Masukالفصل الثاني
تسلل ضوء الفجر الأول عبر الشقوق الرفيعة للستائر المخملية الثقيلة، كضيف وقح يقتحم مسرح جريمة لم تُطمس معالمها بعد. لم أتحرك من مكاني على حافة السرير منذ أن أُغلق باب الحمام. قميصي الأبيض مجعد، رابطة عنقي ملقاة بإهمال على السجاد الفاخر كأفعى ميتة، وعيناي معلقتان بذلك الباب الخشبي المغلق، أنتظر. صمتها في الداخل كان يجلدني أكثر من صراخها. كنت أفضل أن تكسر المرايا، أن تصرخ، أن تنهال عليّ بالشتائم، لكن هذا الصمت المطبق كان يأكل أطراف عقلي.
طوال ساعات الليل، كنت أستمع إلى صوت قطرات الماء تضرب أرضية الحمام بانتظام ممل، وإلى أنفاسي الثقيلة التي تتردد في الغرفة الواسعة. لم أجرؤ على النوم. كيف ينام من أدخل بيده قنبلة موقوتة إلى غرفة نومه؟
فجأة، تردد صوت المفتاح في القفل. طقة معدنية حادة قطعت حبل أفكاري المسمومة. انتصبت قامتي بتلقائية، وشددت عضلات كتفي محاولاً استعادة قناع الزوج القوي، الرجل الذي لا يُقهر.
انفتح الباب ببطء. وقفت سلمى على العتبة. كانت ترتدي روب الاستحمام الأبيض الخاص بالفندق، فضفاضاً على جسدها النحيل وكأنه خيمة، وشعرها مبلل يلتصق بوجنتيها الشاحبتين. لكن ما جمد الدم في عروقي لم يكن وجهها الخالي من أي تعبير، بل قدميها. لقد مزقت مناشف الحمام وربطت بها قدميها العاريتين لتوقف النزيف، والآن، كانت بقع الدم القانية تتسرب عبر القماش الأبيض السميك، ترسم خرائط من الألم على بياض القطن.
لم تنظر إليّ. تجاوزتني بخطوات بطيئة، ثقيلة، لكنها ثابتة. تجاهلت شظايا الزجاج التي لا تزال تتلألأ على الأرضية الرخامية، واتجهت مباشرة نحو خزانة الملابس الضخمة.
"هل انتهى عرض الاستشهاد؟" خرج صوتي جافاً، أحاول أن أستفزها، أن أستخرج منها أي رد فعل بشري. "هل ستسيرين هكذا في أروقة الفندق لتخبري العالم كم أنتِ ضحية؟"
توقفت يدها وهي تفتح باب الخزانة. التفتت ببطء، ونظرت إليّ بنظرة فارغة، باردة كصقيع الموتى.
"الضحايا انتهوا يا طارق." قالتها بصوت خافت لكنه حاد كشفرة موس. "الضحايا احترقوا في سياراتهم. أما أنا، فأنا اللعنة التي نجت لتعيش معك."
أغمضت عيني للحظة، أبتلع الكلمة التي تضربني بها في كل مرة. "احترقوا". الكلمة التي تحيلني من رجل أعمال ناجح إلى قاتل مأجور في نظرها. فتحت عيني وتقدمت نحوها بخطوات سريعة. لم تتراجع. لم ترمش حتى وأنا أقف أمامها مباشرة، أطول منها بمسافة تجبرني على النظر إليها من أعلى، لكنني شعرت وكأنني أقف أمام جبل جليدي يوشك على سحقي.
"اسمعيني جيداً." قلت من بين أسناني، محاولاً السيطرة على نبرة الغضب التي تهدد بافتضاح ضعفي. "في الأسفل، هناك مائة صحفي ينتظرون خروجنا. هناك عائلتي، شركائي، وأسهم شركتي التي تنتظر صورة الزوجين السعيدين في صباح اليوم التالي للزفاف الأسطوري. هذا العالم الذي تحتقرينه هو الذي يطعمك ويطعم عائلتك. لذا، ستدخلين الآن، تزيلين هذا القماش الملطخ بالدم عن قدميك، وترتدين فستاناً يليق بحرم طارق الحديدي، وسننزل معاً."
مدت يدها داخل الخزانة، وأخرجت فستاناً. لم يكن الفستان الوردي الفاتح الذي اختارته والدتها لصباح الزفاف. كان فستاناً أسود. أسود كالحاً، بلا أي تفاصيل، كفستان حداد. ألقته على السرير، وبدأت في فك حزام الروب.
"لن أرتدي سوى هذا." قالت ببرود قاتل. "وإذا أردتني أن أنزل للأسفل، سأنزل به. دَع الصحافة تسأل لماذا ترتدي عروس طارق الحديدي الحداد في صباحية زفافها. دَعهم يبحثون في الملفات القديمة، في تقارير الشرطة، في الفرامل التي تعطلت فجأة في سيارة عريسها الأول."
فقدت السيطرة. اندفعت نحوها، قبضت على كتفيها بقوة ودفعتها نحو باب الخزانة الخشبي. اصطدم ظهرها بقوة جعلتها تطلق تأوهاً مكتوماً، لكن عينيها ظلتا مفتوحتين، تتحديانني. اقترب وجهي من وجهها حتى اختلطت أنفاسنا. كانت رائحة صابون الفندق الرخيص تفوح من بشرتها، ممزوجة برائحة عرق بارد ناتج عن صدمة عصبية.
"هل تظنين أنني لا أستطيع سحقكِ؟" همست في أذنها، ويدي تعتصر كتفها حتى كدت أشعر بانكسار عظمها الترقوي. "هل تظنين أن ادعاءكِ الجنون سيحميكِ مني؟ أنا من صنع هذا العالم، وأنا من يقرر قواعده. لا يوجد ملفات، لا يوجد تقارير، لا يوجد شيء سوى ما أريده أنا أن يوجد!"
ابتسمت. تلك الابتسامة المكسورة ذاتها التي رأيتها الليلة الماضية. الابتسامة التي تشعرني بأنني أنا من يُدفع نحو الهاوية وليس هي.
"إذن اسحقني." همست وهي تنظر في عيني مباشرة، لا يفصل بين شفتينا سوى ملليمترات. "اقتلني يا طارق. هذا هو مجالك الذي تبرع فيه. لماذا تتردد؟ أم أنك لا تستطيع القتل إلا في الظلام؟ أم أنك أجبن من أن ترى الحياة تغادر عيني ضحيتك وأنت تنظر إليها؟ هيا، مد يدك إلى عنقي واخنقه. سيكون هذا أشرف شيء فعلته في حياتك البائسة."
كلماتها كانت كأحماض حارقة تسكب على كبريائي. تراجعت للخلف وكأن تياراً كهربائياً ضرب جسدي. كنت ألهث. كانت تقرأني، تفككني، تعريني من كل أقنعتي أمام نفسي. لم تكن خائفة مني، وهذا ما كان يرعبني. الإنسان الذي لا يخاف الموت هو كائن لا يمكن السيطرة عليه.
نظرت إليها وهي تعدل ياقة الروب بهدوء مستفز، وتلتقط الفستان الأسود مرة أخرى. أدركت في تلك اللحظة أنني ألعب اللعبة الخاطئة معها. القوة الجسدية لا تجدي نفعاً، التهديد بالموت هو ما تتمناه. يجب أن أضرب حيث لا تزال تشعر بالألم. حيث لا يزال هناك نبض.
"أخوكِ... عمر."
قلت الاسم بصوت خفيض، هادئ تماماً. توقفت حركتها. تجمدت يدها الممسكة بالفستان في الهواء. لأول مرة منذ الأمس، أرى صدعاً في جدارها الجليدي. شعرت بنشوة مريضة تسري في عروقي. لقد وجدت المفتاح.
استدرت وسرت ببطء نحو البار الصغير، صببت لنفسي كأساً من الماء، شربته دفعة واحدة لأبلل حلقي الجاف، ثم التفت إليها.
"توقيع واحد." قلت وأنا أتكئ على الطاولة الخشبية، أراقبها بعيني صقر وجد فريسته أخيراً. "توقيع واحد على أوراق الاعتمادات المالية التي مررتها له الأسبوع الماضي دون أن يقرأها، كما يفعل دائماً بثقة عمياء في زوج شقيقته المستقبلي. هذه الأوراق كافية لإثبات تهمة اختلاس عشرين مليوناً من أموال الشركة. عشرين عاماً في السجن يا سلمى. بين المجرمين والقتلة، حيث لا يملك الشاب المدلل الناعم فرصة للنجاة لأسبوع واحد."
شحب وجهها أكثر مما كان، إن كان ذلك ممكناً. سقط الفستان الأسود من يدها ليستقر على السجاد. اتسعت عيناها برعب حقيقي هذه المرة. رعب لم تستطع إخفاءه.
"أنت تكذب." قالتها بصوت مهتز، يفتقر إلى الثقة التي كانت تتسلح بها قبل ثوانٍ. "عمر لم يوقع على شيء."
"اسأليه إذن." أخرجت هاتفي من جيبي وألقيته على السرير بجوارها. "اتصلي به. اسأليه عن ملحق العقد رقم 4 الذي وقعه يوم الخميس الماضي. يمكنكِ إنقاذه، أو يمكنكِ ارتداء هذا الفستان الأسود والنزول لتدمير صورتي. الخيار لكِ. إما أن تكوني زوجة طارق الحديدي المطيعة والمبتسمة، أو تكوني سبب دمار ما تبقى من عائلتك. لقد خسرتِ رجلاً واحداً بالفعل بسببي كما تدعين... هل أنتِ مستعدة لخسارة شقيقك الوحيد أيضاً؟"
صمتٌ ثقيل، خانق، ابتلع الغرفة. كانت تنظر إلى الهاتف الملقى على السرير وكأنه عقرب سام. صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وأنفاسها تخرج متقطعة. رأيت الانكسار يحدث أمام عيني. رأيت الروح المتمردة تُسحق تحت وطأة الابتزاز القذر الذي مارسته ببراعة. كنت أكره نفسي في تلك اللحظة، لكنني كنت أستمتع بانتصاري أكثر.
ببطء شديد، مدت يدها ولمست الفستان الأسود. أزاحته عن السرير، وفتحت الخزانة مرة أخرى. سحبت الفستان الوردي الحريري. أدارت ظهرها لي، وبصوت مجرد من أي حياة، صوت آلة محطمة، قالت:
"اخرج. أحتاج إلى تبديل ملابسي."
"عشر دقائق." قلت وأنا أتوجه نحو الباب. "عشر دقائق وتكونين جاهزة. ومسيري ذلك الدم عن قدميك، لا أريد لعدسات المصورين أن تلتقط ما يفسد المشهد."
فتحت باب الجناح لأخرج إلى الصالة الخارجية، وقبل أن أغلقه خلفي، وصلني صوتها الخافت، البارد كقبر مفتوح:
"قد تكون كسبت هذه الجولة يا طارق... لكن تذكر، لا يوجد وحش يبقى جائعاً للأبد دون أن يلتهم مروضه."
أغلقت الباب بقوة خلفي، ووقفت في الممر الفارغ، أتنفس بصعوبة، وأدرك تماماً أنني للتو، وبكامل إرادتي، وسعت دائرة الحرب التي ستدمرنا معاً.
الفصل الواحد بعد المئهلم يكن هناك مجال للتردد. بمجرد أن أنهى "المشرّع" كلماته التي زلزلت القاعة الجليدية، ضغط "صقر الجارحي" على زناد بندقيته المعدلة. لم ينطلق الرصاص بصوته المعتاد، بل انبعث صراخ ميكانيكي حاد، موجات فوق صوتية عالية التردد (Ultrasonic) شقت الهواء البارد كشفرات غير مرئية. اصطدمت الطلقات بالمجال المكاني المحيط بالكيان الضخم، وبدلاً من أن تتوقف في الهواء كما حدث مع الكاهن الأعمى في بني سويف، تفاعلت الموجات الصوتية مع نسيج الفراغ، محدثة تخلخلات وتصدعات مرئية في الهواء، كأنها شقوق في زجاج يعكس الواقع.ارتجف جسد "المشرّع" البرونزي، وتراجع خطوة ثقيلة للخلف. الثقب الأسود الذي يتوسط قناعه المعدني بدأ ينبض باضطراب، والمجال الجاذبي الذي كان يحميه تمزق لثوانٍ معدودة.كانت هذه الثواني هي كل ما تحتاجه "سلمى".انطلقت كطيف أسود وسط العاصفة الصوتية، متجاهلة الطنين الممزق الذي كاد يفجر طبلتي أذنيها. كان جليد القاعة ينزلق تحت قدميها، لكن حذاءها التكتيكي وفر لها ثباتاً مثالياً. سحبت شفرتها (الكرمبيت) في يدها اليمنى، بينما استلت مسدسها الكاتم للصوت في اليد اليسرى.لكن "المشرّع" لم يكن مجرد
الفصل المائه شقت الطائرة الشبحية السوداء عنان السماء فوق القارة القطبية الجنوبية، كشفرة مسننة تمزق لوحة بيضاء لا نهائية. في الخارج، كانت العواصف الثلجية تعوي بغضب وحشي، ودرجات الحرارة تنحدر إلى مستويات قادرة على تجميد الدم في العروق خلال ثوانٍ. لكن البرودة الحقيقية لم تكن في المناخ القاسي؛ بل كانت تنبعث من تلك الإشارات الغرائبية التي كانت أجهزة الطائرة تلتقطها من أعماق الجليد السحيق.داخل المقصورة المضاءة باللون الأحمر التكتيكي، كان "صقر الجارحي" يعكف على تركيب أسطوانات معدنية غريبة الشكل على فوهة بندقيته الآلية الثقيلة."لقد انتهيت من دمج المولدات يا سلمى،" تردد صوت "عمر" عبر مكبرات الصوت في المقصورة، وكان التعب يثقل نبرته. "أسلحة صقر الآن مجهزة ببواعث موجات فوق صوتية (Ultrasonic Emitters). بمجرد إطلاق النار، ستولد الرصاصات اهتزازات وتخلخلات مكانية مركزة. لن تقتلهم، لكنها ستمزق المجال الجاذبي الذي يحيط بهم لثوانٍ معدودة. إنها نافذتكِ الوحيدة للاقتراب."أومأت "سلمى" برأسها في صمت. كانت ترتدي حلة قتالية حرارية سوداء، مصممة خصيصاً لمقاومة الصقيع القطبي، وتلف حول وجهها قناعاً تكتيكياً ل
الفصل التاسع والتسعونسفت رياح الصحراء الباردة رمال بني سويف فوق أجسادهم المنهكة، وكأن الطبيعة تحاول جاهدة دفن الأسرار التي كُشفت للتو. وقفت "سلمى" ببطء، تنفض التراب عن ملابسها الممزقة، وعيناها مثبتتان على الأنقاض الهائلة التي ابتلعت "كهنة الفراغ" وسردابهم العتيق. لم تكن تشعر بأي نشوة للانتصار؛ فكلمات "عمر" كانت تتردد في ذهنها كأجراس جنائزية ثقيلة تعلن نهاية العالم الذي تعرفه، وبداية كابوس يتجاوز حدود العقل البشري.إلى جوارها، وقف "صقر الجارحي"، يضغط بيده الخشنة على جرح كتفه النازف، وعينه السليمة تتأمل السماء المظلمة الخالية من النجوم."أربعة مواقع أخرى... في أربع قارات مختلفة،" بصق صقر دماً امتزج بتراب الصحراء، وصوته يحمل ثقلاً لم يعهده من قبل. "الرصاص لا يمسهم، والمتفجرات دفنتهم هنا بأعجوبة لن تتكرر. كيف سنقاتل أشباحاً تتلاعب بنسيج الواقع والجاذبية يا سلمى؟ نحن لسنا جيشاً... نحن مجرد شخصين يقفان على حافة الهاوية.""نحن لسنا شخصين يا صقر، نحن الجدار الأخير الذي يقف بين البشرية والفناء المطلق." استدارت سلمى نحو الطائرة الشبحية التي كانت تنتظرهم كظل عملاق رابض في العتمة. "هؤلاء الكهنة
الفصل الثامن والتسعون تحطم الزجاج السميك في نغمة واحدة متزامنة، ليدوي كأجراس جحيمية في القاعة الصخرية المغلقة. تدفق السائل العنبري اللزج ليغرق الأرضية الحجرية بالكامل، وتصاعدت منه أبخرة سامة حوّلت هواء السرداب إلى ضباب خانق. من بين الأبخرة، خطت عشرة أطياف رمادية متطابقة بخطوات لا تلامس الأرض تقريباً. عشرة من "كهنة الفراغ"، عيونهم المجوفة تشتعل بظلام ينبض كقلب ميت، ورؤوسهم تلتفت نحو "سلمى" و"صقر" بانسجام مرعب كأنهم يتحركون بعقل واحد.أدركت سلمى في كسر من الثانية أن الاشتباك المباشر مع عشرة كيانات تتلاعب بالجاذبية والفراغ هو انتحار مطلق. الرصاص لا يمسهم، والشفرات تتطلب اقتراباً مميتاً."قنابل الشظايا يا صقر! ليس لقتلهم، بل لتشتيت مجالهم التخاطري!" زأرت سلمى، وتدحرجت خلف القاعدة البرونزية لإحدى الكبسولات المحطمة لتفادي موجة اهتزازية سحقت الصخرة التي كانت تقف عليها قبل ثانية.نزع صقر صمامات الأمان عن ثلاث قنابل يدوية وألقاها بشكل متتابع نحو مركز الكهنة. لم تخترق القنابل مجالهم، لكن الانفجارات المتتالية والضغط الحراري أحدثا خللاً مؤقتاً في طاقة الفراغ المحيطة بهم. تراجع الكهنة بضع خطوات،
الفصل السابع والتسعون دوى أزيز الرصاص في القاعة الصخرية المغلقة كزئير وحش جريح. لم ينتظر "صقر الجارحي" أن يكمل الكاهن الأعمى وعيده التخاطري، بل ضغط على الزناد مفرغاً سيلًا من الطلقات الخارقة للدروع نحو الطيف الرمادي. لكن ما حدث تالياً تحدى كل قوانين الفيزياء التي عرفها المارشال العام طوال سنوات قتاله في العالم السفلي.لم تخترق الرصاصات جسد الكاهن، ولم ترتد عنه. قبل أن تلامس العباءة الرمادية بمليمترات قليلة، تباطأت الطلقات وكأنها تغوص في هلام غير مرئي، ثم توقفت تماماً في الهواء، لتسقط على الأرضية الحجرية محدثة رنيناً معدنياً محبطاً."الأسلحة التي تعتمد على النار والبارود لا تجدي نفعاً في حضرة الفراغ،" تردد الصوت المشوه داخل جمجمتي سلمى وصقر، مصحوباً بموجة ضغط هائلة أسقطت صقر على ركبتيه وهو يمسك برأسه من الألم.تقدم الكاهن بخطوات ثابتة، ورفع عصاه الخشبية الملتوية. انبعثت من شفرتها المعدنية موجة اهتزازية غير مرئية ضربت سلمى بقوة سيارة مسرعة، لتطيح بها عبر القاعة وتصطدم بقاعدة إحدى الأسطوانات البرونزية العملاقة. سقط مسدسها الفضي من يدها، وشعرت بطعم الدماء الساخنة يملأ فمها، بينما الرؤية
الفصل السادس والتسعون هبطت الطائرة الشبحية السوداء بصمت مطبق على أطراف الصحراء المتاخمة لمدينة بني سويف، حيث تعانق رمال الصحراء برودة الليل القارس، وتغفو الأسرار تحت طبقات من النسيان. لم تكن هذه المدينة مجرد نقطة جغرافية عابرة على خريطة "القيصر"؛ بل كانت بوابة لعالم سفلي أقدم من التاريخ ذاته، عالم لم تسجله كتب الفراعنة، ولم تدركه خوارزميات "عمر" إلا كنبضة شاذة في نسيج الشابكة المظلمة.ترجلت "سلمى" من الطائرة، وعباءتها السوداء ترفرف كأجنحة غراب ليلي في مهب الريح. كانت ملامحها منحوتة من جليد لا يعكس سوى تصميم مميت، تتحرك في الظلام ببراعة طبيب استشاري يدرك تماماً أين يضع مشرطه، وكيف يستأصل الداء من جذوره دون أن يرف له جفن. خلفها، نزل "صقر الجارحي" بخطوات ثقيلة، جراحه التي ضمدتها سلمى في جنيف لا تزال تؤلمه، لكن ولاءه المطلق كان مسكناً يفوق أي عقار كيميائي؛ كان حباً معمدًا بالدم والرماد، ولاءً يدفعه لاختراق أبواب الجحيم خلف ملكته."الإحداثيات تشير إلى مقبرة صخرية غير مكتشفة أسفل هضبة قريبة،" انبعث صوت عمر عبر أجهزة الاتصال المشفرة، محمولاً بنبرة توتر واضحة. "الترددات هنا غريبة يا سلمى.