Share

الفصل 2

Author: الشجرة الباسقة
صمت الطرف الآخر لثوان طويلة.

"...هل أنت جادّة؟ كنت تحبّينه كثيرًا، وتركت من أجله فرصًا كثيرة، كيف يمكن أن يحدث هذا فجأةً..."

ابتسمت رنا وهزّت رأسها: "أنا لا أحبّه بعد الآن."

أغلقت الخط، وأسندت رأسها إلى نافذة السيارة، وأغمضت عينيها.

طوال هذه السنوات، كان يكاد الجميع يعلم أنها تحبّ أيمن القريشي.

تحبّه حتى فقدت نفسها، تحبّه حتى صارت كالغبار.

لكنها تعبت.

إن أحببت التي تسكن قلبه غيرك دومًا، فذلك إنهاك لا يحتمل.

في الثامنة عشرة من عمرها، وهي في سنتها الجامعية الأولى، رأت أيمن القريشي لأول مرة في حفل تكريم الطلاب الجدد.

كان الطقس مشمسًا، وهو يرتدي قميصًا أبيض بسيطًا وبنطالًا أسود، واقفًا على المنصة، كالبدر في ليلة صافية، ابن النجوم وفارس الأحلام، وكادت كل الفتيات في القاعة تحمرّ خجلًا.

كانت رنا واحدةً منهن.

لكن لم تكن لأحد فرصة الاقتراب منه.

إذ كان الجميع يعلم أن قلب أيمن القريشي لا تسكنه إلا فاتن العتيبي، رفيقة طفولته.

كانت فاتن متقلّبة المزاج، كثيرة الشكاوى، حادّة الطباع، لكن أيمن كان يدلّلها ويتسامح معها، وكان الجميع يقول إنه يعشقها بجنون.

بقدر ما أحبّ أيمن فاتن، أحبّت رنا أيمن في الخفاء.

حتى فرّت فاتن من حفلات زفاف أيمن مرارًا لا تحصى.

في المرة الأولى، قالت إنها لا تزال صغيرةً ولا تريد الزواج مبكرًا.

وفي الثانية، قالت إنها تعاني من رهاب الزواج.

وفي الثالثة، قالت إن أيمن لا يحبّها بما يكفي.

...

وفي المرة التاسعة، اتصلت به من الخارج ليلة الزفاف: "أيمن حبيبي، فكّرت في الأمر وخلصت إلى أن الحرية أثمن. لنتوقّف عن الزواج الآن، سأمكث في الخارج بضع سنوات للاستمتاع!"

تلك المرة، لم يلاحقها أيمن.

انكسر فترةً، ثم بدأ يقبل مواعيد تعارف ترتّبها له عائلته، واحدةً تلو الأخرى، وكلها تنتهي بعد اللقاء الأول.

حين علمت رنا بذلك، خفق قلبها بشدّة.

توسّطت لتحصل على موعد تعارف معه.

وفي ذلك اليوم، ارتدت بدافع لا تعرف مصدره فستانًا مطابقًا لفستان فاتن، فما إن رآها أيمن حتى توقّف مشدوهًا.

حدّق فيها طويلًا، ثم قال: "لنتزوّج."

في تلك اللحظة، هوى قلب رنا المتسارع فجأةً.

عرفت أنه ينظر من خلالها إلى شخص آخر.

لكنها قبلت.

لأنها أحبّت كثيرًا، حتى رضيت أن تبقى بجانبه وإن لم يكن يحبّها.

بعد الزواج، تعاملا بأدب واحترام.

كان أيمن يعاملها معاملةً حسنة، لا يبخل عليها ماديًّا، ويمنحها ما يليق بها من مظاهر، لكن رنا كانت تعلم أن ذلك ليس حبًّا.

لم يكن يقترب منها من تلقاء نفسه، وما كان يضمّها إليه إلا حين ترتدي ما يشبه ملابس فاتن، فيفقد صوابه ويحضنها وهو يناديها "يا فاتن".

وفي كل مرة، كانت رنا تتظاهر بأنها لم تسمع.

هكذا مرّت خمس سنوات.

ظنّت أن الأيام ستمضي هكذا إلى الأبد، حتى عادت فاتن.

كانت آنذاك حاملًا في شهرها الثالث، حين أصابها ألم حاد في بطنها، فأمسكت به وأرادت الاتصال بالإسعاف، لكن فاتن أتت إليها.

"أنت رنا؟" نظرت إليها فاتن باستهزاء، "سمعت أنك احتللت مكاني حين غبت؟"

كانت رنا شاحبةً من الألم، لا طاقة لها على الجدال، وكل ما تريده هو الوصول إلى المستشفى.

حاولت تجاوز فاتن، لكن فاتن سدّت عليها الطريق.

في خضمّ المشادة، لم تتحمّل رنا أكثر فدفعتها، فتعثّرت فاتن إلى الخلف وارتطم رأسها بإطار الباب، وسال الدم فورًا.

في تلك الليلة، أغلق عليها أيمن باب الغرفة المعزولة.

كان ألمها يشتدّ، كأن سكينًا تحفر في أحشائها، فراحت تقرع الباب وتصرخ مرارًا: "أيمن... أنقذني... الطفل... طفلنا..."

لكن لم يأت أحد.

تقوّست من الألم على الأرض، وأحسّت بدفء رطب يسيل منها، فمسّته بيدها فإذا هو دم غزير.

ثم أغمي عليها من الألم.

حين أفاقت، كانت في المستشفى، وقد فقدت الطفل.

وقف أيمن بجانب سريرها، وفي عينيه ذنب وندم.

"أنا المخطئ. حين تخرجين، سنحاول مجدّدًا."

"لو لم تدفعي فاتن، لما أغلقت عليك الباب. لديها اضطراب في التخثّر، وتلك الدفعة كادت تودي بحياتها، تصرّفت في لحظة انفعال، ويمكنني التعويض..."

في تلك اللحظة، ضحكت رنا.

ضحكت حتى سالت دموعها.

"أيمن، ما الذي تظنّ أن أي تعويض يساوي روحًا؟"

كانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي بكت فيها أمامه.

من ذلك اليوم، تغيّرت.

تقدّمت سرًّا بطلب الطلاق، وتقدّمت للشركة بطلب الإيفاد للخارج.

مهما يكن بينه وبين فاتن، فلم يعد يعنيها.

لأنها لم تعد تحبّه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 24

    انتهى التسجيل الصوتي هنا، ليعاد تشغيله تلقائيًا."أيمن، اليوم هو عيد ميلادك، لقد صنعت كعكة، وبانتظار عودتك لنأكلها معًا.""مهما تأخر الوقت، سأنتظرك."مرة تلو الأخرى.في تلك الأعياد التي لا تحصى والتي نسيها، كانت تجلس بمفردها تحرس قالب الحلوى، تنتظر حتى منتصف الليل، ثم حتى الفجر، وفي النهاية لم يكن أمامها سوى أن تأكل بمفردها، وبصمت، الكريمة الذائبة والخبز الذي أصبح جافًا وقاسيًا.أخذ أيمن يستمع، والدموع تتدفق بلا انقطاع من مآقيه الجافة.كان ينظر إلى السقف، وبدأت نظراته تتشتت وتفقد بريقها تدريجيًا، لكن زاوية فمه ارتفعت قليلًا وبشكل خفيف للغاية.وكأنه تذكر شيئًا جميلًا للغاية.استجمع آخر ما تبقى له من قوة، وبصوت مبحوح يكاد لا يسمع، وجه بضع كلمات صامتة إلى الهواء، وإلى إطار الصورة البارد في حضنه، وإلى ذلك التسجيل الصوتي الذي يعاد تشغيله في حلقة مفرغة، ولن يلقى ردًا أبدًا."...رنا...""...عيد ميلاد سعيد..."كان صوته منخفضًا لدرجة لا تسمع، وسرعان ما تبدد في الهواء البارد.انزلق إطار الصورة من بين يديه، وسقط على اللحاف الناعم محدثًا صوتًا خافتًا.ومن الهاتف القديم، كان صوت رنا السعداوي العذب

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 23

    بعد مرور عدة سنوات.جزيرة خاصة في مكان ما من البحر الأبيض المتوسط.أشعة شمس، ورمال ذهبية، ومياه زرقاء صافية، ومبان بيضاء ناصعة.كان كل شيء يبدو وكأنه لوحة مرسومة على بطاقة بريدية.هنا أقيم حفل زفاف رنا السعداوي.كان الحفل صغيرًا ودافئًا، ولم يدع إليه سوى أفراد العائلة والأصدقاء المقربين.كانت ترتدي فستان زفاف أبيض ناصعًا، بتصميم بسيط وأنيق دون ذيل طويل، لكنه حدد خصرها النحيل وخطوط عنقها وكتفيها الجميلة ببراعة فائقة.وكانت طرحة زفافها ذات لون شمبانيا خفيف، تلمع ببريق ناعم تحت أشعة الشمس.وقفت تحت قوس من الزهور، ممسكة بباقة من زنابق الوادي البيضاء، وهي تبتسم بابتسامة مشرقة وساحرة.وكان يشع من عينيها فرح حقيقي وسلام لا يشوبه أي كدر.وقف العريس بجانبها مرتديًا بدلة بيضاء، وعيناه العميقتان ترمقانها بنظرات دافئة، تفيض بحب جارف يكاد ينطق من فرط عمقه.بدأ الكاهن يتلو عهود الزواج بصوت وقور."يا آنسة رنا، هل تقبلين السيد بسام الأنصاري زوجًا لك، لتسانديه وتعتني به وتحترميه، في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، وتظلي وفية له ومخلصة طوال العمر حتى يفرقكما الموت؟"التفتت رنا ونظرت إل

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 22

    حل خريف آخر.وأقيم حفل عشاء خيري كبير في قاعة الاحتفالات بأفخم فندق في وسط المدينة.وحضرت رنا الحفل كضيفة خاصة ومستشارة شرفية.وكانت "مؤسسة رنا الخيرية" التابعة لأيمن هي إحدى الجهات المنظمة لهذا الحفل.وقبل بدء الحفل، كان الممر الخلفي يعج بالناس، حيث يتنقل الموظفون والضيوف والصحفيون باستمرار.كانت رنا تتحدث بصوت منخفض مع مدير المؤسسة حول تفاصيل الكلمة التي ستلقيها على المسرح بعد قليل، بينما كانت تمشي باتجاه غرفة الاستراحة.وعندما انعطفت عند زاوية الممر، واجهت شخصًا يسير نحوها.كان نحيل الجسد، يرتدي بدلة سوداء ملائمة لكنها تبدو قديمة بعض الشيء، وشعره مصفف بدقة متناهية، ممسكًا بملف في يده وهو ينظر إليه برأسه المنحني.وفي الممر الضيق، تلاقت أعينهما فجأة دون سابق إنذار.رفع الرجل رأسه.التقت نظراتهما.وبدا وكأن الزمن قد توقف في تلك اللحظة.تجمد أيمن في مكانه على الفور، مثل تمثال تجمد في لحظة.وسقط الملف من يده على الأرض بصوت حاد.حدق في الشخص الذي أمامه بشوق جارف، وكأنه يريد أن ينحت ملامحها في نخاع عظامه.لم يرها منذ عدة سنوات، وقد ازدادت جمالاً.لم يكن ذلك الجمال الضعيف للفتيات الذي يحتاج

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 21

    بعد بضع سنوات.انعقد المنتدى الدولي المرموق للترجمة في بلد أجنبي.واجتمع فيه نخبة من كبار المترجمين، والأكاديميين، والشخصيات السياسية البارزة من جميع أنحاء العالم.وبصفتها أصغر عضو مجلس إدارة شرفي وكبيرة المترجمين الفوريين، تمت دعوة رنا لإلقاء الكلمة الافتتاحية الرئيسية.وتحت أضواء تسليط الضوء، كانت ترتدي بدلة أنيقة بلون الأبيض اللؤلؤي، وقد رفعت شعرها الطويل بأناقة، كاشفة عن جبينها الناصع وعنقها الطويل الممشوق.وقفت خلف المنصة، تواجه الحشد الغفير وعدسات الكاميرات التي لا تحصى وهي تومض، وتحدثت بهدوء وثقة ودون أي توتر.كانت تتنقل بطلاقة بين الفرنسية والإنجليزية والصينية، طارحةً آراءً حادة ورؤى فريدة، مستشهدةً بالمصادر والأمثلة بكل سهولة ويسر.واثقة، وأنيقة، ومحترفة.فكانت بحق مركز اهتمام الجميع في القاعة بأكملها.وما إن أنهت كلمتها حتى دوت القاعة بتصفيق حار كالعاصفة، تواصل دون انقطاع.صعد باحث شاب أنيق يرتدي بدلة رمادية داكنة ويتمتع بوقار العلماء إلى المسرح، حاملًا باقة من زهور الياسمين الأبيض، وقدمها إليها.وتبادلا الابتسام في انسجام وتفاهم تام.وتتعالى أصوات التقاط الصور من الحضور، لتس

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 20

    في سيارة الإسعاف، كان المسعفون يعالجون الجرح ويراقبون العلامات الحيوية.جلست رنا بجانبه ويداها ومعطفها مغطّاة بدم أيمن، دم لزج دافئ تفوح منه رائحة الحديد الثقيلة.نظرت إلى ذلك الرجل على النقّالة، وجهه شاحب كالورق وعيناه مغمضتان وهو ضعيف لا يعرف، ووجهها لم يتغيّر، فقط خطّ شفتيه المطبقتين يفصح عن شد خفيّ.كان أيمن في غيبوبته يهذي دون وعي."رنا... آسف...""الطفل... آسف...""لا ترحلي... لا تتركيني..."صوت متشقّق فيه يأس كصوت محتضر.حوّلت رنا وجهها نحو النافذة، وجانبها في الأضواء المتناوبة بدا صلبًا بارد الملامح.وصلوا المستشفى فأدخل أيمن مباشرةً غرفة العمليات.أضيء ضوء العمليات.جلست رنا على مقعد في الممرّ ويداها ومعطفها لا يزالان ملطّخين بالدم المتجمّد الذي صار لونه أحمر داكنًا.لم تذهب لتنظّف، جلست في هدوء تنظر إلى باب غرفة العمليات الموصد.مرّ الوقت دقيقةً دقيقة.لا يعرف كم من الوقت مضى حتى فتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب ووجهه عابس."المريض جرحه بالغ، طعنة أصابت الطحال وأخرى اخترقت الأمعاء، فقد دمًا كثيرًا والوضع لا يبشّر بالخير.""وأيضًا،" توقّف الطبيب ونظر إلى رنا، "إرادة المريض في

  • مرساة في ليل سرمدي   الفصل 19

    أمسك المساعد بالهاتف والتفت إلى ذلك الرجل في غرفة المستشفى، الذي يتعيّش بالذكريات والمحاليل الغذائية وقد أنهكه المرض وخلت عيناه من كل نور، فانعقد لسانه ولم يستطع الكلام.بعد عام.بفضل أدائها المتميز في العمل، أعيدت رنا من الخارج إلى البلاد بقرار من المقرّ الرئيسي، للمشاركة في ترجمة مؤتمر دولي مهمّ.كان المؤتمر في مركز المعارض الأرقى في وسط المدينة.حين علم أيمن بالخبر كان في اجتماع.انحنى مساعده وهمس له بكلمات قليلة، فتوقّف قلمه الذي كان يمسكه ورسم خطًّا طويلًا على الوثيقة.صمت طويلًا ثم أشار بيده ليستمرّ الاجتماع.لكن في النصف الثاني من الاجتماع كان واضحًا أن ذهنه في مكان آخر وعيناه تتجهان إلى النافذة مرارًا.حين انتهى الاجتماع، أغلق على نفسه في مكتبه ودخّن علبة سجائر كاملة.ثم طلب من شخص ما أن يشتري له تصريح دخول خاصًّا للمؤتمر.يوم المؤتمر، جلس في آخر صفّ وأبعد زاوية في القاعة، يرتدي قبّعةً وكمامةً يخفي بهما نفسه في الظلّ.لم يجرؤ على الاقتراب ولم يجرؤ على الإزعاج.اكتفى بهذا، بالاختباء والنظر من بعيد، لمحةً واحدة.حين بدأ المؤتمر، جلست رنا بوصفها إحدى المترجمات الفوريات في الكابينة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status