أطياف خاملة (Idle Shadows)

أطياف خاملة (Idle Shadows)

This is a 《ذكاء اصطناعي》 fanfiction

last updateLast Updated : 2026-08-27
By:  ZikostrasUpdated just now
Language: Arab
goodnovel16goodnovel
Not enough ratings
24Chapters
5views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

تتقاطع طرق "زين"، مهندس البيانات الغامض ذي الماضي المثقل بالأسرار، و"ميار"، الصحفية الاستقصائية الشجاعة التي تسعى لكشف الحقيقة وراء اختفاء والدها. تبدأ الأحداث عندما يكتشف الاثنان وجود شبكة إجرامية منظمة تعتمد على الابتزاز الرقمي وتخترق أعلى المستويات للتحكم ببيانات ومعلومات أشخاص نافذين. بينما يحاول الثنائي فك شفرات قضية معقدة تتجاوز حدود الجريمة التقليدية، يجدان أنفسهما محاصرين بين مطاردات خطيرة، وتهم مفبركة تسعى لإسكاتهما، وخيانات غير متوقعة من أقرب المقربين. في وسط هذه أجواء التشويق والسباق مع الزمن، تنشأ بينهما رابطة قوية ومعقدة تختبر معاني الثقة والتضحية، وتجبرهما على مواجهة ماضيهما المظلم قبل أن تبتلعهما الظلال.

View More

Chapter 1

زاوية المكر

لم تكن الساعة السادسة مساءً في العاصمة سوى شارة البدء لزحام خانق يُغرق الشوارع في ضوضاء لا تنتهي، لكن بالنسبة لـ "زين"، كانت الساعة الثامنة وأربع وأربعون دقيقة هي التوقيت الوحيد الذي يستحق المتابعة والاهتمام.

جلس زين في الزاوية الأكثر عتمة داخل مقهى خافت الأضواء متوارٍ عن الأنظار في أطراف الحي القديم. كان الوميض الأزرق الخافت الصادر من شاشة حاسوبه المحمول يضيء الجزء الأيسر من وجهه صاحب الملامح الحادة والعينين الرماديتين التين تعكستان إرهاقاً أعمق من مجرد سهر ليلة واحدة. تتوالى أسطر البرمجة المعقدة أمامه بسلاسة لتتبع حزم بيانات مشفرة أُرسلت عبر الشبكة المظلمة قبل دقائق معدودة. بالنسبة لشاب في السادسة والعشرين من عمره يعمل كمحلل بيانات، كانت الأرقام والخوارزميات المشفرة أكثر منطقية، ووضوحاً، وأماناً من التعامل مع البشر.

كان المطر بالخارج يطرق الزجاج الكبير بإيقاع متسارع، يغسل أضواء النيون الباهتة المحيطة بالشوارع الغارقة في الضباب. عدّل زين وضعية سماعاته اللاسلكية دون أن يرفع عينيه عن الشاشة، متابعاً مسار الشفرة التي صممها بنفسه لفك حماية خادم مغلق يتبع لإحدى الجهات المالية المجهولة. بالنسبة للعالم الخارجي، هو مجرد موظف هادئ يعمل في شركة استشارات تقنية، لكن في هذا الوقت من الليل، تحكمه رغبة هادئة في كشف الثغرات التي يظن أصحاب السلطة أنها غير قابلة للاختراق.

فجأة، تحرك الكرسي الخشبي المقابل له بقوة خفيفة أعادت السكون للمكان.

رفعت فتاة ترتدي معطفاً مطرياً أسود قبعتها للوراء، واضعة كوباً سفرياً من القهوة على الطاولة الخشبية دون استئذان. ألقت نظرة خاطفة على الشاشة المليئة بالأكواد، ثم خاطبته بصوت خفيض ونبرة واثقة لا تخلو من تحدٍّ واضح:

"إذا واصلت استخدام هذه البوابة المشفرة دون تغيير الـ IP المباشر عبر عقدة وهمية، سيتتبعون موقعك خلال أربع دقائق تقريباً.. وتحديداً إلى هذه الطاولة بالذات."

أغلق زين الشاشة نصف إغلاقة ببطء، ونظر إليها بملامح ثابتة خالية من المفاجأة، متفحصاً الوجه الحاد والعيون العسلية التي تنضح بفضول لا يُخطئه أحد: "تأخرتِ دقيقتين كاملتين يا ميار. وكان من المفترض وفق اتفاقنا أن ترتدي شيئاً أقل لفتاً للانتباه من معطف صحفي يلاحق المتاعب."

سحبت ميار — الصحفية الاستقصائية ذات الأربع وعشرين عاماً — ملفاً ورقياً أسود سميكاً من حقيبتها الجلدية، ودفعت به ببطء عبر الطاولة الخشبية حتى لامس حافة حاسوبه: "هذا ما طلبته منا طوال الأسبوع الماضي. وثائق التحقيق الأخيرة المتوفرة في الأرشيف المغلق.. ولكن قبل أن تمد يدك وتفتحه، عليك أن تخبرني بصراحة: ما الذي يربط مهندس حسابات ومعلومات مثلك بقضية اختفاء صحفي قبل ثلاث سنوات؟"

توقف زين عن الحركة تماماً، واستقرت أصابعه على غلاف الملف الخشن. لم تكن ميار تبحث عن مجرد سبق صحفي آخر يُضاف إلى سجلها، بل كانت تجلس أمامه وبداخلها دافع شخصي محترق؛ كانت تبحث عن أي خيط مفقود قد يوصلها للحقيقة الغائبة وراء اختفاء والدها الصحفي الشهير "كمال"، الذي غاب عن المشهد في ظروف غامضة تماماً دون ترك أي أثر خلفه.

نظرت إليه ميار بجدية أعمق، مسترسلة: "والدي لم يكن يغطي أخبار الجريمة العادية أو الحوادث اليومية يا زين. كان يتتبع خيطاً يتعلق بتسريب بيانات شخصية لآلاف المواطنين، وتحديداً أولئك الذين يعملون في القطاعات الحساسة والمراكز السيادية. الملف الذي يدك عليه الآن هو آخر ما ترك قبل أن يتلقى مكالمة ويختفي من مرآبه."

فتح زين الملف الأسود ببطء ودون أن يجيب فوراً، لتظهر صفحات مطبوعة بدقة مليئة بأرقام حسابات، وإحداثيات جغرافية، وقائمة طوال لأسماء شخصيات نافذة في الدولة. وفي أسفل الصفحات، كُتبت عبارة بخط يد ملطخ بالمداد الأزرق: «الهدف القادم ليس مجرد شخص... بل نظام كامل».

التقط زين لقطة خاطفة للتوتر المرتسم على وجه ميار. أدرك في تلك اللحظة أن تحالفهما الاضطراري ليس مجرد تقاطع مصالح عابر، بل بداية لانزلاق إلى شبكة أعمق مما تخيله كلاهما.

وقبل أن ينطق أحدهما بكلمة أخرى، انشقت الهالة الهادئة للمقهى؛ إذ انطفأت جميع الأضواء بالكامل، وهبط ظلام دامس على المكان مصحوباً بصوت طنين كهربائي منخفض.

حلّ صمت مفاجئ ثقيل ساد المقهى، لم يقطعه سوى صوت رنين حاد صادراً من هاتف ميار الموضوع فوق الطاولة. أضاءت الشاشة برقم غير مسجل كلياً، وتلتها مباشرة رسالة نصية قصيرة ظهرت في إشعار القفل:

«الملف الذي بين أيديكما... يحوي تاريخ وفاتكما. أمامكما تسعون ثانية للمغادرة.»

تسارعت أنفاس ميار وهي تتطلع إلى الشاشة المضيئة بنص التهديد، لكن زين بادر بسحب حاسوبه المحمول وسلسلة مفاتيحه بلمسات سريعة ومنظمة، ثم التفت إليها بملامح حازمة ونبرة صارمة لم تعتدها منه: "احزمي حقيبتك فوراً ودون أصل أي تساؤل. اللعبة لم تعد مجرد جمع وثائق أو تحقيق صحفي... لقد بدأوا الملاحقة المباشرة بالفعل."

خرج الثنائي إلى الشارع المظلم تحت تساقط المطر الغزير، يلفهما الغموض وخطر خطوات قادمة من بين الأزقة، معلنة رسمياً افتتاح الفصل الأول من معركة لا يمكن الانسحاب منها.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
24 Chapters
زاوية المكر
لم تكن الساعة السادسة مساءً في العاصمة سوى شارة البدء لزحام خانق يُغرق الشوارع في ضوضاء لا تنتهي، لكن بالنسبة لـ "زين"، كانت الساعة الثامنة وأربع وأربعون دقيقة هي التوقيت الوحيد الذي يستحق المتابعة والاهتمام.جلس زين في الزاوية الأكثر عتمة داخل مقهى خافت الأضواء متوارٍ عن الأنظار في أطراف الحي القديم. كان الوميض الأزرق الخافت الصادر من شاشة حاسوبه المحمول يضيء الجزء الأيسر من وجهه صاحب الملامح الحادة والعينين الرماديتين التين تعكستان إرهاقاً أعمق من مجرد سهر ليلة واحدة. تتوالى أسطر البرمجة المعقدة أمامه بسلاسة لتتبع حزم بيانات مشفرة أُرسلت عبر الشبكة المظلمة قبل دقائق معدودة. بالنسبة لشاب في السادسة والعشرين من عمره يعمل كمحلل بيانات، كانت الأرقام والخوارزميات المشفرة أكثر منطقية، ووضوحاً، وأماناً من التعامل مع البشر.كان المطر بالخارج يطرق الزجاج الكبير بإيقاع متسارع، يغسل أضواء النيون الباهتة المحيطة بالشوارع الغارقة في الضباب. عدّل زين وضعية سماعاته اللاسلكية دون أن يرفع عينيه عن الشاشة، متابعاً مسار الشفرة التي صممها بنفسه لفك حماية خادم مغلق يتبع لإحدى الجهات المالية المجهولة. با
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
ظلال تحت المطر
كانت قطرات المطر المتساقطة بكثافة أشبه بشظايا زجاجية تضرب أرقف الخشب وأسفلت الشارع المظلم، مما أضفى على أزقة الحي القديم طابعاً مجهولاً ومرعباً. خرج زين وميار من الباب الخلفي للمقهى بسرعة محشوبة، يتفاديان الأضواء الخافتة لشهب السيارات المارة على المسار الرئيسي.كان قلب ميار يدق في صدرها بطبول متسارعة، وصوت أنفاسها المترددة يختلط بصوت المطر. نظرت خلفها أكثر من مرة، بينما كان زين يسير بخطوات ثابتة وسريعة، متمسكاً بالحقيبة التي تضم حاسوبه والملف الأسود تحت معطفه لضمان عدم وصول الماء إليهما."إلى أين نحن ذاهبان؟" سألت ميار بصوت حذر يتخلله صوت المطر، وهي تحاول ملاحقة خطاه الطويلة. "سيارتي مركونة في الشارع الأمامي!"التفت إليها زين بسرعة، وأمسك بذراعها ليوقفها تحت سقف متهالك لأحد المحال المغلقة. كانت عيناه الرماديتان تعكسان ضوء النيون الأزرق البعيد، خالية من أي توتر ظاهري، ولكن بتركيز حدادي."سيارتك هي أول ما سيتحققون منه، يا ميار،" قال بصوت خفيض ونبرة جادة للغاية. "الرسالة التي وصلتك لم تكن تحذيراً عشوائياً، بل إشارة إلى أنهم يعرفون هويتك، وهويتي، وموقعنا بدقة متناهية. العودة إلى سيارتك أو
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
خروج تحت النار
ارتجفت الهياكل المعدنية للمطبعة المهجورة إثر ضربة ثقيلة متتالية سددها اقتحام الخصوم نحو الباب الصلب. كل ضربة كانت ترنّ كالجرس داخل الجدران الخرسانية، محذرة من ثوانٍ معدودة تفصل الثنائي عن الوقوع في قبضة هؤلاء المجهولين.كانت ميار تقف مسمرة لجزء من الثانية، تحكم إغلاق قبضتها على القرص الصلب المشفر الذي ألقاه إليها زين. كانت أنفاسها متسارعة، وتجمدت حواسها أمام منظر المسلسل وكتم الصوت الرمادي في يد زين. لم تكن تتوقع أن يتحول التحقيق الصحفي والأكواد البرمجية إلى مواجهة مسبقة بالأسلحة في أزقة مظلمة."ميار! استيقظي ورافقيني الآن!"جاء صوت زين كالصفعة التي أعادتها إلى واقعها. لم يكن صوته يحمل أي ذرة هلع، بل كان آمراً وواضحاً كبرمجة دقيقة. سحبها من معطفها بقوة خفيفة نحو خلفية الورشة، حيث تتراكم صناديق خشبية وآلات طباعة متهالكة يعلوها الصدأ.ركل زين لوحاً خشبياً يسند إحدى الآلات القتيمة، ليكشف عن فتحة مربعة صغيرة في الأرضية تؤدي إلى نفق تصريف قديم يمتد تحت أحياء المدينة العتيقة."انزلي أولاً،" قال وهو يتفحص شاشة الهاتف المشفر التي بدأت تظهر تنبيهات متتالية تعلن اختراق البوابة الخارجية للورشة.
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
وجه في الضباب
وصل الثنائي إلى نهاية النفق الضيق حيث تلتقي قنوات التصريف بفتحة خرسانية واسعة تطل على ميناء القطارات القديم. كان الهواء في الخارج بارداً وقارساً، يختلط فيه رذاذ المطر المتساقط بغزارة مع رائحة الصدأ والديزل الصادرة من مقطورات بضائع عملاقة مهجورة تقبع تحت أضواء البرج الصفراء الباهتة. كانت الأرضية عبارة عن بحيرة صغيرة من الحصى والمياه الموحلة، تعكس أضواء المدينة البعيدة بشكل مشوش ومحزون.قفز زين أولاً إلى الأرض المبتلة، واهتزت قدماه لفترة وجيزة وهو يستعيد توازنه وسط الحصى المنزلق، ثم مد يده فوراً لميار ليساعدها على النزول من الارتفاع. كانت يدها ترتجف بشدة من شدة البرد والصدمة النفسية التي خلفتها حقيقة والدها، لكن قبضتها على القرص الصلب المشفر ظلت محكمة بشكل أعمى، وكأنها تمسك بالقشة الوحيدة التي تبقيها على قيد الحياة."لا وقت للوقوف أو الاستراحة،" قال زين بصوت خفيض ونبرة يسودها الانضباط الصارم وهو يستكشف الممرات الضيقة بين المقطورات المظلمة. "المنطقة مكشوفة تماماً من الأعلى، وإذا استخدموا طائرات الدرون الصغيرة ذات المسح الحراري والاستشعار الليلي، سنكون أهدافاً سهلة ومشوفة للرصاص في غضون ث
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
شظايا النحاس
استقرت أجسامهم على الأرض المبتلة بالحصى والمياه الموحلة أسفل المقطورة الحديدية، بينما كانت الطلقات المكتومة تطرق الصاج الثقيل للحديد فوقهم بإيقاع مرعب، مخلّفة شرارات نارية تتطاير في ظلام الليل الماطر.كان زين يغطي ميار بجسده، يده اليسرى تحمي رأسها بينما يده اليمنى تحكم القبضة على مسدسه. تنفسهما المتسارع كان الصوت الوحيد المسموع داخل المخبأ الضيق، يختلط برائحة البارود التي انتشرت سريعاً في الهواء الرطب."هل أصابكِ شيء؟" همس زين بنبرة خاطفة وعيناه تتفحصان المساحة المحيطة من بين عجلات المقطورة الضخمة.هزت ميار رأسها بنفي سريع، جثتها ترتجف ليس فقط من البرد والبلل، بل من أثر الرعب الشديد. لكن رغم الخوف، كانت عيناها العسليتان الملطختان بقطرات المطر ترمقان زين بنظرة جديدة؛ نظرة تداخل فيها الشك بالدهشة. الرجل الذي اتهته للتو بالمسؤولية عن ضياع والدها، كان في هذه اللحظة بالذات يغامر بحياته ويدفع بجسده ليكون درعاً لها أمام الموت."الدرون لا تعمل بمفردها،" قالت ميار بصوت يتخلله التهيج والنفس المتقطع. "هناك وحدة توجيه قريبة... المسلحون يحيطون بنا!""صحيح،" أجاب زين ببرودة تحليلية تعود إليه وسط أص
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
ثمن الحقيقة
ترنّح زين على إطار الباب الخشبي العتيق، وكانت يده اليسرى تضغط بصلابة على خاصرته الملطخة بالدماء، بينما يتنفس بصعوبة وصوت نفيثه المجهد يتردد في سكون المستودع المظلم. انزلقت ظلال المطر المتساقط بالخارج على ملامحه الشاحبة، لكن عينيه الرماديتين حافظتا على ثباتهما القاسي رغم الألم المتفجر في جسده.اندفعت ميار نحوه دون تفكير، وتخلت عن كل حذرها وخوفها السابق، لتسنده بكتفها قبل أن تنهار ركبتاه على الأرض الخرسانية الباردة. سقطا معاً بالقرب من صناديق خشبية مغطاة بالقماش المهرئ، وكانت يداها ترتجفان وهي تلمس الدماء الدافئة التي أخذت تتسرب بين أصابعه وتصبغ معطفه الأسود."زين! أنت مصاب... الإصابة بليغة!" هتفت ميار بنبرة ذعرة، والدموع تنهمر رغماً عنها لتختلط بالماء والدم على كفيها."مجرد اختراق سطحي..." قال زين بصوت خفيض ومبحوح، محاولاً كتم معالم الألم ومسح العرق البارد عن جبهته. "الرصاصة مرت بجانب أضلاعي ولم تستقر بالداخل... الدخان أربك قناصهم في اللحظة الأخيرة."أزاحت ميار جزءاً من معطفه وقميصه بلمسات سريعة ومربكة لتفحص الجرح. كانت الجريمة الاستقصائية والتحقيقات الصحفية قد علمتها التعامل مع القضاي
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
الملاذ والمشرط
تسلل الثنائي عبر الأزقة الخلفية المظلمة لمناطق المستودعات، يصارعان الوقت والنزيف الذي بدأ يُنهك جسد زين تدريجياً. كانت خطواته تزداد ثقلاً، وثقله المترامي على كتف ميار يزداد مع كل متر يقطعانه في العتمة، لكن إصرارها المتوقد كان الوقود الوحيد الذي يدفعهما للإمام وسط المطر القارس.وصلت الخريطة المشفرة بهما إلى مبنى متداعي الواجهة، يعلوه لوح صلب صدئ كُتب عليه بخط باهت: «عيادة بيطرية – مغلق». كان المكان يبدو مهجوراً بالكامل منذ سنوات، لكن بمجرد أن اقتربت ميار وضغطت على مزلاج الباب الخشبي، انفتح ببطء مفسحاً المجال لرائحة مطهرات طبية حادة يختلط بها عبق المطاط والحديد.من بين ظلال الغرفة الخلفية، برز رجل ستيني بقامة انحنت قليلاً تحت ثقل السنين، يرتدي مئزراً طبياً ملطخاً بآثار محاليل معقمة، ونظارات طبية سميكة تستقر على أنف حدادي. لم تظهر على وجهه أي علامات مفاجأة لرؤيتهما، بل بادر بإغلاق الباب خلفهما فوراً وقفل القفل الحديدي الثلاثي."تأخرتما كثيراً..." قال الطبيب العجوز بنبرة جافة وهو يتفحص وجه زين الشاحب. "لو انقطعت الشرايين الفخذية لكان هذا المبنى مقبرتكم الأخيرة."أسرعت ميار بمساعدة الطبيب
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
قلعة السيليكون
بعد أن سمعت ميار صوت والدها الذي لم تسمعه منذ مدة انتهى التسجيل الصوتي، واستقر صمت ثقيل في أرجاء العيادة البيطرية المظلمة. لم يكن الصوت مجرد رسالة آتية من الماضي، بل كان بمثابة إعلان وتمحرب صريح على كيان يمسك بخرائط النفوذ والمال في البلاد.كانت ميار تقف مسمرة في مكانها، تتردد أصداء صوت والدها في ذهنها كأنها تجلس معه في مكتبه القديم. انهارت آخر الشكوك التي كانت تسكنها، وحل محلها يقين صارم وصافٍ كالسيف.أما زين، فقد ألقى بجسده المنهك للخلف قليلاً مستنداً إلى الحائط الخرساني، وعيناه مثبتتان على الشاشة المضيئة التي بدأت بعرض مئات المخططات المعمارية والهندسية عالية الدقة."البنك المركزي..." همست ميار وهي تتفحص المخططات المتتالية. "لماذا يضعون السيرفر الرئيسي لمنظمة إجرامية تحت أكثر المباني حراسة في العاصمة؟"أجابها زين بنبرة هادئة ورزينة وهو يضغط بيده على ضمادته الضاغطة: "لأنها الخدعة الكاملة يا ميار. لا يوجد مكان في الدولة يملك منظومة حماية كهربائية، وتشفير بيانات، وحراسة مشددة على مدار الساعة مثل البنك المركزي. بالنسبة للعالم الخارجي، هم يحمون القوافل المالية وأرصده الدولة... لكن في الق
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
خلف القناع الذهبي
كانت أنوار الفجر الباهتة تطبع ظلالاً رمادية على الواجهة الزجاجية الضخمة لمبنى البنك المركزي. المبنى، الشاهق كحصن من الصلب والرخام الأسود، لم يكن مجرد صرح اقتصادي في قلب العاصمة، بل كان أحدث قلعة أمنية تُدار بأعقد أنظمة المسح البيومتري والحراسة المشددة.استقرت سيارة أجرة قديمة عند زاوية الشارع المقابل. خرجت منها ميار وهي ترتدي زياً رسمياً أنيقاً، وتحمل حقيبة كاميرا صحفية وشارة التغطية الإعلامية الخاصة بالمؤتمر السنوي للأمن الرقمي. ورغم الهدوء الذي حاولت تصنعه على وجهها، كان قلبها يدق بانتظام سريع، وعيناها تتفحصان نقاط التفتيش وسيارات الحراسة السوداء المصطافة على طول المدخل الرئيسي.من الجهة الخلفية للمبنى، قرب مدخل الشحن والخدمات اللوجستية، كان زين يتحرك بين العمال الذين ينقلون معدات الصوت والشاشات. كان يرتدي زي الفنيين الأزرق الداكن، وقد ضغط وشاحاً طبيّاً تحت قميصه ليشد على جرحه المفتوح جزئياً. كان وجهه شاحباً، لكن نبرته وعينيه كانتا حاضرتين بصلابة حاسوبة.وضع زين سماعة لاسلكية دقيقة في أذنه، وأجرى اختباراً خفيفاً للصوت: "ميار... هل تسمعينني؟"عدلت ميار طرف شعرها لتخفي السماعة المثبتة
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
حبس الأنفاس
تجمدت دماء ميار في عروقها، وظلت يداها معلقتين في الهواء على بعد سنتيمترات قليلة من السلك الأزرق. أدارت رأسها ببطء شديد والأكسجين يتهرب من رئتيها، لتجد حارساً ضخم الجثة يرتدي زياً تكتيكياً أسود ويحمل مسدساً موجهاً مباشرة إلى منتصف جبهتها. كان قناع وجهه القماشي يستتر خلفه رجل متمرس، وعيناه النافذتان لا تحملان أي ذرة تردد أو تساهل.من خلال السماعة اللاسلكية الدقيقة المثبتة في أذنها، كان زين يستمع إلى سكون الممر المفاجئ وصوت المفاعل الصادر عن احتكاك جزمة الحارس التكتيكية بالأرضية الخرسانية. صرخ بصوت خفيض ومرتعد عبر الميكروفون المشفر: "ميار! ماذا يحدث لديكِ؟ أجيبي فوراً ولا تتحركي!"لم تستطع ميار الرد بصوت واضح ومباشر حتى لا يكتشف الحارس وجود السماعة اللاسلكية ويقتلعها. رمقت الحارس بنظرة هادئة تتصنع بها الخوف والارتباك الأنثوي، ثم رفعت نبرة صوتها لتجعل كلامها مسموعاً عبر السماعة وتصل الرسالة كاملة إلى زين: "أرجوك لا تطلق النار! أنا مجرد صحفية ضللت الطريق أثناء البحث عن دورة المياه الخاصة بالطابق الفني! لا داعي لشهر السلاح بوجهي بهذه الطريقة المرعبة!"اقترب الحارس بخطوات ثقيلة ومحسوبة، وقبض
last updateLast Updated : 2026-08-21
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status