Compartilhar

الفصل 2

Autor: سحر الندى
اسودَّ وجه أبي، وتملكه الغضب.

وقال بصوتٍ حادٍ:

"ماذا تعني يا سليم؟ إن عائلتينا متحالفتان منذ زمن،

فكيف يمكنك أن تقول إن ابنتي لا تليق بك؟!

هل تريد أن تهدم كل ما بينناه بيدك؟"

ولمعت عينا سليم بسخرية، ونظر باستخفاف:

"اعذرني أيها العرّاب، لكنني لن أتزوج سوى ليلى، ولن أتزوج نانسي مهما فعلت،

فالموت أهون لي من الزواج بها".

التفتت أختي إليَّ، وأخذت تتصنع نظرات البراءة والأسف، لكنها لم تستطع إخفاء شبح

ابتسامتها الذي تسلل على وجهها خفية.

ثم قالت بدلال وهي تربّت بخفة على كتف سليم:

"سليم، إن أختي نانسي بقيت مريضة ولم تشف حتى الآن، منذ ذلك اليوم الذي خاطرت بنفسها فيه لتنقذك،

فأشفق عليها وإن لم تكن تحبها".

كدت أنسى ذلك، لولا كلماتها تلك.

لقد كنت وسليم رفيقين منذ الطفولة، نشأنا معًا في العمر نفسه.

أتذكّر حين كنّا في العاشرة؛ حين تخلّص خفيةً من الحراس،

وجرّني معه إلى مغامرة صبيانية انتهت بأن وقعنا في قبضة إحدى العائلات المعادية لنا.

أحدثت ضجة حينها لكي يلتفت إليّ الرجال، حتى أمنحه فرصة للهرب وطلب النجدة،

ونجح في الهرب حقًا، بينما وقعتُ في الأسر.

ألقوني في البحر كالجثة الهامدة، ونجوتُ بأعجوبة، لكن الماء البارد نخر جسدي ومنذ ذلك اليوم،

تركت المياه بي علة لم تفارقني.

لانت ملامح سليم فجأة، وأخذ يتأمل أختي بعينين امتلأتا بالعاطفة.

ثم قال: "وكيف أنسى ذلك اليوم؟

ليلى، لولا أنكِ انتبهتِ إلى اختفائنا وأخبرتِ والدي في الوقت المناسب، لكنتُ الآن في عداد الموتى.

أنتِ منقذتي الحقيقية".

ثم التفت إليَّ بنظرة شرسة، وقال باحتقارٍ: "لولا أنكِ ظللتِ تتذرعين بما تدّعي أنه "فضل إنقاذي"

وتفرضين نفسكِ في حياتي، لكنت تزوجت ليلى منذ زمن".

وحينها لم تعد أختي قادرة على إخفاء نشوة الانتصار التي غمرت وجهها،

فدفنت رأسها في صدره تتظاهر بالخجل.

أما أنا، فقد كتمتُ الغضب الذي كان يتأجج في صدري كالنار، وقلت:

"ما دامت أختي العزيزة مغرمة بسليم إلى هذا الحد، ولا تزال متعلّقة بفارس كذلك،

فلماذا لا تتزوّج الرجلين معًا؟"

احمرّ وجهها في الحال، وكأنني قد أصبتُ موضع الجُرح.

ثم قالت مرتبكة:

"كيف تستطيعين التفوّه بهذا الكلام؟!

ولو فرضنا أن الرجلين كليهما أراداني، فمن ذا الذي قد يلتفت إليكِ حينها؟"

فقلت وأنا أنهض ببطء:

"وماذا إن كنت لا أريد أيًّا منهما؟"

حدّق بي الرجلان في تلك اللحظة.

نظر لي سليم وكأنني أرى السخرية مكتوبة على جبينه.

أما فارس فنظر إليّ بعينين حادتين، كالسهم الذي يكاد يشق صدري ليعرف

ما أخفيه بقلبي بعد عودتي من الموت، لكنني تجنّبتُ النظر إليه.

فأنا لا أريد أن يبقى أيُّ رابطٍ بعد اليوم بيني وبين ذلك الرجل الذي شهد موتي بعينيه دون أن يحرك ساكنًا.

هوى كأس الشراب من يد أبي ليتحطم على الأرض بصوتٍ يتردد صداه.

ثم صاح غاضبًا:

"كفى! أنتِ ابنة هذه العائلة، وواجبكِ أن تُسخري زواجكِ لتقوية نفوذنا.

أتظنين أن الأمر بيدكِ لترفضي أو لا؟"

رفعتُ بصري إليه دون أن تهتزّ شعرةٌ فيَّ، وقلت بثبات:

"أعلم أن تجارتنا في مدينة الفردوس تتكبّد الخسائر منذ ثلاثة أشهر.

وأنا مستعدة للذهاب إلى هناك لأفتح أسواقًا جديدةً لكي تخرج العائلة من أزمتها".

لقد انتزع أبي الإرث الذي تركته لي أمي في حياتي السابقة بحجة إنقاذه للعائلة،

لكن انتهى به الأمر في يد ليلى، وعاشت تتنعم به في الخارج.

أما أنا، فكنتُ أتضور جوعًا في قبوٍ رطب، أعمل ليلًا ونهارًا لأجمع تكاليف علاج فارس.

وأذكر أنني، في أقسى أيامي، انحنيتُ أمام ليلى طويلًا،

أتوسل إليها لكي تقرضني مبلغًا زهيدًا لا يتجاوز خمسين ألفًا، لكنها لم تقبل، وأمرت حراسها أن يضربوني ويلقوا بي خارجًا.

وكان الطبيب قد أخبرني يومها أن عملية فارس لا ينقصها سوى ذلك المبلغ، وإلا فسيبقى عاجزًا مدى الحياة.

لم أجد أمامي سبيلًا سوى أن أبيع دمي لأجمع ذلك المال.

وفي النهاية، لم يشعر فارس تجاهي ولو بذرة رحمة أو عطف.

لكنني تعلمت الدرس جيدًا الآن، إن القلب الذي لا يميل لك، لن تملكه وإن بلغت تضحياتك عنان السماء.

منحتني الحياة فرصة أخرى، فلن أسلك الطريق ذاته مهما كان الثمن.

أخذ سليم يدعم فكرتي إلى أن وافق أبي أخيرًا.

فحذفتُ كل وسيلة تواصل تربطني بفارس، واستقللت الطائرة المتجهة إلى مدينة الفردوس.

تجاهلتني العائلة تمامًا هناك، فلم يروني إلا ظل ليلى، لكنني لم أُبالِ.

فأنا لا أؤمن إلا بما تصنعه النتائج.

كنت أدور في حياتي السابقة حول فارس حتى نسيت أنني أمتلك موهبة حقيقية على طاولة المفاوضات.

لكنني بعد وصولي إلى الفردوس بوقتٍ قصير، نجحتُ في توقيع عقدٍ ضخم لنقل الأسلحة،

ظلّ معلّقًا سنوات طويلة دون حل،

وحينها نظر إليّ كبار العائلة لأول مرة بتقدير واحترام.

صار لاسمي وزن لم يكن له من قبل.

سأجعلهم يدركون جيدًا من الآن فصاعدًا أنني لم أعد ظلًا لليلى.

حتى أبي، الذي كاد ينسانِي، اتصل بي أخيرًا.

لكنه انهال عليّ بالتوبيخ والشتم ما إن فتحت الخط، ثم قال:

"نانسي، أتظنين أنكِ كبرتِ الآن فأصبحتِ تتجاهلين عائلتكِ؟!

اقتربت ذكرى وفاة أمكِ، فلماذا لم تعودي بعد؟"

كانت أمي أكثر من يشتدّ قلبي إليه في هذه الدنيا.

وكنت قد حجزتُ تذكرة العودة منذ زمن لأزور قبرها.

وصلت يوم ذكرى وفاتها، لكنني وجدت ليلى بانتظاري.

ابتسمت لي ابتسامة دافئة، غير أنّ الحسد الذي كان يملأ قلبها قد فضحته عيناها.

قالت بنبرةٍ ناعمة:

"يبدو أنكِ تبذلين جهدًا كبيرًا في الفردوس، لكن المرأة المحترمة

لا ينبغي لها أن تختلط بتجّار المخدرات والقتلة المأجورين.

ثم تابعت بخبث:

"يقول الناس أنكِ تبيعين نفسكِ لأجل المال، لقد لطّختِ سمعة أبي، وألحقتِ العار بالعائلة".

ثم وقعت عيناها على فارس، الذي يقف إلى جواري، فتظاهرت فجأةً وكأنها فهمت الأمر.

ثم قالت: "لقد فهمت الأمر! فعلتِ كل هذا فقط لاستمالة الرجال وإثارة انتباههم.

ولهذا طلب مني أبي أن أبلغكِ بأنه اختار لكِ خطيبًا مناسبًا،

إنه ابن عائلة زاهر، ذلك الرجل الغارق في غيبوبة".

ثم تابعت: "وابتداءً من الغد، لن تعودي إلى الفردوس.

سأستلم أنا العمل هناك. فلا تواصلي استخدام تلك الأساليب الدنيئة التي تسيء إلى سمعة العائلة".

ظللتُ أحدّق فيها بوجهٍ خالٍ من التعبير، والعجيب أن قلبي كان هادئًا على نحوٍ لم أعرفه من قبل.

ثم قلت:

"أنا التي أتممت تلك العقود بجهدي، بينما أنتِ لا تفهمين بنودها حتى، فكيف ستنتزعينها مني؟"

واقتربت منها خطوةً أخرى، وقلت ببرود:

"ألهذه الدرجة لا يمكنكِ تحمل فقدان "الظل" الذي كنتِ تستندين إليه؟

لا تحاولي سلب ما يخصني مرةً أخرى، فأنا لا أدين لكِ بشيء".

يبدو أنها لم تتوقع أن أرفضها بتلك القسوة، إذ ارتجف جسدها، ورأيت الذهول في عينيها.

لكنها سرعان ما عادت تتظاهر كعادتها، وبدأت تبكي بانكسار:

"أنا أفكر في مصلحتكِ، فكيف تظلمينني هكذا؟"

ثم تابعت وهي تنتحب:

"أعلم أنكِ منذ طفولتكِ تغارين لأنني أفضل منكِ، لكنني لا أريد لكِ حياةً شاقةً".

لم أعد أطيق الاستماع إلى مزيدٍ من أكاذيبها، فاستدرتُ لأغادر،

لكن فارس أمسك معصمي فجأة، ودفعني بعنف حتى ارتطم ظهري بالجدار.

ثم قال بصوتٍ حادٍ: "لقد تجاوزتِ حدودكِ".

نظرتُ إلى تلك الهيئة التي طالما وقفت حاميةً لليلى، ثم أطلقتُ ضحكةً مريرةً.

قال بلهجته الآمرة المعتادة:

"اعتذري إلى ليلى".

ثم أمسك بذقني كما كان يفعل دائمًا، وأجبرني على رفع رأسي إليه،

غير أنني نزعتُ أصابعه عني واحدةً تلو الأخرى، ثم تراجعتُ خطوة.

ثم قلت له ببرودٍ: "أيها المنقذ العظيم، كفَّ عن ادّعاء البطولة.

ولا تجعلني أشعر بالاشمئزاز هنا أمام قبر أمي".

تجمّدت يده في الهواء.

وبدا مذهولًا من مقاومتي الباردة الهادئة،

كأنه لم يتخيّل يومًا أنني قد أنظر إليه بعينين خاليتين من الحب.

تمتم بصوتٍ مبحوح:

"أنتِ…".

لكنني أدرتُ له ظهري، وعدتُ أجمع حقائبي، ثم غادرتُ تلك الليلة عائدةً إلى مدينة الفردوس.

لكنني قبل أن أصعد إلى الطائرة، فوجئت بسليم وفارس يعترضان طريقي.

انقضّ سليم عليّ فجأة، وأطبق أصابعه حول عنقي، وكانت عيناه محمرةً من شدة الغضب، وبدا كمن فقد عقله.

ثم صاح بي كالمجنون:

"كل ما حدث ذنبكِ أنتِ!"

وتابع وهو يزأر:

"ذهبت ليلى الليلة الماضية وحدها إلى صالة الرهان، أرادت أن تعقد صفقةً ضخمة لتثبت نفسها.

لكنها وقعت في فخٍّ، وخسرت كل شيء، حتى أنهم أرادوا أن ينتزعوا رحمها ليبيعوه لكي تسدد دينها".

ثم شدّ على عنقي أكثر وقال:

"إنها الآن محتجزة هناك، وحتى نُعيدها، فلن تذهبي إلى أي مكان!"
Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • عادوا إليّ لكن بعد أن فات الأوان   الفصل 8

    ومنذ ذلك اليوم، لم أرَ فارس مرةً أخرى.بعدما سقطت عائلة الصاوي، صعد اسمي في العالم السفلي كما لم يسبق لأي امرأة في سني أن بلغته، حتى أصبحت أصغر من يتولى السلطة فيه.ولم يعد الناس ينادونني بـ "الآنسة نانسي".بل صاروا يذكرونني بوصفـي القائدة الحقيقية التي تُدير ما تبقى من نفوذ عائلة الصاوي.أما فؤاد فقد تقدّم للزواج بي أمام مجلس كبار العائلة دون خوف.وبعد ثلاثة أشهر، داخل كنيسة العائلة في جزيرة السمر، كانت الأجراس تدق ببطءٍ مهيبٍ، امتدت أشعة الشمس عبر الزجاج الملوّن، ترسم فوق الأرض ألوانًا تشبه ألوان غابات الأحلام.أمسك فؤاد بيدي، وتسلل بداخلي دفء يديه بينما ينظر إليّ بحب وعطف.ثم قال بصوتٍ هادئ:"نانسي، أعلم أنكِ اعتدتِ أن تُظهري نفسكِ قويةً أمام الجميع، لكنني أريدكِ أن تعرفي شيئًا واحدًا".وسكت لحظة، ثم تابع:"لا تحسبي أن رقتكِ التي تخفينها عن الجميع هي نقطة ضعفكِ، بل إنها الكنز الذي لطالما رغبت في حمايته طوال حياتي".ثم أردف:"لقد أحرقت ليلى وألقيت بها في البحر، وتركت هؤلاء الذين ظلموكِ وتآمروا عليكِ يتجرّعون ندمهم في الجحيم".وفجأة، برد صوته قليلًا قبل أن يعود رقيقًا من جديد:"ومن ا

  • عادوا إليّ لكن بعد أن فات الأوان   الفصل 7

    كان اليوم الذي تصدر فيه خبر انهيار عائلة الصاوي عناوين الصحف الاقتصادية، هو يوم عيد مولدي. وقد أعد فؤاد أمسية رائعة لا تنسى، وزّين المكان بتسعِمائة وتسع وتسعين وردة حمراء، ثم وقف أمامي يعترف بحبه مرة أخرى، نظرت حولي ثم نظرت إليه ووافقت أخيرًا.علا رنين الهاتف فجأة معكرًا صفو تلك اللحظة، وكان المتصل هو المحامي الذي يتولى الدفاع عما بقي من عائلة الصاوي.أجبتُه بفتور، وأنا أظن أن فارس يريد أن ينازعني على الموانئ الثلاثة التابعة للعائلة في الفردوس.فذلك الطريق الخفي الذي تمر منه كافة الشحنات ويُسهل عمليات التهريب كفيلٌ بأن يثير كل عائلات المافيا.لكن جاءني صوت المحامي على الجانب الآخر يقول:"آنسة نانسي، الأمر لا يتعلق بالنزاع على الموانئ".ثم تابع بتردد:"إن السيد فارس طلب مني أن أبلغكِ بأنه تنازل عن جميع حقوقه لدى العائلة، بما في ذلك حقه في الانتفاع بالموانئ الثلاثة، وكل ذلك سينقل إليكِ دون مقابل يُذكر".تجمدت أصابعي للحظة.ثم قلت ببرود:"ما المقابل الذي يريده؟"أجاب المحامي:"لا يريد سوى فرصةٍ واحدة لرؤيتكِ، ولو لدقيقة واحدة فقط".حدّدَ اللقاء في المطعم الغربي الذي اعتدنا الذهاب إليه

  • عادوا إليّ لكن بعد أن فات الأوان   الفصل 6

    تابعت ما جرى كله من خلف شاشات المراقبة المعلقة في الغرفة الخلفية للصالة.وحين خطر لي الجنون واليأس في عينيّ فارس، لم أتمالك نفسي من الضحك بسخرية باردة.فكيف سيكون حاله، يا ترى، حين تقع عيناه على جثتي؟لعله سيفقد عقله تمامًا حينها بحق.لكن ما فائدة الحب إن أتى بعد فوات الأوان؟!قطع فؤاد غانم شرودي، وقال بينما ينظر إليّ عن قربٍ:"لا يليق بعينيكِ أن تطيلا النظر لتلك النفايات".التفتُّ إليه، لكنني رغم هيبته وحدته، لم أرَ سوى انعكاسي في عينيه.فقلت وأنا أعيد النظر إلى الشاشات:"أردت النظر للعرض الأخير بينما يتخبط المهرجون قبل أن يسدل الستار، ولن يطول الأمر حتى تنقطع كل مصادر دخل مجموعة الصاوي، لولا أنك أوقفت حساباتهم السرية بالخارج، لما نجحت خطتي".ابتسم فؤاد ابتسامةً خفيفةً، ثم قال:"لقد وعدتِني أن تمنحيني فرصةً لأقترب منكِ، وهذا أقل ما أستطيع أن أقدّمه دليلًا على صدق نيّتي".شعرت بدفءٍ ينساب إلى وجنتيّ، فتراجعتُ نصف خطوةٍ على غير إرادةٍ مني.غير أنّه جذبني إليه في ثباتٍ، وأحاطني بذراعيه كأنّه يخشى أن أفلت من بين يديه وأضيع من جديد.ثم همس بالقرب من وجهي:"فهل أرضاكِ إخلاصي؟"رفعتُ بصر

  • عادوا إليّ لكن بعد أن فات الأوان   الفصل 5

    وفي لحظةٍ فقد فارس ما بقي من تماسكه، وانتزع هاتفه وألقاه بعنفٍ أمام ليلى، فتحطّمت الشاشة إلى شظايا متناثرة، لكن سجلات التحويلات المالية ظلّت ظاهرة بوضوح،تفضح المبالغ التي أرسلتها سرًّا إلى أولئك المراهنين لقاء صمتهم.وما إن وقعت عينا ليلى على الأرقام، حتى شحب وجهها بفزع، وتجمدت في مكانها كأن الأرض قد سُحبت من تحت قدميها.كان غضب فارس قد بلغ حدًّا أوشك أن يفقد ما بقي من عقله. نظر إليها بعينين تشتعل غضبًا، ثم قال لها باشمئزازٍ:"ألهذا الحدّ لا تعني لكِ حياة أختكِ شيئًا؟"وفجأة، انفجرت دموع ليلى، وأخذت دموعها الثقيلة تتساقط على ظاهر يده، ثم تمتمت بصوتٍ مختنق: "الأمر ليس كما تظن".لكن سليم عقد حاجبيه، وجذبها إلى صدره في حركةٍ غريزية تحمل الحماية والانحياز، ثم قال بحدة: "فارس، لمَ تهاجم ليلى؟ إنها بريئة!"ضحك فارس ضحكةً ساخرة، ثم قبض على يده النازفة وقال:"أي بريئة؟!" ثم اقترب منها خطوةً أخرى، وعيناه تشتعلان، ثم قال:"إذا كان في حسابكِ مليارٌ ونصف، فلماذا لم تسددي دَين الرهان؟أليست هذه المسرحية كلها من تدبيركِ أنتِ؟"اضطربت نظرات ليلى، وأخذت تتهرب منه بعينيها وهي تتمتم:"أنا…أنا لا

  • عادوا إليّ لكن بعد أن فات الأوان   الفصل 4

    ما إن غادرت السيارة موقفَ السيارات السفلي لصالة الرهان، حتى أخرج فارس هاتفه على عجل، وأخذ يطلب رقم البنك، كأن قلبه قد بدأ أخيرًا يستشعر خطورة التأخير، لكن سليم مدّ يده وأوقفه،ثم قال: "تمهل قليلًا!"قطّب فارس حاجبيه، وانتزع يده بضيق، ثم قال بحدة:"اترك يدي، إن نانسي هناك، وكل ثانية تمر تضعها في خطر أكبر".زفر سليم بسخرية، ثم قال بلامبالاة:"لمَ أنت مذعورٌ هكذا؟ تلك المرأة لم تكف يومًا عن إيذاء ليلى، أظن أنها فرصة مناسبة،لكي تعرف قدرها الحقيقي وتدرك خطأها".ثم تابع حديثه بينما يتكئ للخلف مسترخيًا: "مالك صالة الرهان لا يريد سوى المال، فلن يقتلها حقًا،فلنتركها عدة أيام هناك لتعاني قليلًا ثم نعيدها، لعلها تكون مطيعة، وتكف تمردًا".سكت فارس لحظة، وبدأ كلام سليم يتسلل إلى قلبه بعض الشيء.فمنذ عودتي للحياة، لم أكف كما يعتقد عن استفزاز ليلى، بداية من اختيار الزوج، إلى أن عاملتها ببرود حين تقابلنا عند قبر أمي.ولعل هذا «العقاب»، كما يظن، كفيلٌ بأن يعيدني إلى ما كنتُ عليه في حياتي الماضية،امرأةً مطيعة، تُحسن الصمت والانكسار.ظهر التردد على ملامحه، واقتربت ليلى منه برفق، وقالت برقة:"فارس،

  • عادوا إليّ لكن بعد أن فات الأوان   الفصل 3

    وفي الطريق إلى صالة الرهان، كانوا يسحبوني كما تُقتاد الضحية إلى مذبحها، أطلق فارس زفرةً خافتةً، ثم قال بصوتٍ مُثقل:"أعلم أنكِ قد عدتِ من الموت أيضًا".فضحكتُ بسخريةٍ مريرةٍ، وقلت: "وما الذي سيتغيّر سواء عدتُ أم لم أعد؟ أتُراك هذه المرة ستنحاز لي ولو مرة واحدة؟" خفض بصره وهمس:"أنا آسف".فهززتُ رأسي في فتور، وقد أعيتني الكلمات.ثم قلت:"فارس، مرّت حياتان كاملتان، ولا زلت لا تُحسن إلا هذه الكلمات الثلاث؟"اجتذبني إليه بعنف فجأة، وأطبق على شفتيَّ بقبلةٍ قاسيةٍ مضطربةٍ، كأنها محاولة رجلٍ يغرق أن يتشبث بآخر ما بقي له.ثم ألصق جبينه بجبيني، وقال بنبرةٍ أقرب إلى القسم:"نانسي، هذه آخر مرة أترككِ تُظلمين بها".ثم تابع: "إن كل ما في الأمر أننا سنذهب إلى الصالة، وسندفع المال لننقذ ليلى، ولن يُصيبكِ سوء".ثم أردف: "وبعد ذلك سأتزوّجكِ، وسأقضي ما بقي من عمري كلّه في تعويضكِ عمّا فعلته بكِ".تحرّكت شفتاي بصعوبةٍ، وخرج صوتي مبحوحًا:"فارس، لن أسألك إلا سؤالًا أخيرًا. ألا زلتَ عاجزًا عن رؤية أنها تفعل هذا عمدًا لتستجلب اهتمامكم؟"ساد الصمت لحظات.ثم أشاح بوجهه عني وقال: "لا أعلم".ألا يعلم؟!أحق

  • عادوا إليّ لكن بعد أن فات الأوان   الفصل 1

    قالت أختي بنبرةٍ اجتهدت أن تصبغها باللين والرقة:"دعوا نانسي أختي تختار زوجًا أولًا، فهي أضعف مني، وتحتاج عائلة قوية تحميها".كان ذلك هو ما قالته في حياتي السابقة، كادت رقتها تخدع الأبصار، لكن عينيها كانتا تفيضان بعاطفة لم تستطع إخفاءها مهما تكبدت عناءً نحو سليم ليث،إنه وريث عائلة ليث.كانت عائلات

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status