Masukطال الصمت بينهما حتى كاد يُسمع دويّ أنفاسهما المضطربة. وسط تلك الأجواء المشحونة، وتحت وطأة نظراته التي كانت تستجدي بقائها بصمت قاسي، تحركت أصابعه الباردة ببطء لتخفف قبضتها عن طرف معطفها، لكن دون أن يفلتها تماماً، وكأن حتى التخلي عن هذا الخيط الرفيع يعلو على طاقته. استند آدم بظهر متعب على وسادته، وابتلع مرارة الإرهاق قبل أن ينطق بصوت خفيض، مبحوح، وخالٍ تماماً من أي قسوة سابقة: — "لا ترحلي هكذا يا إيلا... ولا تبقي وأنتِ محملة بكل هذا الغيظ في صدرك." رفعت عينيها نحوه، وتوسعت حدقتاها بذهول مشوب بالحيرة من انقلابه المفاجئ، لترد بصوت يقطر تحدياً ومرارة: — "أتريدني أن أبقى أم أرحل؟! قرر يا آدم! لأنك بيدك تطردني وبيدك الأخرى... تشدني إليك كمن لا يملك خياراً!" تأملها لثوانٍ طويلة بعينين محاصرتين بالإنهاك والثقل النفسي، ثم أطرق بصره قليلاً قبل أن يرفع رأسه ليواجه نظراتها بندرة صدق خنقت أنفاسها، وقال بنبرة شبه هامسة: — "لا أملك خياراً فعلاً... هذا هو البلاء. أنا لا أطلب منكِ أن تبقي هنا في هذه الغرفة البائسة لتتعذبي بقربي، ولا أحتمل فكرة أن تبتعدي وتتركيني أغرق وحدي. عودي إلى المنزل... لكن
مرت ساعات الظهيرة بثقيل الوقع على جدران الغرفة، ولم يُكسر سكونها سوى حركات إيلا الرتيبة وهي تعيد ترتيب الطاولة الصغيرة بجانبه، متمسكة ببقائها كإعلان صامت لرفضها الخضوع. أما آدم، فكان يتابع تحركاتها بطرف عينه من فوق فراشه، عاجزاً عن طردها، ومحاصراً بندوب كبريائه التي ترفض الاعتراف بحاجته الماسة لوجودها قربه. مع اقتراب الغروب، لم تعد إيلا تحتمل هذا الجدار السميك من الغموض. التفتت فجأة نحوه، وعيناها تلمعان بشرارة غضب محرق لم تنطفئ، وقالت بصوت منخفض، حاد، ومباشر اخترق سكون المكان: — "إلى متى ستستمر في هذا الصمت؟ تظن أن بإمكانك إحضار تلك المرأة إلى بيتنا، وإشعال الشك في كل زاوية، ثم تكتفي بمطالبتي بالعودة للمنزل وكأن شيئاً لم يكن؟!" انقبض وجه آدم، وبدأت ملامحه تتصلب أكثر فأكثر. رفع بصره إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة ومريرة، ليجيب بصوت أجش يقطر تحدياً: — "وهل جئتِ إلى هنا لتتمسكي بي، أم لتقومي بتحقيق حول أمور تجهلين أبعادها تماماً؟ ألا يكفيكِ ما أنا فيه حتى تلاحقيني بشكوكك وغضبك في غرفة المرض هذه؟!" — "بل هي شكوك أنت من زرعتها بيدك!" صرخت إيلا بنبرة مهتزة من شدة القهر، واقتربت
مرت الساعات ثقيلة بطيئة، ولم يقطع سكون الغرفة سوى نبضات الأجهزة الطبية المنتظمة، وأنفاس آدم التي بدأت تستقر تدريجياً مع تراجع حدة الحمى.فتح آدم عينيه ببطء شديد، وشعر بثقل مروع يضغط على صدره وكأن جبلاً قد استقر فوقه. تحركت رموشه المتعبة حتى استقرت عيناه على تلك الجالسة أمامه؛ كانت إيلا بملامحها الجامدة والباردة، تعقد ذراعيها أمام صدرها وكأنها تمثال من الجفاء، رافضة أن تمنحه حتى شرف التحية. لكن خلف هذا القناع الثابت، كان قلبها يخفق بجنون، يتأرجح بين رغبتها الملحة في محاسبته على ليلة أمس وبين رهبة أن يكون قد استعاد قسوته المعهودة.أما آدم، فما إن التقت عيناه بعينيها حتى انقبض صدره بذعر مكتوم؛ لم يكن ضيقاً عادياً، بل كان فزعاً خفياً من أن تكون قد التقطت شيئاً من هلوساته وتوسلاته التي فضحته في غفوة الحمى. شعر باهتزاز في ثوابته كلها؛ فهو الرجل الذي اعتاد أن يكون الحصن والآمن لمن حوله، وها هو يقف عارياً من المكابرة أمامها. هذا الإحساس بالضعف المفاجئ أشعل في صدره توترأ مكتوماً تجاه نفسه وتجاهها، دافعاً إياه للرغبة في إعادة بناء أسوار عزلته بهدوء.استند بصعوبة بالغة على مرفقه، وكأن الكبرياء ي
توقف والد آدم مكانه، وعيناه تتقلّبان بين عناد إيلا الثابت وصمت ابنه المطبق على وجعه. أدرك سريعاً أن محاولة إقناعها بالخروج باتت أشبه بمصارعة الريح، فتنهد بيأس مطبق، وتراجع خطوتين للوراء قبل أن يقرر الانسحاب بهدوء ويترك لهما مساحة هذه المواجهة، متعللاً ببعض الإجراءات عند مكتب التمريض. ما إن أغلق الباب خلف أبيه، حتى طبق صمت ثقيل ومرعب على أرجاء الغرفة، محمّلاً برائحة التعقيم والغضب المكتوم. التفت آدم ببطء شديد نحوها، وبدت على ملامحه الشاحبة علامات الامتعاض والانزعاج الواضح لوجودها، ففتح عينيه المتعبتين ورمقها بنظرة حادة جافة، وبصوت أجش ومتقطع قال ببرود متعمد: — "ما زلتِ هنا؟! ألم تكفِ كل تلك المحاضرات والملام التي أمطرتِني بها فور أن فتحت عينيّ؟ إن كنتِ جئتِ لتستمري في هذا العتاب، فمن الأفضل لكِ أن توفري كلماتك وتغادري حقاً." اشتعلت النيران في صدر إيلا، وتوسعت عيناها بذهول صاعق من وقاحته. ضغطت على شفتيها بقوة حتى كادت تدميان، وتقدمت خطوة أخرى نحو السرير، لترد عليه بصوت يقطر غيظاً وقهراً لا يُطاق: — "هكذا إذن؟! تتهور وتفجعنا وتكاد تزهق روحك، ثم تحاسبني أنا على قلقي؟! أتراني هنا
تردد صدى الصمت القاتل في أرجاء الغرفة المعقمة، وكأن جدرانها تضيق تدريجياً لتخنق آخر ما تبقى من أنفاس إيلا. وقفت متسمرة في مكانها، ويدها التي كانت تغطي كفه معلقة في الهواء بذهول تام؛ كيف أمكنه سحب يده بهذه السرعة فور أن استيقظ ورآها؟! سرت قشعريرة عميقة ومفزعة في جسدها، وتملكتها حالة عارمة من التوتر المربك. بدأت عيناها تتحركان برهبة بين ملامحه الجامدة ووجهه الذي تجنب النظر إليها تماماً، وكأن وجودها في الغرفة يشكل ثقلاً لا يطاق عليه. احترق قلبها بنوبة جديدة من القهر والخيبة، وشعرت أن الهواء بات شحيحاً في صدرها. وققبل أن تتيح لها فوضى أفكارها فرصة للاستيعاب، تحرك آدم بصعوبة بالغة متوسداً وسادته، وأدار وجهه الباهت نحو والده الواقف بجانب السرير. وبصوت خفيض، أجش، ومتقطع بسبب التعب، لكنه حمل نبرة أمر حاسمة وصارمة ترفض النقاش، قال: — "أبي... خذها... اطلب منها أن تذهب إلى البيت الآن." وقعت الكلمات على أذني إيلا كالصاعقة؛ لم تكن مجرد رغبة في الابتعاد، بل بدا وكأنه يطردها من أمامه! اشتعلت النيران في صدرها من جديد، ورفعت رأسها لتلتقي نظراتها بنظراته المشتعلة بغضب متبادل؛ نظرات بدت في ظاهرها كح
لم تدرك إيلا كيف قطعت المسافة من شقتها إلى المستشفى؛ كانت أفكارها تتلاشى وسط ضباب كثيف من الذعر والشلل الفكري. ارتدت ملابسها بعجلة جنونية، وحملت طفلتها الصغيرة بين ذراعيها وهي ترتجف من رأسها حتى أخمص قدميها، مستسلمين جميعاً لنداء الفزع المجهول. وما إن وطأت قدماها مدخل قسم الطوارئ، حتى رأت والد آدم واقفاً في الممر المعقم، ملامحه شاحبة ومحطمة، ويداه ترتجفان بشدة وهو يحاول استيعاب هول الصدمة. بمجرد أن رآها تقترب بخطوات متهالكة وهي تضم طفلتها لصدرها وعيناها تفيضان بالدموع، حتى هرع نحوها بخطوات بطيئة وثقيلة. اقتربت منه إيلا بقلب يقرع كطبول الموت، وبصوت مرتجف ومتقطع بالكاد استطاع الخروج من حلقها: — "عـ... عمي... ماذا حدث؟ كيف حاله؟ أرجوك قل لي إنه بخير!" مد يده بحنان أبوي مكسور ليحاول تهدئة روعها، وبصوت خفيض ومرتجف يغلب عليه الذهول، قال يخبرها بحقيقة ما جرى — "اهدأي يا ابنتي... أرجوكِ. آدم... بحسب ما أخبرونا، كان يقود سيارته بسرعة جنونية وهستيرية وكأنه فاقد للوعي تماماً بما حوله، حتى انحرفت السيارة به واصطدمت..." وقعت الكلمات على أذنيها كالصاعقة. شعرت أن الأرض تمور من تحت قدميها







