INICIAR SESIÓNكاسيو رافيلي
قبل بضع ساعات
كان بإمكانها أن تغادر غرفة إيلين، لكن الإحساس كان أنها ما زالت هناك، عالقة في الهواء، كأن حضورها التصق بالجدران. مزعج. مثير للضيق. متطفل.
يكاد يكون كأنها تتربص، جاهزة للعودة ومواجهتي من جديد.
هل كانت برانكا تؤمن حقاً أنني سأبتلع قصتها بأنها لا تعرف من أنا؟ اسمي يتداول يومياً في العناوين الوطنية، وسائل التواصل، المنتديات القانونية. من المستحيل ألا يصادفه المرء. كان ينبغي أن تعيش تحت صخرة حتى لا تعرفه.
في البار، كانت تلك الوقفة منها قد أثارت فضولي. أما اليوم، فإن الوقفة ذاتها أشعلت غضبي فقط.
كأنها تؤمن بأنها تعرف عن ابنتي أكثر مما أعرف أنا. كأن لديها أي سلطة للدخول إلى حياة إيلين بهذه الطريقة.
نظرتُ إلى طفلتي. كانت تنام بهدوء، تتنفس كما لم تتنفس منذ اليوم الأول للإدخال. كل ذلك بسبب تلك المرأة التي غنت لها. احتضنتها. هدأتها كأن الأمر أبسط شيء في العالم. كأنها تحتل مكاناً لم ينتمِ يوماً إلى أحد.
كان سخيفاً أن أظل غاضباً، أن أكون قد فقدت السيطرة أمامها. سخيفاً أنها واجهتني دون أن تحوّل بصرها، كأنني لستُ من أنا.
وربما الأكثر إثارة للغيظ هو هذا: برانكا لم تكن تخافني.
«لكنني سأعلّمها أن تخاف.»
أمسكتُ بالهاتف. كتبتُ كلمات قليلة.
«أنتِ تعرفين ما يجب فعله. افصليها الآن.»
أرسلتُ.
كانت كلارا مدينة لي كثيراً. منذ الوقت الذي مرض فيه زوجها، موظفي، وكنتُ أنا من تحمّل تكاليف كل الدواء اللازم. وصلتُ متأخراً جداً لإنقاذه، لكنني لم أصل متأخراً لأتحمل الدين الذي تحمله منذ ذلك الحين.
وأنا دائماً أقبض ما يُدين لي به الناس.
وضعتُ الهاتف في جيبي وعدتُ أنظر إلى ابنتي، محاولاً استعادة التوازن الذي يمكنني الآن امتلاكه. بقلب جديد لم أعد بحاجة إلى القلق على فقدان طفلتي. الآن هي بخير.
بعد دقائق قليلة، فتحت إيلين عينيها. كانت لا تزال ضعيفة، لكنها تفاعلت عندما لاحظت غياب برانكا.
— بابا…
ذبلت.
— أين الخالة برانكا؟
انطبق فكي.
— لقد ذهبتْ يا بنيتي. ولن تعود.
امتلأت عيناها بالدموع فوراً. وبدأت الدموع تنهمر دون جهد كبير.
— بابا… لا! أريدُها! هي الوحيدة التي تهدئ قلبي… يؤلمني بدونها. أحضرها لي يا بابا.
بقيت كلماتها في رأسي كلكمة.
— يا حبيبتي، الأمر ليس هكذا. أنتِ فقط حساسة، سنجد شخصاً يستطيع الاهتمام بكِ حقاً و…
— لا أريد. أريدُها هي. هي تحبني، هي تغني لي. من فضلك يا بابا، أريد الخالة برانكا. اتصل بها… اتصل بها… قلبي سيعود يؤلمني إذا لم تبقَ هنا…
تنفستُ بعمق متوتراً. لم أستطع أن أسبب أي مشكلة لزرع ابنتي.
سأضطر إلى التنازل عن كبريائي لبضعة أيام حتى أتمكن من إبعاد هذه المرأة نهائياً عن حياتي.
أمسكتُ بالهاتف مرة أخرى، وأنا أشعر بالغضب والإرهاق يختلطان.
— كلارا، أين أنتِ؟ أحتاج معروفاً.
تأخر الرد.
— أنا في غرفة الأطباء. تعالَ إلى هنا.
نظرتُ مجدداً إلى إيلين التي ما زالت تبكي، وأمسكتُ بيدها.
— سأتحدث مع برانكا… سأرى ماذا أستطيع فعله.
— لا تشاجر معها يا بابا. يجب أن تكون لطيفاً معها، مثلما تكون معي.
عضضتُ داخل فمي، عارفاً أن ذلك مستحيل.
مشيتُ إلى المكان الذي أشارت إليه كلارا فوجدتُها جالسة على الكرسي الأخير. مررتُ بالباب وأغلقته بالمفتاح حتى لا نفاجأ.
— لديّ مهمة لكِ — قلتُ بجدية.
— مهمة أخرى؟ يكفي أنني سأفصل أفضل موظفة لديّ، ماذا تريد أكثر؟
— أريدكِ أن تقنعي تلك المرأة بالعمل لديّ.
— ماذا؟ مستحيل. إنها تكرهكَ.
— إذن لا تقولي إنه لي، قولي فقط إنه لمعروف. سأتولى أمرها لاحقاً.
— لا أستطيع يا سيد رافيلي، هذا غير أخلاقي.
ضيّقتُ عينيّ.
— غير أخلاقي هو ما فعلته لأكتشف ثمنكِ. مئتي ألف دولار، أليس كذلك؟
اتسعت عيناها.
— كيف… كيف عرفتَ ذلك؟
— أنا دائماً أعرف. وإذا فعلتِ ما أطلبه، سيكون المبلغ في حسابكِ اليوم نفسه.
— هذا سيدمر مسيرتي إذا علم أحد…
— لن يعلم أحد إلا إذا أنتِ أخبرتِ.
تنفست كلارا بعمق. كانت ترتجف.
— أنتَ تبتزني.
— أنا أقدم لكِ حلاً. خذي أو اتركي. إذا أردتِ حل مشكلة السكن… اجعلي برانكا مربية ابنتي.
برانكاأتممتُ للتوِّ ٨٠ عاماً من عمري.مستلقيةً على مقعد الاسترخاء القديم الخاص بي، في حديقة المنزل الذي بنيناه كاسيو وأنا منذ عمر كامل، أراقب الضوء الذهبي لأصيل المساء وهو يتسلل بين الأشجار. تلاعب الرياح الأغصان برقة، حاملةً معها عطر الياسمين الحلو الذي غcandidateته عندما كانت إيلين لا تزال طفلة صغيرة تركض حافية القدمين في الفناء.يبدو الأمر أحياناً كأنه حدث بالأمس. وفي أحيان أخرى، يبدو كأنني عشتُ ألف حياة.بجانبي، على الطاولة الخشبية الصغيرة، تروي صور قديمة قصتنا دون حاجة إلى كلمات. وجوه باسمة. غمرات تجمدت في الزمن. لحظات أبت أن تتلاشى.الحب. الفقدان. البدايات الجديدة.أمرر أصابعي فوق إحدى الصور وأشعر بصدري ينقبض بحنان قديم.أتذكر اليوم الذي فقدتُ فيه بيدرو الخاص بي. كان الألم عميقاً جداً لدرجة أنني ظننتُ أنني لن أستطيع التنفس بعده أبداً. لكن الحياة، بعنادها السخي، وجدت طريقة لتعيد إليّ قطعة منه.ثم وصلت إيلين.أولاً كطفلة صغيرة كسبت قلب ابني. ثم كابنة غمرت قلبي أنا.رأيتُها تقاتل من أجل الحياة منذ أن كانت في سن الـ ٦ من عمرها. رأيتُ قوتها عندما بدا أن العالم يريد الإطاحة بها. رأيتُ
صوفيالقد مرّ عام وثمانية أشهر منذ بدأت الأمور تستقيم.كنتُ قد قررت أخيراً: أريد دراسة الهندسة المعمارية. التحقت بالجامعة، وانغمست في دراستي واكتشفتُ أنها بالضبط ما أحبه. الآن، كنت في عطلة، وقررت العائلة بأكملها القيام برحلة للاحتفال بالحياة التي أعدنا بناءها. اخترنا شاطئاً ساحراً في فلوريدا، رمال بيضاء، بحر فيروزي، وأشجار جوز هند تتمايل مع النسيم. مكان بدا وكأنه خرج من حلم.تمكن رانجيل من الحصول على إجازة في نفس الفترة وجاء معنا. أصبح هو وفيليبي الآن يتفاهمان بشكل حقيقي. لا يزال أخي يقطب حاجبيه من حين لآخر، لكنه يرى مدى السعادة التي يمنحني إياها رانجيل، وبدأ يتقبله تدريجياً.أما والدي، الذي كان لديه تحفظاته أيضاً، فقد تقبل علاقتي أسرع من أخي الغيور. ورغم كل المشاكل التي كان يواجهها، بالإضافة إلى طفله الصغير وزوجته التي كانت في مرحلة التعافي، كان يعشق إبداء رأيه في علاقتي.— المكان هنا رائع، همستُ، فنظر إليّ رانجيل بابتسامة حنونة.كنا نمشي على الشاطئ في وقت متأخر من بعد الظهر، أنا وهو فقط. كانت الشمس تغرب في الأفق، وتصبغ السماء بالبرتقالي والوردي والذهبي. كانت الرمال دافئة تحت أقدامنا
فيليبيمرّ شهران منذ خروجنا من المشفى.شهران من التعافي البطيء، من الليالي التي قضيناها مستيقظين مع "بيدرو"، من استعادة إيلين لقوتها يوماً بعد يوم. اليوم، أخيراً، كان يوم زفافنا.كانت الحديقة التي اخترناها صغيرة، حميمية، ومثالية. كانت شمس الخامسة عصراً تلون كل شيء بذهبي ناعم، تتسلل بين الأشجار لتضيء الزهور البيضاء والوردية الفاتحة بتفاصيلها الصفراء الشاحبة التي تزين المكان. لا مبالغة. لا فخامة. فقط نحن، وعائلتنا، والحب الذي كدنا نفقده.كنت واقفاً أمام المذبح الخشبي الصغير والبسيط، وقلبي يخفق بقوة. كان "أندريه"، والدي، يقف بجانبي واضعاً يده على كتفي.— تنفس يا بني. ستظهر قريباً.ابتسمت بتوتر، وأعدت تعديل ربطة عنقي للمرة العاشرة.— أعلم. لكن... بعد كل ما مررنا به، يبدو الأمر وكأنني إذا رمشت، قد تختفي.ضغط على كتفي بحنان.— لن تختفي. لن تفعل ذلك بك أبداً. أخيراً تحققون حلمكم. كانت هناك اختبارات كثيرة للوصول إلى هنا، لكن أخيراً استقام كل شيء.بدأ الإشبينات والإشبين يدخلون. دخلت "صوفيا"، جميلة في فستانها الوردي الفاتح، وهي متشابكة الأذرع مع "لوتشيانو". وجاءت "سيرينا"، مشرقة، مع "تالس". ابت
إيلينكنتُ لا أزال ضعيفة، لكنني مستيقظة.انتشر الخبر بسرعة. وفي أقل من ساعة، كانت غرفة العناية المركزة محاطة بعائلتي بأكملها. والداي، لايس وأندريه، سيرينا، صوفيا، رانجيل... جميعهم هناك، بعيون حمراء وابتسامات ترتجف.دخلت الدكتورة هيلينا برفقة ممرضة، تنظر إلى الجميع بابتسامة متعبة، لكنها تحمل ارتياحاً.— إيلين تتعافى بشكل جيد. العلامات الحيوية مستقرة. سننقلها إلى غرفة عادية قريباً، لكننا سنبقيها تحت مراقبة دقيقة لبضعة أيام أخرى.تنفس الجميع الصعداء. ضغطت أمي على يدي، تبكي بصمت.— بفضل الله، يا ابنتي... بفضل الله.ترددت الطبيبة لثانية، وهي تنظر إليّ وإلى فيليبي.— أحتاج للتحدث عن شيء مهم. تنفست بعمق. خلال العملية القيصرية الطارئة، عانت إيلين من نزيف حاد جداً. كاد قلبها لا يتحمل الحمل. حين بدأ النزيف، انهار جسدها. نجحنا في إنقاذ حياتها، لكن حدثت أضرار دائمة في الرحم. حتى لو كان القلب سليماً تماماً، فإن حملاً آخر لن يكون ممكناً. خطر التمزق والنزيف عالٍ جداً. أوصي، من أجل سلامتك، أن يخضع فيليبي لعملية قطع القناة الدافقة، أو أن تستخدمي وسائل منع حمل أقوى.حلّ الصمت للحظة.رمشتُ بعينيّ، مستوع
إيلينعندما فتحتُ عينيّ، كان العالم ضبابياً.كان أول ما شعرتُ به هو الثقل في صدري، لم يعد ذلك الألم الخانق، بل ضعفاً عميقاً، كأن جسدي قد خاض حرباً وألقى السلاح أخيراً. رمشتُ ببطء. كانت الأضواء خافتة، وصوت أجهزة المراقبة متواصلاً. عناية مركزة. عرفتُ رائحة المطهر وصوت أجهزة المراقبة البعيد.ثلاثة أسابيع. هذا ما أخبروني به لاحقاً. ثلاثة أسابيع بين الحياة والموت، أدخلُ في نوم ثقيل وأخرج منه، بينما كان قلبي يصارع ليواصل النبض.أدرتُ رأسي ببطء، وكان هناك.فيليبي.جالسٌ على المقعد بجانب السرير، مائل للأمام، مرفقاه مستندان على ركبتيه ووجهه مدفون بين يديه. كان... محطماً. لقد فقد الكثير من وزنه. كانت الهالات تحت عينيه عميقة، تكاد تكون أرجوانية. لحيته طويلة، وشعره أشعث. بدا وكأنه تقدم في العمر سنوات خلال بضعة أسابيع.قلبي، الذي بدا وكأنه يعيد تعلم كيفية النبض، انقبض بطريقة مختلفة تماماً.— في... ناديتُه، بصوت أجش وضعيف.رفع رأسه فجأة. وحين التقت عيناه بعينيّ، رأيتُ اللحظة الدقيقة التي انكسر فيها.— إيلين...؟انقطع صوته. نهض بسرعة لدرجة أنه كاد يقلب المقعد وسقط على ركبتيه بجانب السرير، ممسكاً بيد
فيليبيبعد دقائق بدت وكأنها دهر، وجهنا ممرضان بلطف كان أشبه بالقسوة:— سنأخذكم إلى قاعة انتظار العائلة. إنها أكثر راحة. يمكنكم البقاء هناك ريثما ننتظر الأخبار.بالكاد كنت أستطيع المشي. بدت قدماي ثقيلتين، كأن الأرض تريد سحبي إلى الأسفل. قادونا عبر ممر طويل وبارد إلى غرفة محجوزة بها أرائك مهترئة وآلة قهوة لم يجرؤ أحد على لمسها. جلستُ لثانيتين ثم نهضت مجدداً. كنت أروح وأجيء كحيوان في قفص، يداي على رأسي، وصدري منقبض لدرجة أن كل زفير كان مؤلماً.لم يمر الوقت. كل ثانية كانت عذاباً بطيئاً، سكيناً تدور في معدتي. كنت أتخيل إيلين وحيدة في تلك الغرفة، شاحبة، تكافح من أجل التنفس، تكافح من أجل الحياة. وأنا هنا، عاجز، أنتظر.أخيراً، بعد ثلاث ساعات جحيمية، ظهرت الدكتورة هيلينا عند الباب، وجهها جدي. وقف الجميع دفعة واحدة.— إنها مستقرة، قالت دون مقدمات. نجحنا في السيطرة على النزيف، لكنها فقدت الكثير من الدم. سنحتاج إلى تبرع عاجل. من يستطيع التبرع، يرجى التقدم الآن.استعدت العائلة بأكملها فوراً. والدي، كاسيو، رانجيل، أنا... ذهبنا جميعاً لإجراء الفحوصات. وبينما كنا ننتظر النتيجة، تابعت الطبيبة بصوت خاف







