Masukتردد صدى الصمت القاتل في أرجاء الغرفة المعقمة، وكأن جدرانها تضيق تدريجياً لتخنق آخر ما تبقى من أنفاس إيلا. وقفت متسمرة في مكانها، ويدها التي كانت تغطي كفه معلقة في الهواء بذهول تام؛ كيف أمكنه سحب يده بهذه السرعة فور أن استيقظ ورآها؟! سرت قشعريرة عميقة ومفزعة في جسدها، وتملكتها حالة عارمة من التوتر المربك. بدأت عيناها تتحركان برهبة بين ملامحه الجامدة ووجهه الذي تجنب النظر إليها تماماً، وكأن وجودها في الغرفة يشكل ثقلاً لا يطاق عليه. احترق قلبها بنوبة جديدة من القهر والخيبة، وشعرت أن الهواء بات شحيحاً في صدرها. وققبل أن تتيح لها فوضى أفكارها فرصة للاستيعاب، تحرك آدم بصعوبة بالغة متوسداً وسادته، وأدار وجهه الباهت نحو والده الواقف بجانب السرير. وبصوت خفيض، أجش، ومتقطع بسبب التعب، لكنه حمل نبرة أمر حاسمة وصارمة ترفض النقاش، قال: — "أبي... خذها... اطلب منها أن تذهب إلى البيت الآن." وقعت الكلمات على أذني إيلا كالصاعقة؛ لم تكن مجرد رغبة في الابتعاد، بل بدا وكأنه يطردها من أمامه! اشتعلت النيران في صدرها من جديد، ورفعت رأسها لتلتقي نظراتها بنظراته المشتعلة بغضب متبادل؛ نظرات بدت في ظاهرها كح
لم تدرك إيلا كيف قطعت المسافة من شقتها إلى المستشفى؛ كانت أفكارها تتلاشى وسط ضباب كثيف من الذعر والشلل الفكري. ارتدت ملابسها بعجلة جنونية، وحملت طفلتها الصغيرة بين ذراعيها وهي ترتجف من رأسها حتى أخمص قدميها، مستسلمين جميعاً لنداء الفزع المجهول. وما إن وطأت قدماها مدخل قسم الطوارئ، حتى رأت والد آدم واقفاً في الممر المعقم، ملامحه شاحبة ومحطمة، ويداه ترتجفان بشدة وهو يحاول استيعاب هول الصدمة. بمجرد أن رآها تقترب بخطوات متهالكة وهي تضم طفلتها لصدرها وعيناها تفيضان بالدموع، حتى هرع نحوها بخطوات بطيئة وثقيلة. اقتربت منه إيلا بقلب يقرع كطبول الموت، وبصوت مرتجف ومتقطع بالكاد استطاع الخروج من حلقها: — "عـ... عمي... ماذا حدث؟ كيف حاله؟ أرجوك قل لي إنه بخير!" مد يده بحنان أبوي مكسور ليحاول تهدئة روعها، وبصوت خفيض ومرتجف يغلب عليه الذهول، قال يخبرها بحقيقة ما جرى — "اهدأي يا ابنتي... أرجوكِ. آدم... بحسب ما أخبرونا، كان يقود سيارته بسرعة جنونية وهستيرية وكأنه فاقد للوعي تماماً بما حوله، حتى انحرفت السيارة به واصطدمت..." وقعت الكلمات على أذنيها كالصاعقة. شعرت أن الأرض تمور من تحت قدميها
مرّت ساعات الليل الثقيلة وكأنها دهور طويلة؛ صمت مطبق يلف أرجاء الشقة، ولم يُسمع أي حس لآدم. طوال تلك الليلة القاسية، وجدت إيلا نفسها رهينة لتناقضات مرعبة تمزق صدرها من الداخل. كانت تحاول جاهدة أن ترتدي درع كبريائها المجروح، مرددة لنفسها بقسوة إنها لا تهتم، وإنها اختارت طريق النجاة. لكن، كلما سكن الليل واشتد وحشة، كان شعور فادح بعدم الأمان يطوقها من كل اتجاه. تارة تشتعل غضباً وحقداً على غموضه، وتارة أخرى تجد نفسها تتلفت في زوايا الغرفة بخوف، يغمرها إحساس غريب ومحطم برغبة عميقة وجنونية في أن يعود آدم... أن يفتح الباب ويدخل لتشعر بالدفء الذي افتقدته.كانت تحارب تلك المشاعر باستماتة، تدفن وجهها في وسادتها لتكتم شهقات الندم، وتجاهد لتتجاهل صوت قلبها. لكن صراعها انقطع فجأة مع إشراقة الساعات الأولى، تحديداً حين اخترق سكون الليل المطبق رنين هاتفها المحمول بجانبها.انتفضت إيلا بفزع، وتلفتت إلى الشاشة المضيئة. رأت اسمه يزين الشاشة؛ "آدم".توقف قلبها لثوانٍ معدودات، وتدفقت في عروقها مشاعر متضاربة من اللهفة والغضب. تناولت الهاتف بيديْن ترتجفان، وبصوت محمل بكل قسوة العالم التي حاولت تصنعها لتخفي خ
أشرقت شمس اليوم التالي بضوء شاحب يخترق زجاج الشقة الساكنة. لم يكن الصمت الذي يلف المكان عادياً، بل كان صمت العاصفة التي تسبق الانهيار. وقفت إيلا في منتصف الصالون، ملامحها جامدة تحفرها مسحة عميقة من الإنهاك، بينما عيناها المحمرتان تحملان ثقل ليلة كاملة من الأرق والدموع المكتومة. وما إن رآها آدم حتى اقترب بخطوات مترددة، محاولاً مد يده ببطء نحوها؛ ذلك الجمود الذي لطالما كان درعه ضد الخوف من القرب، قبل أن يغيره عشقه الخفي لها طوال أشهر حملها بصمت قاتل. لكنها تراجعت خطوة للوراء بخطوات متثاقلة، مانعة إياه من الوصول إليها. رفعت عينيها الممتلئتين بكسر لا يترمم، وقالت بصوت خافت ومبحوح يقطر ألماً: — ”يجب أن ننفصل." ترددت الكلمة في الصباح الساكن كصاعقة مدوية. انتفض آدم، وتهاوى ذلك الجمود القديم في ثوانٍ معدودات. تسلل التوتر والهلع إلى ملامحه، فتقدم بخطوات واسعة وعصبية، ومد يده ليطبق بحركة قوية ومرتجفة على خصرها محاولاً منعها من الابتعاد، ليهتف بصوت خفيض يخنقه الاختلاج والرجاء: — "انفصال! أنتِ لا تعرفين الحقيقة... أقسم .. أقسم لكِ أن هناك حقيقة لكل ماترينه لكنني لا أستطيع البوح بها الآن!" ت
تسمّر آدم في مكانه، وتوقفت أنفاسه في صدره، وانسحب اللون تماماً من وجهه. أدرك أن الكارثة قد وقعت بالفعل؛ فبينما كان يحاول حراسة الباب ومنع اصطدام العالمين، جاء الصوت من الداخل ليحطم كل جدران الحماية التي بناها طوال الليل. لم تكتفِ إيلا بالنداء الخافت؛ فمع تفتح عينيها المتعبتين على واقع غرفتها، والحرارة التي ما زالت تسري بوهن في عروقها، تناهى إلى سمعها صوت الهمس الخارجي في الممر. استندت على مرفقها ببطء، وجمعت آخر قواها المبعثرة، ثم دفعت باب الغرفة بخطوات بطيئة لتفتحه أكثر وتخرج إلى الممر. وهناك، كانت الصدمة الكبرى تتربص بها؛ ريما تقف بتعب وإرهاق واضحين، وبجانبها آدم. التقيت عينا إيلا بآدم مباشرة، وهناك، في تلك النظرة الهادئة والعميقة التي رماها بها، رأى كل معاني الوجع والخذلان مجتمعة. لم تكن تصرخ، ولم تكن تبكي، بل كانت نظرة واحدة قاتمة ومحملة بكسر لا يمكن ترميمه، نظرة تلخص كل الحقيقة دون حرف واحد. وما إن وقعت عيناه على وجهها الشاحب ونظرتها تلك، حتى انتاب آدم ذعر جنوني وتوتر صاعق؛ تناسى تماماً وجود ريما أو أي شيء آخر في العالم، وتركها مكانه ليهرول نحو إيلا بلهفة وخوف طاغٍ، كمن يحاول
حملها آدم بحذر شديد وكأنها قطعة زجاج مهددة بالانكسار في أي لحظة. خرج بها من الحمام بخطوات متثاقلة، متوجهاً مباشرة إلى غرفة النوم. كان جسدها المحموم يبعث حرارة لا تطاق، بينما رأسها مستند بثقل على كتفه، وأنفاسها المتقطعة تكاد تكون معدومة. مددها على الفراش الواسع برفق بالغ. وقف لثوانٍ معدودات يتأمل وجهها الشاحب والمحمر بفعل الحمى، قبل أن يقترب بخطوات حذرة وبطء شديد لتبديل ثيابها المبللة بأخرى قطنية ومريحة وهي نائمة وغارقة في سباتها العميق. كان يتحرك بعناية فائقة وخوف ألا يزعجها أو يوقظها من استسلامها المتعب، ممسكاً بملابسها بيديْن ترتجفان رعباً وقلقاً حتى انتهى من تغطيتها باللحاف الدافئ. جلس بعدها بجانبها على حافة السرير، وأحضر كمادات الماء البارد محاولاً خفض حرارتها المرتفعة. وبينما كان يمرر منشفة مبللة على جبينها، ترددت في أذنيه كصداء موجع كل كلمة رددتها قبل أن تغفو: ضرباتها الضعيفة على صدره، دموعها الحارقة، وصوتها المبحوح وهي تصرخ به باهتزاز: *"ابتعد... لا تلمسني... أنت سيء يا آدم... لا أريـدك..."* عضّ آدم على شفته السفلى حتى كاد يدميها، وتكاثرت الغصة في حلقه وهو يعلم أن طعناتها







