登入
الفصل الأول
تمزق القماش الأبيض تحت أصابعها بعنف أخرس. صوت التمزق كان الشيء الوحيد الذي تجرأ على كسر الصمت الخانق في جناح الفندق الفاخر، صمتٌ ثقيل لزج، يشبه الصمت الذي يسبق إعلان الوفاة في غرف العناية المركزة. لم تكن تحاول خلع الفستان، كانت تحاول سلخه عن جسدها كما يُسلخ الجلد الملوث. وقفتُ أراقبها من زاويتي المظلمة قرب النافذة الضخمة، حيث تعكس واجهتها الزجاجية أضواء المدينة التي لا تنام، وكأس الثلج يذوب ببطء في يدي ليختلط بسائل الكحول المر.
كان يجب أن يكون هذا هو انتصاري المطلق. الليلة التي أقف فيها على قمة العالم، الليلة التي أثبت فيها لنفسي قبل أي شخص آخر، أن كل ما فعلته، كل الخراب الذي خلفته ورائي بدم بارد، كل الأكاذيب التي نسجتها بخيوط من نار، كانت تستحق العناء. لكن ظهرها العاري الذي ظهر من شق الفستان الممزق لم يثر فيّ سوى شعور مقبض بالرعب. كانت ترتجف. هزة خفيفة، متواترة، لا علاقة لها ببرودة جهاز التكييف في الغرفة. كانت ترتجف من الاشمئزاز، من الرفض العميق، من محاولة جسدها لفظ واقع لم تعد قادرة على احتماله.
"سأساعدك." قلتها أخيرًا. خرج صوتي أجش، غريبًا حتى عن أذني، وكأن حنجرتي امتلأت بالرماد. خطوت نحوها، خطوة واحدة فقط، كانت كافية لتغيير كثافة الهواء بيننا.
"لا تلمسني."
كلمتان فقط. لم تصرخ. لم تلتفت. لم تتحرك قيد أنملة. لكن نبرتها كانت كشفرة حادة، باردة، مرت على حنجرتي وقطعت حبالي الصوتية. توقفت في مكاني، يدي ممدودة في الهواء كأبله فقد قدرته على فهم المحيط. رأيت انعكاسنا في المرآة الكبيرة المقابلة للسرير الدائري. رجل يقف في العتمة ويده ممدودة بضياع، وامرأة تولي ظهرها للعالم، تقاتل سحاب فستان زفافها وكأنه أفعى تلتف حول عنقها.
"نحن متزوجان الآن يا سلمى. الورقة وُقعت. الحفل انتهى. لقد انتهى كل شيء." حاولت أن أستدعي نبرة السلطة التي اعتدت عليها. النبرة ذاتها التي أركعت منافسيّ في غرف الاجتماعات، النبرة التي تجعل الرجال الأكبر مني سنًا يخفضون أبصارهم. لكنها هنا، في هذه الغرفة المضاءة بنور خافت أصفر مريض، بدت مثيرة للشفقة. بدت كاستجداء مغلف بالتهديد.
التفتت أخيرًا. كان وجهها شاحبًا كالموتى الذين لم يتقبلوا موتهم بعد. عيناها غائرتان في هالتين داكنتين فضحتا ليالي من الأرق، والكحل يسيل في خطوط دقيقة حول جفنيها وكأنها تبكي حبرًا أسود. لم يكن هناك أثر للعروس التي كانت تبتسم للكاميرات قبل ساعات قليلة. تلك الابتسامة البلاستيكية التي اشتريتها أنا بمالي ونفوذي وماضيّ الأسود.
"الورقة؟" سخرت بمرارة لاذعة، وهي تسحب ما تبقى من الفستان بقوة جعلته يسقط عند قدميها ككفن أبيض مجعد. وقفت أمامي بملابسها الداخلية البيضاء، جسدها النحيل مشدود كوتر قوس يوشك على الانقطاع ويحمل سهمًا مسمومًا. "هل تعتقد أن تلك الورقة المهترئة التي دفعنا ثمنها من أرواحنا تمحو رائحة الدم؟"
تجمد الدم في عروقي. الدم. الكلمة المحرمة. الكلمة التي عقدنا اتفاقًا صامتًا ألا تُنطق أبدًا، الكلمة التي بنيت فوقها جدران هذا الزواج.
"لا يوجد دم." قلتها بصرامة مفتعلة، محاولًا إقناع نفسي قبلها، أضغط على حواف الكأس في يدي حتى كادت تتهشم. "كان حادثًا يا سلمى. الشرطة أغلقت الملف. التحقيقات انتهت. الجميع يعرف ذلك. قضاء وقدر."
اقتربت مني خطوة. لأول مرة منذ أشهر، تنظر مباشرة في عيني. لم تكن تتجنب نظراتي كما تفعل دائمًا. ولم يكن هناك خوف في عينيها. كان هناك شيء أسوأ بكثير، شيء مدمر. كان هناك يقين قاتل، وازدراء نقي.
"أنا لست الشرطة يا طارق." همست، وصوتها يرتجف بغضب مكبوت يتصاعد من بئر عميق في صدرها. "ولست 'الجميع' الذين تلوح لهم بأموالك فيصدقونك. أنا المرأة التي اشتريت صمتها بخاتم ماسي وزفاف أسطوري. أنا من وقفت لترى القبر يُغلق على نصفها الآخر لكي تنجو أنت. لكن لا تظن للحظة... للحظة واحدة، أنني سأكون لك. جسدي هنا، نعم، لأنني بعته بثمن باهظ، لكن روحي بقيت هناك، في تلك السيارة المشتعلة."
"أنتِ لي بالفعل!" اندفعت الكلمات من فمي قبل أن أزنها، غضبي أعمى بصيرتي. ألقيت الكأس على الطاولة الجانبية واندفعت نحوها، قبضت على ذراعيها بقوة. شعرت بعظامها الدقيقة تحت أصابعي، ببرودة جلدها المرعبة. كنت أريد أن أهزها، أن أكسر هذا الجليد الذي يغلفها، أن أرى في عينيها أي شيء يخصني، حتى لو كان الكراهية، فالكراهية اعتراف بوجودي، أما هذا الفراغ المرعب فهو نفْيٌ لي. "أنتِ هنا! في غرفتي! تحملين اسمي في كل وثيقة رسمية! هو انتهى! صار تحت التراب، مجرد ذكرى تتآكل! وأنا هنا، أنا من يقف أمامك، أنا من يتنفس، أنا من يملكك الآن!"
لم تقاوم قبضتي. لم تحاول الإفلات. تركت ذراعيها بين يدي كأشياء لا تخصها، كأطراف دمية بالية. نظرت إلى أصابعي التي تعتصر لحمها، ثم رفعت عينيها إليّ وابتسمت. ابتسامة شاحبة، ملتوية، مكسورة، جعلت معدتي تتقلص وأنفاسي تتعثر. كانت ابتسامة المنتصر في لحظة إعدامه.
"أنت من تحت التراب يا طارق." قالتها بهدوء مرعب، هدوء يمزق الأعصاب. "أنت ميت من الداخل. تجويف فارغ يعيش على ابتلاع حياة الآخرين. ولهذا احتجت أن تسرق حياة غيرك لتبدو حيًا. احتجت أن تطفئ نوره لتستطيع أنت أن تُرى في الظلام. لكن أخبرني..." مالت برأسها قليلًا، وعيناها تخترقان جمجمتي وتبحثان عن مخاوفي الدفينة. "عندما تنظر إليّ الآن، في هذه الغرفة، على هذا السرير، هل تراني أنا؟ أم ترى جثته المتفحمة التي دست عليها لتصل إلي؟"
أفلتُّ ذراعيها وكأنها جمرة مشتعلة كوت جلدي حتى العظم. تراجعت خطوة للوراء، ألهث كمن كان يغرق. اصطدم ظهري بالطاولة الزجاجية، فسقط الكأس الذي وضعته عليها قبل قليل. تحطم على الأرضية الرخامية بصوت حاد، تناثرت شظاياه كشفرات صغيرة، وكأوهامي الساذجة في هذه الليلة.
"أنتِ مريضة." بصقت الكلمات، محاولًا التمسك بآخر خيوط كرامتي الممزقة. "لقد فقدتِ عقلك."
"بل أنا أرى بوضوح لأول مرة منذ ولدت." التفتت وتجاوزتني، تدوس بقدميها الحافيتين الرقيقتين على شظايا الزجاج المتناثرة دون أن ترمش، دون أن تتأوه. رأيت قطرات دم صغيرة حمراء داكنة تتشكل على الأرضية البيضاء الناصعة خلف كل خطوة تخطوها. كانت تنزف بصمت، وتترك لي أثرًا من الألم الخالص. اتجهت نحو الحمام، وقبل أن تغلق الباب الخشبي الثقيل، التفتت إليّ للمرة الأخيرة في هذه الليلة.
"لقد ظننت يا طارق أنك أغلقت كل الأبواب لتبقيني في الداخل." قالتها، وعيناها تلمعان بقسوة لم أعهدها فيها، قسوة تعلمتها مني. "وظننت أن شرائك لي هو نهاية اللعبة. لكنك لم تدرك، في غبائك وغرورك، أنك لم تحبسني... بل حبست نفسك معي في نفس القفص. والآن... في هذه العتمة التي صنعناها معًا... سنرى من منا سيأكل الآخر أولًا."
أُغلق الباب. صوت القفل الحديدي تردد في الغرفة الواسعة كحكم نهائي، كصوت إغلاق التابوت.
وقفت وحدي. عريس في ليلة زفافه، محاط بالزجاج المحطم، وبقع الدم الطازجة على الأرض، وصمت يصرخ بالهزيمة المطلقة. أردت أن أندفع نحو الباب وأكسره، أردت أن أصرخ في وجهها أنني فعلت ذلك من أجلها، لأنني أحببتها بطريقة لم يفهمها ذلك الغبي، لأنني رأيت فيها ما لم يره أحد، ولأنني لم أستطع تحمل فكرة أن تكون لرجل غيري يملك نصف ما أملك. لكنني بقيت متسمرًا في مكاني. الخوف الذي طالما اختبأ في أعمق نقطة مستنقعية في روحي، الخوف من أن أكون مجرد وحش في روايتها، طفا على السطح أخيرًا، وخنقني.
جلست ببطء على حافة السرير الواسع، السرير الذي بدا الآن كساحة معركة خاسرة قبل أن تبدأ، كلوح ثلج عائم في محيط متجمد. دفنت وجهي في يدي المرتجفتين. رائحة عطرها الثقيل لا تزال عالقة في الهواء، تختلط برائحة الكحول المنسكب ورائحة الصدأ الخفيفة المنبعثة من قطرات دمها.
لقد فزت بها. نعم، أجبرت العالم كله على الركوع لغايتي. لكنني في هذه اللحظة الموجعة، أدركت أنني خسرت كل شيء آخر، حتى نفسي. وأن هذه لم تكن النهاية السعيدة التي بنيتها في خيالي المريض، بل كانت مجرد كلمة "البداية" تُكتب بالدم على أول صفحة في جحيمنا المشترك الطويل. جحيم لن يخرج منه أحدنا سالمًا.
الفصل الثالث بعد المائه كان السقوط الحر للطائرة الشبحية يمزق أحشاء السماء القطبية، كنيزك أسود فقد بوصلته وقرر الانتحار في المحيط المتجمد. داخل المقصورة التي غرقت في الظلام وعويل الإنذارات الكارثية، لم تكن الجاذبية هي العدو الأكبر، بل ذلك الرعب الجليدي الذي خلفه وجه المرأة المرآوية على الشاشة؛ الكيان الذي ولد من رحم خطايا "القيصر"."تمسكوا!" زأر "صقر الجارحي"، وعروق رقبته تكاد تنفجر من فرط الجهد. سحب مقود القيادة اليدوي بكل ما أوتي من قوة عضلية متبقية في جسده المنهك.في اللحظة التي كادت فيها مقدمة الطائرة تلامس أمواج المحيط الأسود الغاضب، استجابت المحركات الاحتياطية بانفجار ناري دفع الطائرة للأعلى مجدداً، لترتطم بطبقات الهواء الكثيفة بقوة كادت تحطم ضلوعهم. استقرت الطائرة أخيراً في مسار أفقي مترنح، وعادت أضواء الطوارئ الحمراء لتلقي بظلالها الكابوسية على الوجوه الشاحبة.وقفت "سلمى" ببطء، متجاهلة الدوار الذي يعصف برأسها. لم تنظر إلى صقر، بل اتجهت مباشرة نحو شاشة الاتصال المركزية التي انطفأت بعد أن بثت رسالة الكيان."عمر... هل أنت معي؟" تحدثت سلمى، وصوتها الذي كان يقطر صقيعاً في العا
الفصل الثاني بعد المئة زمجرت محركات الطائرة الشبحية كوحش جريح يرفض الموت، ممزقةً عتمة العاصفة الثلجية العمياء التي ابتلعت سماء القطب الجنوبي. خلفهم، كانت القارة البيضاء تتصدع بانهيارات تكتونية هائلة؛ الجليد الذي صمد لملايين السنين كان ينهار ليطوي أسطورة "المشرّع" في مقبرة من النسيان البارد. كان "صقر الجارحي" يقبض على مقود القيادة بيدين ترتجفان من فرط الإرهاق والصقيع، يوجه الطائرة النفاثة نحو طبقات الجو العليا، هرباً من موجات الجاذبية الارتدادية التي خلّفها موت الكيان الأخير.في المقصورة الخلفية المضاءة بوهج أحمر خافت، أسندت "سلمى" رأسها إلى الجدار المعدني البارد. كانت أنفاسها تخرج في سحب بيضاء صغيرة، وجسدها مغطى بكدمات وجروح تنزف بصمت. سقطت شفرة (الكرمبيت) من يدها لترن على الأرضية، لم تعد تقطر دماً، بل كان يغطيها رماد برونزي لا ينتمي لهذا العالم. لقد انتصرت. حطمت "الملك الأبيض"، وسحقت "كهنة الفراغ"، وأغلقت الشقوق التي كادت تبتلع إرادة البشرية. لكن غريزة "القيصر" في أعماقها كانت تهمس لها بأن الهدوء الذي يعقب العواصف الكونية ليس سوى فخ جديد.انبعث طنين حاد من لوحة الاتصالات المركزية
الفصل الواحد بعد المئهلم يكن هناك مجال للتردد. بمجرد أن أنهى "المشرّع" كلماته التي زلزلت القاعة الجليدية، ضغط "صقر الجارحي" على زناد بندقيته المعدلة. لم ينطلق الرصاص بصوته المعتاد، بل انبعث صراخ ميكانيكي حاد، موجات فوق صوتية عالية التردد (Ultrasonic) شقت الهواء البارد كشفرات غير مرئية. اصطدمت الطلقات بالمجال المكاني المحيط بالكيان الضخم، وبدلاً من أن تتوقف في الهواء كما حدث مع الكاهن الأعمى في بني سويف، تفاعلت الموجات الصوتية مع نسيج الفراغ، محدثة تخلخلات وتصدعات مرئية في الهواء، كأنها شقوق في زجاج يعكس الواقع.ارتجف جسد "المشرّع" البرونزي، وتراجع خطوة ثقيلة للخلف. الثقب الأسود الذي يتوسط قناعه المعدني بدأ ينبض باضطراب، والمجال الجاذبي الذي كان يحميه تمزق لثوانٍ معدودة.كانت هذه الثواني هي كل ما تحتاجه "سلمى".انطلقت كطيف أسود وسط العاصفة الصوتية، متجاهلة الطنين الممزق الذي كاد يفجر طبلتي أذنيها. كان جليد القاعة ينزلق تحت قدميها، لكن حذاءها التكتيكي وفر لها ثباتاً مثالياً. سحبت شفرتها (الكرمبيت) في يدها اليمنى، بينما استلت مسدسها الكاتم للصوت في اليد اليسرى.لكن "المشرّع" لم يكن مجرد
الفصل المائه شقت الطائرة الشبحية السوداء عنان السماء فوق القارة القطبية الجنوبية، كشفرة مسننة تمزق لوحة بيضاء لا نهائية. في الخارج، كانت العواصف الثلجية تعوي بغضب وحشي، ودرجات الحرارة تنحدر إلى مستويات قادرة على تجميد الدم في العروق خلال ثوانٍ. لكن البرودة الحقيقية لم تكن في المناخ القاسي؛ بل كانت تنبعث من تلك الإشارات الغرائبية التي كانت أجهزة الطائرة تلتقطها من أعماق الجليد السحيق.داخل المقصورة المضاءة باللون الأحمر التكتيكي، كان "صقر الجارحي" يعكف على تركيب أسطوانات معدنية غريبة الشكل على فوهة بندقيته الآلية الثقيلة."لقد انتهيت من دمج المولدات يا سلمى،" تردد صوت "عمر" عبر مكبرات الصوت في المقصورة، وكان التعب يثقل نبرته. "أسلحة صقر الآن مجهزة ببواعث موجات فوق صوتية (Ultrasonic Emitters). بمجرد إطلاق النار، ستولد الرصاصات اهتزازات وتخلخلات مكانية مركزة. لن تقتلهم، لكنها ستمزق المجال الجاذبي الذي يحيط بهم لثوانٍ معدودة. إنها نافذتكِ الوحيدة للاقتراب."أومأت "سلمى" برأسها في صمت. كانت ترتدي حلة قتالية حرارية سوداء، مصممة خصيصاً لمقاومة الصقيع القطبي، وتلف حول وجهها قناعاً تكتيكياً ل
الفصل التاسع والتسعونسفت رياح الصحراء الباردة رمال بني سويف فوق أجسادهم المنهكة، وكأن الطبيعة تحاول جاهدة دفن الأسرار التي كُشفت للتو. وقفت "سلمى" ببطء، تنفض التراب عن ملابسها الممزقة، وعيناها مثبتتان على الأنقاض الهائلة التي ابتلعت "كهنة الفراغ" وسردابهم العتيق. لم تكن تشعر بأي نشوة للانتصار؛ فكلمات "عمر" كانت تتردد في ذهنها كأجراس جنائزية ثقيلة تعلن نهاية العالم الذي تعرفه، وبداية كابوس يتجاوز حدود العقل البشري.إلى جوارها، وقف "صقر الجارحي"، يضغط بيده الخشنة على جرح كتفه النازف، وعينه السليمة تتأمل السماء المظلمة الخالية من النجوم."أربعة مواقع أخرى... في أربع قارات مختلفة،" بصق صقر دماً امتزج بتراب الصحراء، وصوته يحمل ثقلاً لم يعهده من قبل. "الرصاص لا يمسهم، والمتفجرات دفنتهم هنا بأعجوبة لن تتكرر. كيف سنقاتل أشباحاً تتلاعب بنسيج الواقع والجاذبية يا سلمى؟ نحن لسنا جيشاً... نحن مجرد شخصين يقفان على حافة الهاوية.""نحن لسنا شخصين يا صقر، نحن الجدار الأخير الذي يقف بين البشرية والفناء المطلق." استدارت سلمى نحو الطائرة الشبحية التي كانت تنتظرهم كظل عملاق رابض في العتمة. "هؤلاء الكهنة
الفصل الثامن والتسعون تحطم الزجاج السميك في نغمة واحدة متزامنة، ليدوي كأجراس جحيمية في القاعة الصخرية المغلقة. تدفق السائل العنبري اللزج ليغرق الأرضية الحجرية بالكامل، وتصاعدت منه أبخرة سامة حوّلت هواء السرداب إلى ضباب خانق. من بين الأبخرة، خطت عشرة أطياف رمادية متطابقة بخطوات لا تلامس الأرض تقريباً. عشرة من "كهنة الفراغ"، عيونهم المجوفة تشتعل بظلام ينبض كقلب ميت، ورؤوسهم تلتفت نحو "سلمى" و"صقر" بانسجام مرعب كأنهم يتحركون بعقل واحد.أدركت سلمى في كسر من الثانية أن الاشتباك المباشر مع عشرة كيانات تتلاعب بالجاذبية والفراغ هو انتحار مطلق. الرصاص لا يمسهم، والشفرات تتطلب اقتراباً مميتاً."قنابل الشظايا يا صقر! ليس لقتلهم، بل لتشتيت مجالهم التخاطري!" زأرت سلمى، وتدحرجت خلف القاعدة البرونزية لإحدى الكبسولات المحطمة لتفادي موجة اهتزازية سحقت الصخرة التي كانت تقف عليها قبل ثانية.نزع صقر صمامات الأمان عن ثلاث قنابل يدوية وألقاها بشكل متتابع نحو مركز الكهنة. لم تخترق القنابل مجالهم، لكن الانفجارات المتتالية والضغط الحراري أحدثا خللاً مؤقتاً في طاقة الفراغ المحيطة بهم. تراجع الكهنة بضع خطوات،