Share

عشق على خط النار

last update publish date: 2026-07-01 11:12:15

الفصل الرابع عشر: في جحر الأفاعي

تسللت خيوط الليل المظلمة الحاكة لتغطي ميناء الجيزة المهجور بالكامل، حيث كانت أمواج النهر تضرب القوارب الخشبية القديمة والمتآكلة بصوت رتيب يبعث على القشعريرة. الأجواء في هذه البقعة النائية كانت توحي بغموض مرعب، والمكان يبدو معزولاً تماماً عن صخب العاصمة وحركتها، لكن خلف هذا السكون السطحي، كانت هناك حركة مريبة وشديدة الخطورة تدور في الخفاء بين جدران المخازن القديمة.

على بعد أمتار قليلة من المبنى الخرساني الرئيسي للمخزن، كان الرائد مراد يقف خلف جدار إسمنتي متهدم ومغطى بنباتات برية، يراقب المكان بعينين كصقر يتربص بفريسته في عتمة الليل. كان يرتدي ملابسه السوداء الخاصة بالعمليات الميدانية، والتي تسهل حركته السريعة والصامتة وسط الظلال، وبجانبه كانت ليلى تجلس القرفصاء على الأرض الأتربة، ممسكة بجهاز اللاب توب الخاص بها بحذر، وعيناها معلقتان بالشاشة المضيئة التي تعكس شفرات برمجية معقدة ومصفوفات من البيانات المتدافعة.

"ليلى، هل تمكنتِ من التقاط إشارة الشبكة الداخلية للمخزن؟"، سأل مراد بصوت خافت للغاية وهو يوجه نظاره المعظم اللامع نحو حارسين مسلحين ببنادق آلية يقفان بملامح جامدة عند البوابة الحديدية الرئيسية.

تنفسّت ليلى ببطء شديد محاولة التحكم في نبضات قلبها المتسارعة التي كانت تقرع في صدرها كالعقارب، وضغطت على زر الإدخال في لوحة المفاتيح ببراعة قبل أن تجيب بهمس مماثل: "نعم، لقد نجحت أخيراً يا مراد. المخزن محمي بشبكة اتصالات مغلقة ومعقدة للغاية، لكنني استطعت اختراق كاميرات المراقبة الخارجية عبر ثغرة أمنية في نظام التشفير القديم الذي يعتمدون عليه. أمامك الآن تسعون ثانية بالضبط قبل أن يكتشف النظام وجود بروتوكول غريب ويعيد تشغيل نفسه تلقائياً لمنع الاختراق".

لم يضيع مراد ثانية واحدة من الوقت الثمين. التفت نحو ليلى ونظر في عمق عينيها بثبات وثقة قائلًا بنبرة مطمئنة: "ابقِ هنا في هذا الظلام تماماً ولا تتحركي خطوة واحدة مهما حدث من حولنا. إذا شعرتِ بأي حركة غريبة أو خطر يقترب، انسحبي فوراً دون تردد نحو طريق المزارع الخلفي ولا تنتظريني".

قبل أن تتمكن ليلى من الرد أو الاعتراض، تحرك مراد كالشبح المفترس في جوف الليل. استغل الثواني المعدودة التي عطلت فيها ليلى بث كاميرات المراقبة، وانطلق بخطوات سريعة، مدروسة وصامتة نحو السور الخلفي المتهالك للمخزن. قفز برشاقة بدنية عالية تحسد عليها، ليتجاوز السلك الشائك المحيط بالمكان ويهبط داخل الفناء الخلفي دون أن يصدر منه أي صوت يذكر على الأرض الخشبية.

كانت المؤشرات الحيوية لمراد في قمة تركيزها واستعدادها القتالي. تقدم بحذر شديد محاذاة الجدار حتى وصل إلى نافذة زجاجية مرتفعة ومتسخة، مطلة مباشرة على الصالة الداخلية الرئيسية للمخزن المهجور. رفع رأسه ببطء شديد لينظر إلى الداخل، وفي تلك اللحظة اتسعت عيناه من شدة الصدمة والمفاجأة مما رأى.

لم يكن هذا المكان مجرد مخزن عادي لتخزين البضائع المهربة أو السلاح، بل كان أشبه بمركز عمليات استخباراتي متطور للغاية. شاشات رقمية عملاقة تعرض خرائط تفصيلية لمديرية الأمن، وأجهزة سيرفرات ضخمة تصدر أزيزاً خافتاً متواصلاً، وفي المنتصف تماماً كانت هناك طاولة اجتماعات دائرية فخمة يجلس حولها رجل يرتدي حلة رسمية أنيقة، يظهر ظهره فقط لمراد، ويتحدث بنبرة حادة وصارمة مع شخص آخر عبر هاتف مشفر.

"لقد تخلصنا من اللواء إبراهيم بنجاح كبير وفي الوقت المناسب، والآن التهمة تلاحق مراد ومساعدته الغبية في كل مكان وكل نشرات الأخبار"، قال الرجل ذو الحلة الفاخرة وهو ينفث دخان سيجاره في الهواء، ثم تابع بضحكة باردة ومستفزة: "الأوراق والمستندات الرسمية والميكروفيلم التي تدين كل عملياتنا السابقة باتت الآن في خزنتي السرية هنا داخل هذا المكتب، وبمجرد إغلاق القضية نهائياً وتقييدها ضد مراد، سنبدأ فوراً في تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الكبرى".

شعر مراد بدمه يغلي بعنف في عروقه عند سماع هذه الكلمات. هذا هو الدليل القاطع الذي يثبت براءتهما، وهذا الرجل الجالس بالداخل هو رأس الأفعى والمدبر الحقيقي لكل الكوارث التي حلت به. كانت كل غرايزه تدفعه لاقتحام المكان وتصفية الحساب بيده فوراً، لكن عقل الضابط المحترف والذكي لجم اندفاعه؛ فالهجوم الانتحاري غير المحسوب الآن سيعني ضياع الدليل الوحيد وموته هو وليلى دون كشف الحقيقة.

في تلك اللحظة الحرجة، رنّ جرس إنذار خفيف ونبض أحمر على شاشة لابتوب ليلى بالخارج، يوضح أن الحراس في الداخل بدأوا جولة تفتيشية عشوائية ومفاجئة في الفناء الخلفي، متجهين بخطى سريعة وسلاحهم مصوب مباشرة نحو الزاوية المظلمة التي يقف فيها مراد.

التفت مراد يميناً ويساراً ليبحث عن مخرج سريع أو مخبأ يتوارى فيه، لكنه سمع صوت خطوات الأقدام الثقيلة تقترب بشدة من خلف الجدار، وصوت تعمير الأسلحة الآلية المرعب يتردد صداه في أرجاء المكان الضيق، ليتأكد أنه بات محاصراً تماماً في زاوية الموت.

بقلم الكاتبة: بسنت محمد محي الدين

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الرابع عشر: في جحر الأفاعيتسللت خيوط الليل المظلمة الحاكة لتغطي ميناء الجيزة المهجور بالكامل، حيث كانت أمواج النهر تضرب القوارب الخشبية القديمة والمتآكلة بصوت رتيب يبعث على القشعريرة. الأجواء في هذه البقعة النائية كانت توحي بغموض مرعب، والمكان يبدو معزولاً تماماً عن صخب العاصمة وحركتها، لكن خلف هذا السكون السطحي، كانت هناك حركة مريبة وشديدة الخطورة تدور في الخفاء بين جدران المخازن القديمة.على بعد أمتار قليلة من المبنى الخرساني الرئيسي للمخزن، كان الرائد مراد يقف خلف جدار إسمنتي متهدم ومغطى بنباتات برية، يراقب المكان بعينين كصقر يتربص بفريسته في عتمة الليل. كان يرتدي ملابسه السوداء الخاصة بالعمليات الميدانية، والتي تسهل حركته السريعة والصامتة وسط الظلال، وبجانبه كانت ليلى تجلس القرفصاء على الأرض الأتربة، ممسكة بجهاز اللاب توب الخاص بها بحذر، وعيناها معلقتان بالشاشة المضيئة التي تعكس شفرات برمجية معقدة ومصفوفات من البيانات المتدافعة."ليلى، هل تمكنتِ من التقاط إشارة الشبكة الداخلية للمخزن؟"، سأل مراد بصوت خافت للغاية وهو يوجه نظاره المعظم اللامع نحو حارسين مسلحين ببنادق آلية يقف

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الثالث عشر: لُعبة المراياسقط الهاتف من يد ليلى ليرتطم بالفراش، بينما تراجعت خطوة للخلف وجسدها ينتفض بالكامل. الكلمات التي سمعتها من المذيع كانت بمثابة حكم إعدام معنوي؛ (تصفية اللواء إبراهيم على يد الرائد الهارب مراد ومساعدته). التفتت نحو مراد وعيناها تفيضان بالدموع: "مراد.. هم قتلوه.. الرجل الوحيد الذي كان يعرف الحقيقة مات، والآن العالم كله يظن أننا قتلة!".لم يتحرك مراد من مكانه، لكن ملامحه تحولت إلى قسوة مرعبة، وضغط على قبضتيه حتى ابيضّت مفاصِله. اللواء إبراهيم لم يكن مجرد رئيسه في العمل، كان بمثابة الأب والقدوة، واغتياله بهذه الطريقة البشعة يعني أن اختراق العصابة وصل لأعلى المستويات في المديرية.خطا مراد خطوات واسعة نحو ليلى، وأمسك كتفيها بثبات شديد، وتحدث بصوت منخفض وعميق يحمل نبرة فولاذية: "امسحي دموعكِ يا ليلى. البكاء لن يعيد اللواء إبراهيم، ولن يثبت براءتنا. اللعبة الآن أصبحت شخصية، ومن خطط لقتل الرجل الذي حماني، سأدفعه الثمن غالياً.. لكن أولاً، يجب أن نتحرك بحذر أكبر"."تحرّك؟ إلى أين؟ صورتنا في كل شاشة تلفاز وعلى كل موقع تواصل! لو خرجنا من هذا البيت الريفي سيقبض علينا

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الثاني عشر: الهروب من عنق الزجاجةتغلغل صوت مكبر الصوت الصارم عبر زجاج النافذة ليزلزل أركان الغرفة الضيقة: (الرائد مراد.. المكان محاصر بالكامل.. سَلِّم نفسك فوراً وإلا سنقتحم!). انقبضت ملامح مراد، وتحولت عيناه الصقريتان إلى جمرتين من الغضب؛ لم يكن خائفاً على نفسه، بل كان يشعر بمسؤولية مرعبة تجاه الفتاة التي تقف بجواره وترتجف كالعصفور."مراد.. هؤلاء شرطة، يعني من المفترض أنهم الأخيار صح؟ لماذا أشعر أننا في فيلم أكشن هوليوودي وأنا لست البطلة المستعدة للموت؟"، همست ليلى بصوت لاهث وعينيها تتسعان ذعراً وهي تتشبث بطرف قميصه."اهدئي تماماً يا ليلى، ولا تصدري أي صوت"، قالها مراد بنبرة منخفضة للغاية وفي غاية الحسم والتصميم. لم يضع وقتاً في التفكير؛ تحرك كالشبح نحو حقيبة جلدية سوداء مخبأة أسفل الفراش، فتحها بسرعة ليخرج منها قنبلتين صغيرتين من قنابل الدخان العسكري الكثيف، وجهازاً إلكترونياً صغيراً للتشويش على الترددات اللاسلكية.ضغط مراد على زر تشغيل جهاز التشويش، وفي ثانية واحدة انقطعت الاتصالات بين أفراد القوة المحاصرة بالأسفل، وساد الهرج والمرج في أجهزة اللاسلكي الخاصة بهم. وقبل أن يستو

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الحادي عشر: ما وراء القانونتصلبت ملامح الرائد مراد كأنه تمثال من الجرانيت، وتحجرت عيناه الصقريتان فوق زجاج السيارة الأمامي وهو يستمع لكلمات اللواء إبراهيم المرتجفة عبر الخط المشفر. الكلمات كانت ثقيلة كالقنابل: (خيانة عظمى.. أمر قبض رسمي.. اختراق من الداخل). شعر بدمه يغلي في عروقه؛ هو الذي قضى عمره كله يضحي بحياته في العمليات الخاصة ويحمي تراب هذا الوطن، يُتهم الآن بالخيانة في ليلة وضحاها بسبب لُعبة قذرة حركتها رؤوس العصابة من خلف الستار."فندم! هذا مستحيل! أنا وليلى كشفنا لتوّنا سيرفراتهم وحمينا الملفات السريّة بالكامل ونقلناها لوزارة الداخلية! هناك مكيدة تُدبر في المديرية لإغلاق القضية وتصفيتنا!"، قال مراد بصوت جهوري حاد يحمل نبرة غضب مكتوم، بينما كان يضغط على عجلة القيادة بقوة كادت تهشمها بين يديه.وجاء صوت اللواء إبراهيم هامساً وبسرعة شديدة: "أنا أعلم ذلك يا مراد، وأثق بنزاهتكَ أكثر من نفسي، لكن الأوراق والمستندات التي زُرعت في مكتبك وفي حسابات ليلى البنكية تثبت التهمة بشكل قانوني لا ثغرة فيه. التوجيهات صدرت من جهات سيادية عليا والتحرك ضدكم بدأ بالفعل. اختفِ تماماً يا بني..

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل العاشرانطلقت سيارات الدفع الرباعي الثلاث خلف سيارة الجيب بسرعة جنونية، وأضواؤها العالية تكاد تعمي عين مراد في مرآة الرؤية الخلفية. كان الموقف يوحي بمعركة طاحنة بالأسلحة في وسط هذا الطريق الصحراوي المظلم، لكن الرائد مراد لم يمد يده إلى مسدسه هذه المرة. كان يعلم تماماً أن دخول مواجهة نارية مباشرة ضد ثلاث سيارات مجهزة في طريق مفتوح هو انتحار محتم، وأن الحفاظ على حياته وحياة ليلى يتطلب دهاءً عسكرياً خالصاً وليس مجرد إطلاق رصاص عشوائي."مراد! هؤلاء يقتربون منا جداً! سأغمض عيني وأتشهد فوراً، لو حدث لي أي شيء أخبر أمي أنني كنت أحبها للغاية، وأن طبق الكشري كان طموحي الأخير في هذه الدنيا الفانية!"، هتفت ليلى وهي تضع يديها فوق رأسها وتنكمش في مقعدها برعب شديد امتزج بعفويتها الكوميدية المعهودة."أحكمي ربط حزام الأمان وتشبثي جيداً بالمقعد يا ليلى، لن يموت أحد الليلة ما دمتِ معي"، قالها مراد بنبرة هادئة وثابتة بشكل عجيب زلزل خوفها، بينما كانت عيناه اللامعتان تلمحان لافتة ضخمة على بعد كيلومتر واحد تشير إلى منطقة ملاحات كبرى وممرات جبلية وعرة تستخدمها الشاحنات العملاقة فقط.بدلاً من الاستمرار

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل التاسع: مواجهة في عتمة الليلاستحالت الفيلا السرية في ثانية واحدة إلى مقبرة من الظلام الدامس بعد انقطاع التيار الكهربائي المفاجئ. لم يكن هذا الانقطاع طبيعياً بأي حال من الأحوال، بل كان فصلاً جديداً من فصول الهجوم المنظم والمدروس بعناية فائقة. ومع الرنين الحاد لتهشم زجاج الصالون، وتسلل أصوات الخطوات العسكرية الثقيلة بالداخل، شعرت ليلى بقلبها يقفز إلى حلقها. تلاشت فرحة النصر الإلكتروني تماماً، وحل مكانها رعب حقيقي جعلها تتجمد في مكانها خلف المكتب، عاجزة حتى عن التقاط أنفاسها أو الصراخ.بلمح البصر، وبتحرك تكتيكي أملته عليه سنوات الخبرة الطويلة في قطاع العمليات الخاصة، انقض الرائد مراد على ليلى في الظلام الدامس. وضع يده العريضة فوق فمها بلطف لكن بقوة كافية لمنع صدور أي صوت منها، وجذبها خفية خلف جدار خرساني عازل في زاوية الغرفة البعيدة عن الممر الرئيسي. همس في أذنها بأنفاس لاهثة وصوت منخفض للغاية كالفحيح: "لا تتحركي.. ولا تتنفسي يا ليلى. إنهم بالداخل، والمواجهة الآن صامتة تماماً. ثقي بي ولا تخافي".أومأت ليلى برأسها بضعف وسط العتمة الشديدة، وجسدها ينتفض كالعصفور المبلل تحت سترته العس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status