بصوت رصين تردد صداه بقوة: "إن ولاءكم هو صمام الأمان لميزان ماعت، غير أن المرحلة القادمة تتطلب تحولاً شاملاً في التدابير الميدانية. لن نكتفي بمراقبة الحدود من بعيد؛ بل سنقيم نقاط ارتكاز دائمة لفرسان الطليعة في كل ممر جبلي وحصن مائي، مع تسيير دوريات استطلاع يومية مشتركة تربط بين الأقاليم الشمالية والجنوبية. كما سيتم تطبيق نظام تفتيش دقيق لكافة القوافل التجارية والبضائع الواردة، لضمان خلوها من أي طلاسم محرمة أو عناصر استخباراتية معادية."تطلعت تفنوت نحو الجمع بنظرة نافذة، وأضافت بصوت قاطع يفيض بالحكمة والتدبير الإداري: "وستتولى فرق الحرس الملكي الإشراف المباشر على مراجعة سجلات الموانئ والمخازن في كافة الأقاليم، بالتنسيق مع حكام المقاطعات. لن يُسمح بوجود أي نشاط خارج عن سلطة الدولة، وسنعمل على توفير الدعم اللوجستي الكامل لكل إقليم يلتزم بالمعايير الأمنية الص

  • سيد الرماد والضوء   217

    انضم الكاهن الأكبر خع ام واست إلى مجلسهما في المقصورة المظللة عند طرف الساحة، يحمل في يده لفائف بردي مطوية ومختومة بالشمع المقدس. كان وجهه يحمل وقار السنين وعمق المعرفة الروحية التي صانت كمت عبر العصور. بسط خع ام واست إحدى اللفائف على الطاولة الحجرية وقال بصوت هادئ ورصين: "لقد أتم كهنة المعبد فحص كافة المقاصير والسراديب السفلية في الكرنك والأقصر، وأكدت الطقوس التطهيرية زوال أي أثر للترددات الأثيرية المظلمة التي حاولت قوى الفوضى غرسها في أرضنا. غير أن النيران التي اشتعلت في قلادة الإله 'ست' أثناء المعركة تشير إلى أن قوى البرزخ قد تراجعت لتتحصن وراء الحدود الغربية البعيدة، ما يستوجب بقاء التميمة النجمية على صدرك يا بني كدرع دائم لحفظ التوازن وحراسة وعيك."نظر سى اوزير إلى والده الكاهن الأكبر وأومأ برأسه تأكيداً لحديثه: "ستظل هذه التميمة حصني الدائم يا أبتاه، كما ستظل تعاليمكما سراجاً ينير طريقي في حماية هذا العرش. لن نترك ثغرة واحدة في جدار كمت، وسنواجه كل مكر بإرادة أمضى من البرونز."ابتسمت تفنوت برضا وثقة، ثم أشارت إلى حراسها بالاستعداد لمرافقة الوفد نحو قاعة العرش الكبرى، حيث كان الف

  • سيد الرماد والضوء   216

    تتابعت الأيام على مدينة طيبة العظمى في أعقاب معركة وادي الملوك، لتشهد العاصمة الفرعونية نهضة عسكرية وتنظيمية غير مسبوقة بقيادة الأمير سى اوزير. لم يكن النصر الساحق على قوى الكسوف مدعاة للاسترخاء أو الركون إلى الدعة، بل تحول إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة المنظومة الدفاعية والأمنية لمملكة كمت بأسرها، استعداداً لأي ارتدادات سياسية قد يفتعلها حلفاء الفوضى على التخوم الحدودية.مع انبثاق أولى خيوط الفجر فوق صفحة مياه النيل الهادئة، كانت ساحات التدريب التابعة لمعبد الكرنك وثكنات الجيش الإمبراطوري تضج بالحركة الدؤوبة وأصوات الجند. اعتاد سى اوزير أن يبدأ نهاره بالإشراف الميداني المباشر على تشكيلات الفرسان، متوشحاً بمئزره الكتاني الملكي المقسّى، بينما تتربع قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن فوق صدره بثبات مهيب. كان حجر العقيق الأحمر الناري يتوسط التميمة كقلب نابض بالحماية، تغطي أطرافه المصقولة الندبة الداكنة تماماً، فتحجب كل أثر للعين المفتوحة التي طالما حاول السحر الأسود استغلالها كنقطة اختراق لوعيه.كانت حرارة القلادة النجمية تسري في جسده كشريان من النار الهادئة، تمنحه صفاءً ذه

  • سيد الرماد والضوء   215

    انفتحت بوابات مدينة طيبة العظمى النحاسية المصفحة على مصراعيها، لتستقبل موكب النصر العائد من وادي الملوك وسط هتافات الجنود وزغاريد النسوة اللاتي احتشدن على جنبات الممر الملكي العريض. كانت شمس الصباح المتوهجة لقرص "رع" قد استعادت كامل عرشها في كبد السماء الصافية بعد انقشاع الكسوف المخيف، مرسلة أشعتها الذهبية الدافئة لتغمر ساحات معبد الكرنك، وتنعكس على دروع الفرسان البرونزية وخوذاتهم المذهبة، لتصنع لوحة بصرية مهيبة تليق بسلالة رمسيس العظيم ومكانة كمت الخالدة.تقدم الأمير سى اوزير الموكب بخطوات جواده الأسود الشامخ الموزونة؛ كان رأسه مرفوعاً بكبرياء ووقار، ووجهه المنحوت يعكس مزيجاً آسراً من النصر العسكري والصلابة الروحية المستعادة بعد صراع مرير مع قوى البرزخ المظلمة. فوق صدره العريض، استقرت قلادة الإله "ست" المصنوعة من الحديد النجمي الداكن، مرصعة بحجر العقيق الأحمر الناري المنقوش برمز العاصفة وحربة حامي كمت، والتي أهداها له الإله ست سابقاً لاستدعائه وحمايته. كانت القلادة تنبض بدفء متصل وهادئ، تغطي الندبة المظلمة تماماً وتكتم أي أثر للعين المفتوحة المحفورة فوق قلبه، مانحة وعيه درعاً أثيرياً

  • سيد الرماد والضوء   214

    انهمرت السهام المشتعلة من قمم المرتفعات الصخرية الشاهقة كوابل متدفق من الشهب الساقطة من كبد السماء، لتشق حلكة الكسوف الدامسة التي ألقت بظلالها الثقيلة والموحشة على قاع وادي الملوك. تصاعدت أعمدة اللهب المتراقصة والشرارات المتطايرة فور اصطدام النبال المغمسة بالزيوت الكهنوتية المقدسة ونار الكرنك الحارقة بصفوف الجحافل المظلمة، لتمزق السكون الكئيب بصيحات الذعر والهلع وعويل الكيانات الأثيرية التي أخذت تحترق وتتلوى في قاع المضيق الصخري الوعر.في قلب ذلك الممر الحجري الضيق، اندفع الأمير سى اوزير في طليعة الفرسان كالسيل الجارف الهادر الذي لا يُرد، شاهرًا سيفه التكتيكي العريض المصنوع من البرونز المقسّى، والذي التقط وهج النيران المنبعثة من الأسهم ليرسل بريقاً قاطعاً وحاداً لا يعرف الشفقة أو المهادنة. كانت قلادة الإله "ست" تتربع فوق صدره كجمرة أزلية متقدة من نار الصحراء والعواصف، تطلق تموجات متلاحقة من الطاقة النارية الحارقة التي سرت في عروقه وشرايينه، فبددت على الفور البرودة الكبريتية القارصة المنبعثة من أطياف العالم السفلي، وصنعت حاجزاً روحانياً منيعاً يحيط بوعيه ويحصن فؤاده من أي تسلل لسموم ال

  • سيد الرماد والضوء   213

    أشرقت شمس اليوم الموعود باهتة وحذرة فوق مدينة طيبة، وكأن قرص "رع" يستشعر بدوره اقتراب الظل الأسود الذي سيبتلع نوره بعد ساعات قلائل عند اكتمال الكسوف. خلت شوارع العاصمة العظمى من المارة، وأُغلقت الأسواق، وتراجعت الحياة اليومية لتحل محلها تدابير الحرب والاستنفار الروحي والعسكري الشامل. كانت أسوار المدينة وبواباتها الضخمة مصفحة ومحاطة بفرق الحرس الثقيل، بينما كانت رايات الصقر المجنح ورموز العاصفة ترفرف في سكون مشحون بالترقب.في الساحة الغربية لمعبد الكرنك، تجمعت كتائب فرسان الطليعة وفرق الرماة في صفوف عسكرية صارمة ومنتظمة كأعمدة الجرانيت. كانت الأسلحة البرونزية، والدروع، والخيول المشدودة تعكس بريقاً نحاسياً حاداً تحت الضوء الخافت، وقد دُهنت حواف السيوف وأسنّة الرماح بالزيوت الكهنوتية المطهرة ورمل الصحراء المبارك الذي أعده الكاهن الأكبر خع ام واست.وقف سى اوزير في مقدمة الجيش يعتلي جواده الأسود الشامخ، متدرعاً بصفائح البرونز والذهب، وسيفه التكتيكي العريض معلق بإحكام على جنبه الأيسر. كانت قلادة الإله "ست" تتوسط صدره كدرع ناري متوهج، ينبض بحرارة قاطعة تدفقت في شرايينه لتزيده ثباتاً وشجاعة،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status