LOGINلم تكن رغد تبحث عن الظلام... لكنه هو من وجدها. لقاء واحد مع رجل غامض كان كفيلًا بأن يقلب حياتها رأسًا على عقب، لتجد نفسها داخل عالم تحكمه الأسرار، والخيانة، والدماء، حيث لا ينجو أحد دون أن يدفع ثمنًا. ومع كل حقيقة تكتشفها، يتلاشى جزء من الفتاة التي كانتها، ويكبر سؤال واحد في قلبها: هل ستنجح في التمسك ببراءتها... أم أن الظلام سيبتلعها حتى تصبح جزءًا منه؟
View Moreاختفى كل شيء بالنسبة لها في ظلامٍ هادئ، لا صوت فيه ولا إحساس بالوقت. ثم بدأت تستعيد وعيها ببطء، كأن الضوء يتسلل تدريجيًا إلى رأسها بعد نومٍ ثقيل لم تختره. فتحت عينيها على غرفة لا تعرفها كانت واسعة، هادئة، يغمرها ضوء النهار. الأثاث أنيق وفخم، والجدران البيضاء الناعمة تعكس أشعة الشمس القادمة من النافذة الكبيرة، حتى بدا المكان مريحًا أكثر مما ينبغي، على نحوٍ أثار ارتباكها بدل أن يطمئنها. ظلت مستلقية لثوانٍ، تحدق في السقف دون فهم، ثم اعتدلت ببطء وهي تلمس الغطاء فوقها، كأنها تتأكد أن ما تراه حقيقي. ملامحها ازدادت توترًا وهي تنظر حولها. لا أثر للغرفة الخرسانية، ولا للقيود، ولا لذلك الضوء البارد الذي علِق في ذاكرتها. نهضت من السرير بخطوات مترددة، واتجهت نحو الباب الزجاجي المؤدي إلى الشرفة. .ما إن فتحته حتى اندفع الهواء إلى وجهها، نقيًا ومحمّلًا برائحة البحر. وقفت لحظة تتأمل المشهد أمامها. مياه زرقاء واسعة تمتد بلا نهاية، تلمع تحت الشمس، وفي البعيد ظهرت جزيرة صغيرة منعزلة وسط الامتداد الهادئ. سحبت نفسًا عميقًا، لكنها لم تشعر بأي راحة. أغلقت الباب وعادت إلى الداخل، ثم اتجهت نحو باب ا
بعد خروج معاذ، ظلّ الصمت في الغرفة قائمًا لثوانٍ قليلة، قبل أن ينفتح الباب بهدوء محسوب. دخل رجل آخر، شرقيّ الملامح، يختلف حضوره عن معاذ تمامًا. شعره الأسود القصير كان مجعدًا قليلًا، وعيناه الخضراوان الداكنتان المخفية وراء نظراته الطبية تحملان هدوءًا حذرًا، بينما منحته بشرته الحنطية مظهرًا أكثر دفئًا من برودة المكان. كان لا يزال يرتدي معطفه الطبي الأبيض، مفتوحًا فوق ملابس داكنة، كأن حضوره جاء مباشرة من مكان آخر داخل المبنى. تقدم حتى توقف أمام المكتب. في الجهة المقابلة، كانت نتاشا ما تزال جالسة، منحنية قليلًا فوق الملف، تقلب إحدى الصفحات ببطء، كأن دخولَه لم يقطع شيئًا من تركيزها. انتظر لحظة قصيرة قبل أن يتكلم: — تلك أول مرة أراه يتجاهل أمرًا بهذا الشكل. رفعت عينيها نحوه ببطء. نظرتها جاءت مستقرة، باردة، لكن في عمقها لمع شيء قريب من الرضا الخافت. — وكنتُ أنتظر متى سيحدث ذلك. اقترب يحيى خطوة بسيطة: — تقصدي إنه بدأ التردد؟ مرّت ابتسامة صغيرة على طرف فمها، بالكاد ظهرت. — أقصد إن وجودها صنع فرق… وهذا يكفي حاليًا. ظلّ صامتًا لحظة، كأنه يعيد ترتيب المعنى داخل رأسه. ثم قال بحذر:
في غرفة الاجتماعات الواسعة داخل المقر السري في الطابق ذاته، كان الصمت أثقل من أن يُحتمل. الجدران المكسوة بخشب داكن امتصّت الضوء الخافت، حتى بدا الهواء نفسه محصورًا بين الظلال. في منتصف القاعة امتدت طاولة طويلة من الزجاج الأسود، ينعكس فوق سطحها ملف مفتوح، تتناثر داخله صور رغد، صفحات مطبوعة، وملاحظات دقيقة كُتبت بعناية باردة. في أقصى الطاولة جلست امرأة شقراء، في منتصف الثلاثينات، بهدوء لا يحمل أي ارتخاء. أناقتها كانت حادة كأنها جزء من سلطتها؛ بدلة رمادية داكنة، شعر مصفف بعناية صارمة، وبشرة شديدة البياض تكاد تلتقط الضوء وحدها. أمامها وقف معاذ. ظهره مستقيم، كتفاه مشدودتان، ووجهه مغلق بإحكام، لكن الصمت الذي اختاره كان يكشف ما يحاول إخفاءه أكثر من أي تعبير مباشر. مرّت أصابعها ببطء فوق إحدى الصور الموضوعة أمامها، تتبع حوافها كما لو كانت تزن خطأً لا صورة. ثم رفعت نظرها إليه أخيرًا. حين تكلمت، خرج صوتها منخفضًا، ناعمًا على نحو جعل التهديد أشد حضورًا: — اتذكر اني اخبرتك ان تحل المشكلة من جذورها. ظلّ معاذ صامتًا لثوانٍ قصيرة، عيناه ثابتتان على الملف كأنه يتجنب الاصطدام المباشر بعينيها
لم تعرف كم مرّ من الوقت. في البداية، لم يكن هناك سوى صوت بعيد، متقطع، كأنه يصلها من خلف جدارٍ سميك؛ ارتطام معدني غير واضح، وخفق ثقيل داخل رأسها، ثم صمت يعود فيبتلع كل شيء. قبل أن تستعيد وعيها كاملًا، شعرت أولًا بالبرد. برد قاسٍ يتسلل إلى جلدها ببطء، يبدأ من معصميها ويصعد إلى ذراعيها. حاولت أن تتحرك. فشدّ الحديد معصميها بقوة مفاجئة، وارتد الألم على طول ذراعيها. فتحت عينيها ببطء، لكن الضوء المعلّق فوقها ضرب بصرها مباشرة، فاضطرت أن تغلقهما ثانية قبل أن تفتحهما بحذر أكبر. كانت الغرفة شبه غارقة في العتمة، لا يكسرها إلا ذلك المصباح الوحيد المتدلّي من السقف الخرساني، يسكب ضوءًا باهتًا فوق مساحة محدودة، تاركًا الزوايا غارقة في الظل. استغرقت ثواني طويلة حتى استقرت الصورة. جدار خرساني عارٍ. أرضية باردة خشنة. رائحة رطوبة معدنية ثقيلة في الهواء. وصمت خانق، كأن المكان نفسه معزول عن العالم. قفز الذعر إلى صدرها بعنف حتى شعرت أن قلبها اصطدم بضلعها من الداخل. اتسعت أنفاسها، قصيرة ومضطربة، فيما بدأت ذاكرتها تتجمع على هيئة صور متقطعة خرج صوتها أخيرًا، ضعيفًا، متكسرًا، كأنه خرج رغمًا عنها: