ANMELDENلم يبدأ صباح رائد بهدوء هذه المرة. كان مستيقظًا قبل الجميع، واقفًا أمام شاشة كبيرة في مكتبه المنزلي، يراجع الخرائط التي أخذها معه من الموقع. كانت الملاحظة التي تركها سامر بالأمس لا تزال تشغله؛ مسار التصريف القديم لم يكن مجرد خط صغير على خريطة مهملة، بل كان يمتد أسفل جزء من المنطقة المخصصة لأحد المباني الرئيسية.دخلت أسيل الغرفة وهي تحمل ليان بين ذراعيها، بينما كان سيف يمشي خلفها وهو يحاول ارتداء حقيبته في الوقت نفسه.قال رائد دون أن يلتفت: "استنى، إنت رايح المدرسة ولا داخل سباق؟"ضحك سيف: "متأخر."اقترب رائد منه، أغلق الحقيبة جيدًا وعدل سترته."كده تبقى جاهز."ثم نظر إلى أسيل، فتوقفت للحظة."صباح الخير."ابتسم لها."صباحي بدأ دلوقتي."هزت رأسها وهي تحاول ألا تضحك.قال سيف: "بابا، إنت بتقول لماما نفس الكلام كل يوم."رد رائد: "وأقولها كل يوم عادي."بعد أن خرج سيف إلى المدرسة، حمل رائد ليان قليلًا، فوضعت الصغيرة يدها على قميصه وظلت تنظر إلى وجهه.قال رائد: "صباح الخير يا ليان."ابتسمت أسيل وهي تراقبه."بقيت بتعرف تهديها بسرعة.""أنا أبوها.""يعني أنا إيه؟"نظر إليها بمكر."إنتِ صاحبة الم
لم ينتهِ يوم رائد بسهولة. بعد ساعات طويلة في الموقع، عاد إلى مكتبه لمراجعة الخرائط التي تركها سامر، بينما كان عمر وآدم يتابعان معه بعض التفاصيل التنفيذية. كلما ظهرت مشكلة، وجد لها حلًا، لكن ذهنه كان يعود إلى شيء آخر كل عدة دقائق.أسيل.منذ الصباح لم يرها إلا في دقائق متفرقة، وكل واحد منهما غارق في عمله. أرسل لها رسالة قصيرة قبل أن يغلق هاتفه:"خلصتي؟"جاءه الرد بعد لحظات:"لسه عندي شوية شغل، وإنت؟"كتب:"خلصت تقريبًا."ثم أضاف بعد لحظة:"وحشتيني."توقفت أسيل أمام الشاشة وابتسمت دون أن تشعر."وإنت كمان."لم يزد رائد شيئًا، لكنه أنهى عمله أسرع مما كان ينوي.عندما وصل إلى البيت، كان الهدوء قد سيطر على المكان. وجد سيف في غرفة المعيشة يراجع بعض واجباته، فجلس بجواره قليلًا.قال رائد: "خلصت؟""تقريبًا.""يعني إيه تقريبًا؟"ضحك سيف: "يعني محتاج مساعدتك."جلس رائد معه وبدأ يشرح له المسألة، وبعد دقائق أغلق سيف الدفتر وقال:"بابا، ماما فوق."رفع رائد حاجبه."وأنا عارف منين؟"ابتسم سيف بمكر: "عشان من ساعة ما دخلت وإنت بتبص ناحية السلم."ضحك رائد وهز رأسه."روح كمل مذاكرتك.""حاضر."صعد رائد إلى ا
دخلت أسيل قاعة الاجتماعات وفي يدها ملف أعدته بنفسها طوال الليل. لم يكن مجرد عرض نظري، بل تصور متكامل لوحدة طبية تعتمد على تعاون الأطباء بدلًا من انتقال المريض بين الأقسام دون تنسيق واضح. جلست أمامها إدارة المستشفى وبعض رؤساء الأقسام، وبدأت تشرح فكرتها بهدوء، مستندة إلى الحالات التي مرت عليها خلال السنوات الماضية.قال أحد الأطباء: "الفكرة ممتازة، لكن جمع كل التخصصات في وحدة واحدة هيضغط على الأطباء."ردت أسيل: "علشان كده أنا مش بطلب إن كل طبيب يبقى موجود طول الوقت. أنا بطلب نظام واضح للاستدعاء والتقييم المشترك، بحيث المريض ما يفضلش هو اللي ينقل المعلومات بيننا."قلبت إحدى المسؤولات صفحات الملف وقالت: "ومين هيتولى تنسيق الوحدة؟"توقفت أسيل لحظة، ثم أجابت: "لو الإدارة شايفة إني مناسبة، أقدر أبدأها مع الفريق الموجود، وبعدها نختار مديرًا إداريًا مستقلًا."ساد الصمت للحظات قبل أن يوافق رئيس القسم على بدء المرحلة التجريبية.خرجت أسيل من القاعة وهي تشعر بأن الخطوة أكبر مما توقعت، لكنها لم تمنح نفسها وقتًا طويلًا للاحتفال؛ فقد كان لديها موعد مع مريض ينتظرها في القسم.في الجهة الأخرى، كان رائد ي
كان رائد في طريقه إلى مقر الشركة الجديدة، لكن هذه المرة لم يكن يحمل ملفًا واحدًا يخص المشروع. كان معه آدم وعمر، وكل واحد منهما تولى جانبًا مختلفًا من المراجعة. العرض الذي وصلهم لم يعد مجرد فرصة تجارية عابرة، فالأرقام التي ظهرت في الساعات الأخيرة كشفت أن المشروع يمتد إلى أكثر من مدينة، ويضم مجموعة أبراج إدارية ومجمعًا سكنيًا ومركزًا تجاريًا ومرافق خدمية ضخمة.قال عمر وهو يتصفح جهازه اللوحي: "في حاجة ظهرت النهارده."نظر إليه رائد: "إيه؟""المشروع عنده مشكلة في البنية التحتية قبل ما يبدأ أصلًا. شبكة الطرق المحيطة بالموقع مش مستحملة الكثافة المتوقعة."توقف رائد لحظة، ثم مد يده بالجهاز."مين عامل الدراسة؟""شركة استشارية خارجية."قرأ رائد الأرقام، ثم قال: "إذن مش هنبدأ من التصميم. هنبدأ من الأرض."في الوقت نفسه، كانت أسيل في المستشفى أمام حالة مختلفة تمامًا عن الحالات التي اعتادت استقبالها. كانت مريضة شابة تُدعى ميرا، جاءت بسبب ألم متكرر ظنت في البداية أنه إرهاق عادي، لكن الفحوصات كشفت مشكلة تحتاج إلى متابعة دقيقة.جلست أسيل معها في غرفة الاستشارة.قالت ميرا: "أنا كنت مأجلة الكشف عشان شغل
لم يكن رائد قد نسي العرض الذي أخبره عنه آدم في الليلة السابقة. كان جالسًا في مكتبه، أمامه الملف الذي أرسله الطرف الآخر، يقلب صفحاته بتركيز شديد، بينما كان آدم يقف أمامه ينتظر رأيه.قال آدم: "العرض أكبر من اللي كنا متوقعينه. هم عايزينك تدخل شريك أساسي في المشروع، مش مجرد منفذ."رفع رائد عينيه عن الأوراق وقال بهدوء: "وده بالضبط اللي مخليني مش مستعجل أوافق.""ليه؟"أغلق رائد الملف ووضع يده فوقه. "لأن حجم المشروع مش هو المشكلة. المشكلة في التفاصيل اللي محدش بيتكلم عنها."اقترب آدم منه، فأشار رائد إلى بند في العقد."شايف البند ده؟"قرأ آدمه جيدًا ثم قال: "حق التدخل في القرارات التنفيذية.""بالضبط. أنا أقدر أقبل شراكة، لكن مش هقبل إن حد يدخل في قرارات التصميم والتنفيذ لمجرد إن حصته المالية كبيرة."ابتسم آدم وقال: "كنت متوقع إنك هتقول كده.""خليهم يعرفوا إننا هنراجع العرض كامل. مش هنرفضه، ومش هنقبله. لسه."في الوقت نفسه، كانت أسيل تدخل المستشفى بخطوات سريعة، وبعد دقائق كان الدكتور يوسف يضع أمامها ملف الحالة الجديدة.قال: "المريضة اسمها نادين، أربعة وثلاثين سنة. عندها مشكلة في أحد الشرايين، و
في الصباح التالي، كان رائد أول من استيقظ.دخل غرفة سيف وأيقظه بهدوء، ثم اتجه إلى غرفة ليان قبل أن يذهب إلى عمله. كانت أسيل قد سبقت الجميع إلى المستشفى، وتركت له رسالة قصيرة على الطاولة:"ليان نامت كويس، وسيف فطر. عندي عملية وممكن أتأخر شوية. متنساش تاكل."قرأ رائد الرسالة وابتسم.كتب تحتها:"وأنتِ متنسيش إن عندك زوج بيحبك وبيستنى رجوعك."ثم التقط مفاتيحه وغادر.في المستشفى، كانت أسيل ترتدي ملابس العمليات بينما يراجع يوسف معها تفاصيل الحالة.قال:"المريضة دخلت غرفة التحضير."أومأت."والتحاليل الأخيرة؟""كلها جاهزة.""تمام."دخلت أسيل غرفة المريضة.كانت امرأة شابة في بداية الثلاثينات، وبجوارها زوجها.قالت المرأة:"دكتورة، أنا خايفة."ابتسمت أسيل."كلنا بنخاف.""بس أنا عندي بنت صغيرة."نظرت أسيل إليها بهدوء."وأنا عندي أطفال."رفعت المرأة عينيها إليها."إذن أنتِ فاهمة.""فاهمة جدًا."جلست بجوارها."وعشان كده مش هقولك متخافيش. هقولك إننا هنكون مركزين في كل خطوة، وإن الفريق كله موجود."أمسك الزوج يد زوجته.قالت أسيل:"خليها تدخل وهي عارفة إننا عملنا كل اللي نقدر عليه."دخلت غرفة العمليات.







