Share

عشق على خط النار

last update publish date: 2026-09-13 06:27:09

الفصل الخامس عشر: صراع في قلب العتمة

ارتفع طنين المولد الكهربائي الاحتياطي داخل المكتب السري، موجهاً بقعة ضوء خافتة وسط الركام وشظايا الزجاج المتناثرة. كان الرجل ضخم البنية يقف كالجبل عند عتبة الباب الخلفي، يحجب المخرج بجسده العريض، ويمسك بقضيب حديدي ثقيل يقطر منه تهديد صريح.

تراجع مراد خطوة حذرة إلى الخلف بعد أن أطيح بمسدسه، معيداً ضبط مركز ثقله بدقة متناهية. لم تكن هذه المرة الأولى التي يواجه فيها خصماً يتفوق عليه في البنية الجسدية، لكن الوقت لم يكن في صالحه؛ أصوات صفارات الإنذار الخارجية بدأت تتصاعد في أرجاء الميناء المهجور، وشريحة التخزين "الميكروفيلم" الاستراتيجية المستعادة باتت تستقر الآن في جيب سترته الداخلي.

"لن تخرج من هنا حياً يا سيادة الرائد.. الأوراق التي يحملها جيبك هي كفنك المكتوب"، قال الرجل الضخم بنبرة حادة وصوت رخيم يتردد صداه بين الجدران الخرسانية.

رد مراد بنبرة هادئة وصارمة، وهو يوزع نظراته بين غريمه والأشياء المتناثرة على الأرض: "أمثالك يظنون دائماً أن القوة البدنية تحسم المعارك، لكن العلميات الخاصة علمتنا أن السرعة والتركيز هما ما يضعان الحد الفاصل بين الحياة والموت".

اندفع الخصم فجأة بكل ثقله نحو مراد، ملوحاً بالقضيب الحديدي في ضربة أفقية قاطعة كانت كفيلة بتهشيم أي عظم يصادفه. في جزء من الثانية، انحرف مراد بجسده إلى الأسفل بمرونة عالية، ليمر السلاح الحديدي فوق رأسه بسنتيمترات قليلة ويصطدم بالطاولة الخشبية الفاخرة، فيحطم حافتها السميكة إلى شظايا.

استغل مراد اندفاع الخصم إلى الأمام، ووجه لكمة دقيقة وقوية بأسفل كفه إلى منطقة الحنجرة، تلتها ضربة خطافية إلى أضلاعه الجانبية. ترنح المهاجم الضخم للخلف متألماً، لكنه لم يسقط، بل زادت عيناه حنقاً واندفع مجدداً ليمسك بياقة سترة مراد القتالية محاولاً رفعه وإلقائه نحو الجدار الخرساني.

في هذه اللحظة بالذات، ظهرت ليلى عند باب المكتب المدمر. كانت أنفاسها متلاحقة، وتحمل في يدها جهاز اللابتوب المشغل، وعيناها تتسعان رعباً عند رؤية الصراع القائم. لم تفكر مرتين؛ اندفعت نحو الطاولة المجاورة وأمسكت بمطفأة الحريق المعدنية الثقيلة بكل ما أوتيت من قوة طفولية، ثم أفرغت شحنة الرغوة المضغوطة مباشرة في وجه الرجل الضخم.

انطلق رذاذ الرغوة الأبيض الكثيف ليغطي عينيه ووجهه بالكامل، ما جعله يطلق صرخة غضب مكتومة ويتراجع للورايا وهو يحاول مسح عينيه بذهول.

"ليلى! قلت لكِ ألا تتركي مخبأكِ!"، هتف مراد وهو يستغل لحظة ارتباك الخصم، لينقض عليه بركلة دائرية صريحة وسريعة استهدفت مفصل ركبته، أسقطته أرضاً بجسده الثقيل، ثم أتبعها بضربة موجهة بكعب حذائه العسكري خلف أذنه، ليفقده الوعي تماماً ويجعله يتمدد بلا حراك وسط الرغوة البيضاء.

التفت مراد سريعاً ونفض الغبار عن ملابسه، ثم التقظ مسدسه الساقط من الأرض وأعاده إلى غمده التكتيكي. تقدم نحو ليلى التي كانت تقف ممسكة بمطفأة الحريق وتتنفس الصعداء، وعيناها تتنقلان بين الرجل الملقى على الأرض والمراد الواقف أمامه.

"صراحة يا سيادة الرائد، لو انتظرت أوامرك كنت ستتحول إلى شريحة كباب في هذا المكان!"، قالت ليلى بنبرة عفوية حاول خلطها بالمرح لتدارك الرعب الذي عايشته للتو، وأضافت: "المهم.. هل الأوراق والشريحة معك؟ لأن النظام الأمن الإلكتروني للميناء سيعيد تشغيل نفسه بالكامل خلال دقيقتين، وحينها ستفتح البوابات تلقائياً وتغرق المنطقة بالرجال المسلحين!".

"المستندات بحوزتي بالكامل"، قال مراد وهو يمسك بكتفها برفق ويحركها أمامه نحو الباب الخلفي: "عمل ممتاز يا ليلى.. أنتِ حقاً شريكة لا تُقدر بثمن في الأوقات الحاشدة. لكن الآن علينا الخروج فوراً قبل أن يدرك رأس الأفعى أن عملية سرقة أدلته قد نجحت".

ركضا معاً عبر الممر الخلفي المظلم، يتفاديان أسلاك الكهرباء المتدلية التي تساقطت جراء الماس الكهربائي. كانت نسمات الهواء النهرية الباردة تصفع وجهيهما فور خروجهما من الممر الضيق لنهاية الميناء. كان المكان هادئاً بشكل مريب، وأمواج النهر تتلاطم بخفة مع جدران الرصيف الحجري.

توجه مراد ونظر نحو قارب صيد قديم مجهز بمحرك خفي كان قد اتفق مع الشيخ حسن على تجهيزه في هذه النقطة المحددة. قفز مراد أولاً ثم مد يده الثابتة ليرفع ليلى برفق إلى داخل القارب.

أدار مراد المحرك الخافت الذي أصدر صوتاً مكتوماً شق سكون المياه، وانطلق القارب ببطء شديد في البداية ليتوارى تحت ظلال السفن الراسية الكبيرة، قبل أن يزيد من سرعته متجهاً نحو الضفة الأخرى للقرية الريفية المعزولة.

جلست ليلى في مقدمة القارب، تحتضن حاسوبها المحمول وتلف حول جسدها معطفاً عسكرياً دافئاً قدمه لها مراد، بينما كان هو يقف عند مقود القارب الصغير، يراقب الخافق النجمي وأضواء الميناء التي بدأت تبتعد تدريجياً.

نظرت ليلى إليه، ورأت في ملامحه الحادة مزيجاً من الإرهاق الصارم والإصرار الفولاذي، فقالت بصوت دافئ يملأه الشجن: "مراد.. اللواء إبراهيم مات، والجميع يظنون أننا القتلة.. هل تظن أن هذه المستندات والشريحة تكفي حقاً لتطهير اسمنا أمام النيابة العامة والجهات السيادية؟".

التفت مراد نحوها، ولمعت عين الصقر بالثبات، وقال بصوت خفيض وعميق: "هذه الشريحة لا تطهر اسمنا فحسب يا ليلى.. بل تحتوي على التقرير المالي المباشر وقوائم الأسماء المتورطة داخل مديرية الأمن نفسها. من اغتال اللواء إبراهيم ظن أنه ألقى بالتهمة علينا وأغلق الملف للأبد، ولكنه لا يعلم أننا نمسك الآن بالحبل الذي يسحب شبكته بالكامل إلى المشنقة".

ابتسمت ليلى برقة، وشعرت بشعور عارم بالأمان يغمر صدرها رغم أنها ما زالت أكثر فتاة مطاردة في البلاد. رفعت رأسها لتنظر إلى السماء الصافية وقالت: "إذن، المحطة القادمة هي مواجهة الجاسوس الكبير في عقر داره؟".

"المحطة القادمة هي إعادة كتابة الحقيقة بكامل تفاصيلها"، قالها مراد بإصرار وهو يوجه القارب نحو ضفة الأمان المؤقتة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الثامن والعشرين: عهد الأمانتنعّم بيت مراد وليلى بسكينة لا توصف مع حلول المساء، وانبعثت من الشرفة زغاريد الهناء ونشيج الريح الخفيفة وهي تحرك أغصان الأشجار المتراصفة في الحديقة. كانت الحياة تسير بهدوء ودون عجل، وكأن الزمان قرر أن يعوضهما عن كل لحظة ذعر وركض عانياها في سنوات الخوف والمطاردات.كانت ليلى تجلس في الصالون الداخلي المصمم بطراز دافئ يجمع بين الأصالة والعصرية، وتتصفح عبر حاسوبها المحمول التقارير الخاصة بالمبادرة الوطنية للأمن الرقمي. أصبحت المبادرة تتسع يوماً بعد يوم، وتستقطب عقولاً شابة من مختلف الجامعات المصرية لبناء نظام حماية سيبراني متكامل، يضمن عدم تكرار ما حدث مع "مجموعة الظل" أو غيرها من الشبكات الإجرامية.على الجانب الآخر من الغرفة، كان مراد يرتدي ثياباً مريحة، ويجلس أمام مكتبته الخشبية العتيقة، يطالع بعض التقارير الأمنية والتنظيمية الخاصة بمهامه الجديدة في إدارة التدريب والتطوير بوزارة الداخلية. لم يعد مراد يدخل في مطاردات ميدانية محمومة، بل أصبح عقلاً مدبراً ومربياً لأجيال جديدة من الضباط، ينقل إليهم خبرته العميقة في التكتيك، والحرص على حماية روح القانون قبل

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل السابع والعشرين: نبض جديدمرت الأشهر تلتها أشهر، وتحول الخريف ببرودته الخفيفة إلى ربيع دافئ نشر ألوانه الزاهية على جنبات حديقة المنزل الجديد الذي شيده مراد وليلى في زاوية هادئة من أطراف القاهرة. كان المنزل يستقر بين أحضان الطبيعة، بأحجاره الناعمة ونوافذه الزجاجية العريضة التي تسمح لضوء الشمس بالتسلل إلى كل أركانه، مطعماً إياه برائحة الزهور الشذية ونسيم الصباح العليل.في الشرفة العلوية المطلة على الحديقة، كانت ليلى تجلس عند طاولة خشبية صغيرة، وأمامها جهاز كمبيوتر محمول حديث يعمل بتطبيقات الأمان السيبراني المتقدمة التي طورتها مع فريق عملها. كان شعرها الأسود الحريري ينسدل بجمال على كتفيها، وتكسو وجهها الصافي حمرة خفيفة تفيض بالصحة والراحة النفسية التي غابت عنها سنوات طوال.كانت أصابعها تتحرك على لوحة المفاتيح بمهارة وسلاسة، ليس لتفكيك شفرات خيانة أو تتبع مجرمين كما في السابق، بل لإشرافها على إطلاق نظام حماية رقمي جديد ومبتكر خُصص لحماية بيانات المستشفيات الحكومية والمؤسسات الخيرية مجاناً."صباح الخير يا دكتورة.. ألم نتفق على أن العمل داخل المنزل له أوقات محددة لا ننتزع منها ساعات ا

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل السادس والعشرون: بداية الطريقانسكبت أشعة شمس الصباح الدافئة فوق شوارع القاهرة العريقة، لتغمر المباني الرخامية والأشجار الخضراء الممتدة على جانبي نهر النيل ببريق ذهبي صافٍ. كانت الحياة في العاصمة تدب بنبض جديد ومختلف؛ حافلات تنطلق، وأناس يهرعون إلى أعمالهم بوجوه تبحث عن الأمل، بينما كان صوت الزقزقة الهادئة للطيور يعزف لحناً أثيراً يبدد أطياف السهر والتعب التي تراكمت على أجساد وأرواح مراد وليلى خلال الأشهر الماضية.سار مراد وليلى جنباً إلى جنب على الرصيف الممتد بجوار كورنيش النيل. كان مراد يرتدي بدلة مدنية أنيقة باللون الكحلي الداكن، أضفت عليه حواراً راقياً يجمع بين الصرامة العسكرية والوسامة الهادئة، بينما كانت ليلى تتألق بفستان أبيض بسيط يتناسب مع نسمات الصباح الرقيقة، ويدها الناعمة تستقر بدفء وثبات داخل قبضته القوية.كان الخاتم الماسي يتلألأ فوق إصبعها كلما ضربت عليه أشعة الشمس، يذكرها في كل لحظة بأن كابوس المطاردات، وطلقات الرصاص، وصفارات الإنذار، والملفات المشفرة المعقدة، قد وُضع له حد فاصل لا رجعة فيه."مراد.. هل تصدق أننا نسير في الشارع الآن دون أن ننظر خلفنا أو نراجع كامير

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الخامس والعشرين: ظلال من الماضيخيم سكون دافئ على شاطئ النيل مع انقضاء الساعات الأولى من الليل، بينما كانت أضواء القاهرة تتلألأ على صفحة المياه الصافية كأنها لآلئ منثورة. جلس مراد وليلى في زاوية الشرفة الخارجية للمطعم الهادئ، يتبادلان النظرات في لحظة صمت صادقة اختزلت شهوراً طويلة من الركض والمخاطر.كان الخاتم الماسي يتلألأ في إصبع ليلى تحت الضوء الخافت، يذكرهما بحتمية الوصول إلى هذه اللحظة رغم ألسنة النار التي عبراها معاً. رفعت ليلى يدها لتتأمل الخاتم بابتسامة صافية، ثم نظرت إلى مراد الذي كان يستند بساعده على الطاولة، يراقبها بعينين تفيضان بحنان صادق وإخلاص لا يتزعزع."مراد.. صراحة، أنا حتى الآن لا أصدق أننا نجلس هنا دون أن نسمع صوت جهاز لاسلكي أو تنبيه اختراق طارئ!"، قالت ليلى بنبرة مرحة ممتزجة بالارتياح، وأردفت بضحكة خفيفة: "أشعر وكأن نظام حياتي بالكامل يحتاج إلى إعادة ضبط مصنعية ليتكيف مع هذا الهدوء!".ابتسم مراد ابتسامة عذبة أضفت وسامة هادئة على ملامحه الحادة، وقال بصوت خفيض يمتلئ بالدفء: "هذا هو الوضع الطبيعي الذي كان يجب أن نعيشه منذ البداية يا ليلى. المعركة انتهت، والقانو

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الرابع والعشرون: تباشير الصباحكان شروق الشمس فوق مياه البحر المتوسط يسكب غزلان ذهبية دافئة على صفحة المياه المتلاطمة، لتغسل رذاذ الليل المالح وتطرد أطياف الخوف والظلام التي جاثمت على صدور الجميع طوال الساعات الماضية. كانت السفينة "سيربيروس" تقبع ساكنة كعملاق حديدي استسلم لقدره المحتوم، بينما طوقتها الزوارق السريعة التابعة للقوات البحرية والسيادية، وصوت محركات الطائرات المروحية يعزف سيمفونية النصر النهائي في السماء الصافية.على السطح العلوي، جلس كولمان ورجاله مكبلين بالأغلال الفولاذية، تحت حراسة مدججة بالسلاح من عناصر العمليات الخاصة. كان مراد يقف على مقربة منهم، يتابع إجراءات التسليم والتحفظ على المعدات والسيرفرات المائية بدقة متناهية ونظرات صقريّة لا تسقط منها صغيرة ولا كبيرة.إلى جواره، كانت ليلى تجلس على صندوق خشبي قديم، تحيط بها سترتها الفضفاضة، وتحتضن بين يديها كوباً من الشاي الساخن قدمه لها أحد أفراد الدعم البحري. كانت تنظر إلى الأفق البعيد، حيث تتلاقى السماء مع البحر في خط لا متناهٍ، وتنفسها متزن وهادئ كأنها تسترد أنفاس سنوات كاملة من الركض والمطاردات.اقترب مراد بخطوات

  • عشق على خط النار    عشق على خط النار

    الفصل الثالث والعشرون: صراع الأباطرةكانت أمواج البحر المتلاطمة تصطدم بهيكل السفينة "سيربيروس" بجنون، مرسلةً رذاذاً مالحاً يغمر الأعتاب الحديدية للأسطح المفتوحة. امتلأ الهواء بعصف الرياح الباردة وهدير المحركات التي تعمل بأقصى طاقتها، مشكلاً مع صفارات الإنذار الحمراء ملحمة صارخة تصخ الآذان.في أعماق السفينة، كانت ليلى تجلس جثواً أمام أبراج السيرفرات المتوهجة، تعزف بأصابعها السريعة فوق لوحة المفاتيح لتغلق ثغرات الاختراق المائي. كانت قطرات العرق تنداح على جبينها لتخالط برودة الهواء المنبعث من مروحية التبريد الذاتية، بينما كانت عينها مثبتة على شاشة التقدم المئوي لسحب البيانات: 84%.. 85%.. 86%."سرعة المحركات ترتفع بشكل خطير.. يجب أن أصيب العقل الهيدروليكي للملاحة بجلطة رقمية قبل أن نتجاوز خط المياه الإقليمية!"، همست ليلى لنفسها بصوت مجهد يحمل إصراراً لا يلين.بدأت بتوجيه شفرات ارتدادية مكثفة عبر البروتوكول المفتوح الذي اخترقته سابقاً، مستهدفة صمامات الضخ الوقودي الرئيسية للسفينة. كانت تحاول إلزام الحواسيب الملاحية بإصدار أمر طوارئ تلقائي يُجبر نظام الأمان الميكانيكي على إغلاق المروحة التو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status