LOGINبعد انتهاء الحفل، خرجت هانا وريو من قاعة الاحتفال وسط نسمات الليل الباردة. كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة مساءً، وأضواء المدينة تتلألأ بهدوء في الشوارع الفارغة نسبيًا.
جلست هانا داخل السيارة وهي تضم الهدايا الصغيرة التي حصلت عليها خلال الحفل بين ذراعيها، بينما كان ريو يقود بصمت كعادته. لكن هذه المرة، كان الصمت مختلفًا. كانت كلمات مين جون وهو يطلب من هانا الرقص لا تزال تتردد داخل رأسه، وكذلك نظرات الحاضرين إليها طوال الحفل. لم يكن يعلم متى أصبح يهتم بهذه التفاصيل إلى هذا الحد، لكنه كان متأكدًا من أمر واحد فقط... لقد أصبح وجودها بجانبه أهم مما كان يتخيل. أدارت هانا وجهها نحوه مبتسمة وقالت: - شكرًا لأنك بقيت معي اليوم. - هذا عملي. ضحكت بخفة وهي تهز رأسها. - أنت دائمًا تقول إنها وظيفتك، لكنني أشعر أنك تفعل أكثر بكثير من مجرد عملك. لم يجبها هذه المرة، واكتفى بالنظر إلى الطريق أمامه. بعد لحظات، فتحت نافذة السيارة قليلًا لتدخل نسمات الهواء الباردة إلى الداخل. - كان اليوم ممتعًا جدًا، أتعلم؟ - أي جزء منه؟ - كله تقريبًا، لكن أكثر شيء أعجبني هو عندما رقصت معي. نظر إليها للحظة قبل أن يعود بنظره إلى الطريق. - كانت تلك أول مرة أرقص فيها. اتسعت عيناها قليلًا. - حقًا؟ - نعم. ابتسمت وهي تنظر من نافذة السيارة. - إذًا أنا سعيدة لأنني كنت أول فتاة ترقص معها. توقفت السيارة فجأة أمام إشارة المرور الحمراء، ليعم الصمت بينهما من جديد. التفتت هانا نحوه لتجده ينظر إليها بهدوء قبل أن يسألها: - هل استمتعتِ فعلًا؟ - كثيرًا. - حتى عندما رقصتِ مع مين جون؟ ابتسمت بخبث وهي تلاحظ الغيرة الخفيفة التي حاول إخفاءها طوال الحفل. - هل كنت غيورًا؟ - لا. - تكذب. نظر إليها للحظات قبل أن يتنهد قائلًا: - حسنًا... ربما قليلًا. كادت تسقط من شدة المفاجأة وهي تحدق به. - لقد اعترفت أخيرًا؟! - لا تجعليني أندم على ذلك. ضحكت بصوت عالٍ للمرة الأولى منذ دخولهما السيارة، حتى إنه وجد نفسه يبتسم دون أن يشعر. وبعد مرور عدة دقائق، توقفا عند إحدى الإشارات الضوئية مرة أخرى. كانت هانا تنظر إلى السماء المليئة بالنجوم من نافذة السيارة عندما قالت فجأة: - أتعلم يا ريو؟ عندما التقينا لأول مرة كنت أخاف منك قليلًا. رفع حاجبه باستغراب. - حقًا؟ - نعم، كنت تبدو مخيفًا جدًا، لكنني اكتشفت أنك ألطف بكثير مما تحاول إظهاره. ثم ابتسمت له قائلة: - أنت دائمًا تحميني، وتتذكر الأشياء التي أحبها، وتبقى بجانبي عندما أخاف. لهذا السبب أشعر بالأمان عندما أكون معك. شعر قلبه بالخفقان بقوة عند سماع كلماتها. أما هي فأكملت حديثها دون أن تلاحظ تأثير كلماتها عليه. - بصراحة، لا أستطيع تخيل كيف كان سيبدو هذا الشهر لو لم تكن موجودًا فيه. خفض ريو نظره للحظات قبل أن يقول بهدوء: - وأنا أيضًا لا أستطيع تخيل كيف كانت حياتي ستكون لو لم أقابلك. نظرت إليه بدهشة، فقد كانت تلك من أصدق الكلمات التي قالها لها منذ أن عرفته. وصلت السيارة أخيرًا إلى المنزل، لكنها لم تنزل مباشرة. نظرت إليه مبتسمة وقالت: - هل تعلم؟ أعتقد أن أجمل هدية حصلت عليها هذا الشهر ليست الكاميرا أو الدبدوب. - وما هي؟ ابتسمت له ابتسامة دافئة جعلت قلبه يتوقف للحظة. - أنت. تجمدت أنفاسه للحظة وهو ينظر إليها غير قادر على الرد. أما هانا، ففتحت باب السيارة سريعًا وقد احمر وجهها بعدما أدركت ما قالته. - تصبح على خير يا ريو! وركضت إلى داخل المنزل وهي تخفي خجلها. بينما بقي هو جالسًا في مكانه ينظر إلى الباب الذي دخلت منه. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وهمس لنفسه: - يبدو أن مهمتي أصبحت أخطر بكثير مما توقعت... لأنني وقعت في حب الهدف بالكامل.بعد أن هدأت ريا أخيرًا، قرر الثلاثة العودة إلى المنزل. طوال الطريق كانت الصغيرة تمسك بيد والدها بإحدى يديها ويد والدتها بالأخرى، وكأنها تخشى أن يختفي أحدهما إذا أفلتت يده للحظة واحدة. وعندما وصلوا إلى المنزل، رفضت أن تجلس إلا بينهما على الأريكة. - لقد ضاعت مني أربع سنوات كاملة! لذلك سأعوضها كلها من الآن فصاعدًا! قالتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بجدية، مما جعل ريو يضحك لأول مرة منذ زمن طويل. أما هانا فلم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تنظر إلى تصرفات ابنتها اللطيفة. بعد تناول بعض الحلوى التي أحضرتها هانا، جلست ريا تفكر بعمق قبل أن تضرب كفيها ببعضهما بحماس. - وجدت الحل! نظر إليها كل من ريو وهانا باستغراب. - بما أنني أحبكما كثيرًا، فأنا سأبقى معكما معًا! - وكيف ذلك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. - سأقضي يومًا كاملًا مع أمي، واليوم الذي يليه مع أبي! وفي عطلة نهاية الأسبوع سنخرج نحن الثلاثة معًا! نظر ريو إلى هانا وكأنه ينتظر رأيها. تنهدت هانا قليلًا قبل أن تنظر إلى فرحة ابنتها، ثم قالت: - أعتقد أن هذا مناسب في الوقت الحالي. كادت ريا تقفز من مكانها من شدة سعادتها. - إذًا أص
ما إن انتهى ريو من كلماته حتى دفنت ريا وجهها الصغير في صدره وهي تبكي بصمت. كانت صغيرة على أن تفهم كل تعقيدات عالم الكبار، لكنها كانت كبيرة بما يكفي لتشعر بالفراغ الذي تركه غياب والدها طوال حياتها. أما هانا، فكانت تقف على بعد خطوات منهما وهي تحاول حبس دموعها دون جدوى. لم تتخيل يومًا أن تكون أول مرة ترى فيها ابنتها بين ذراعي والدها بهذه الطريقة المؤثرة. رفعت ريا رأسها قليلًا ونظرت إلى ريو بعينيها الحمراوين من كثرة البكاء. - إذًا... هل ستختفي مرة أخرى؟ تجمد ريو للحظة قبل أن يهز رأسه بسرعة. - لا يا أميرتي، أعدك بذلك. - حتى لو غضبت منك أمي؟ نظر ريو إلى هانا للحظات قبل أن يعود ببصره إلى ابنته. - حتى لو غضب العالم كله مني، لن أبتعد عنك مرة أخرى. ابتسمت الصغيرة ابتسامة خجولة قبل أن تعانقه بقوة أكبر. - إذًا أريد أن أناديك بأبي من الآن! اتسعت عينا هانا بصدمة بسيطة، بينما شعر ريو بأن قلبه كاد يتوقف من شدة سعادته. لقد انتظر أربع سنوات كاملة ليسمع هذه الكلمة. - هل يمكنني حقًا؟ سألته ريا بحماس طفولي، ليبتسم وهو يمسح دموعه بسرعة حتى لا تراه. - بالطبع يمكنكِ ذلك يا أميرتي. - أبي! عند
شعر ريو بأن الدم تجمد في عروقه بمجرد سماعه أن ريا اختفت. لم يكن قد مضى على معرفته بأنها ابنته سوى ليلة واحدة، وها هو يسمع الآن أنها ليست في المنزل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يحاول تهدئة هانا التي كانت تبكي بشدة. - هانا، انظري إليّ. هل أخذت معها حقيبتها؟ أومأت برأسها بسرعة. - نعم، وحذاؤها الصغير ليس في مكانه أيضًا. - إذًا هذا يعني أنها خرجت بمفردها، وهذا أمر جيد. على الأقل لم يقتحم أحد المنزل. أخرج هاتفه بسرعة واتصل ببعض الأشخاص الذين يعملون معه وطلب منهم البحث عنها في الحي بأكمله. - ابحثوا عن طفلة في الرابعة من عمرها، شعرها أسود وعيناها خضراوان. أريد أن أعرف مكانها خلال دقائق. كانت هانا تنظر إليه ويداها ترتجفان. - إنها لم تخرج وحدها من قبل يا ريو. ماذا لو كانت خائفة؟ ماذا لو أصابها مكروه؟ اقترب منها ووضع يده على كتفها قائلًا بحزم: - لن يحدث لها شيء. إنها ابنتنا، وسنعيدها إلى المنزل. للمرة الأولى منذ أربع سنوات لم يعترض عقلها على كلمة "ابنتنا"، فقد كان خوفها على ريا أكبر من أي شيء آخر. وبعد حوالي عشرين دقيقة، رن هاتف ريو. - وجدناها يا سيدي. إنها في حديقة الأطفال القريبة من الب
في صباح اليوم التالي، استيقظت هانا مبكرًا على غير عادتها. لم تنم سوى ساعات قليلة بعد حديثها مع ريو في الليلة الماضية، لذلك جلست في المطبخ تحتسي كوبًا من القهوة محاولةً ترتيب أفكارها. رن هاتفها فجأة، فابتسمت عندما رأت اسم والدها يظهر على الشاشة. - صباح الخير يا أبي. - صباح الخير يا صغيرتي، كيف حالكما؟ وكيف حال أميرتي الصغيرة؟ ابتسمت بخفة وهي تجيب عن أسئلته قبل أن يسألها عن أحوالها. كان جون يعرف ابنته جيدًا، لذلك لم يقتنع بنبرة صوتها الهادئة. - هانا، ماذا حدث؟ تنهدت بخفة قبل أن تقول: - أبي... ريا قابلت ريو. ساد الصمت لثوانٍ في الطرف الآخر من الخط. - ماذا؟! - ليس هذا فقط، بل إن الشخص الذي أنقذها مرتين كان ريو نفسه، وقد جاء البارحة إلى المنزل وعرف أن ريا ابنته. بدأت تخبره بكل ما حدث ليلة أمس، وكيف طلبت من ريو الابتعاد عن ريا في الوقت الحالي. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن ريا كانت قد استيقظت قبل دقائق قليلة ونزلت إلى الطابق السفلي تبحث عن والدتها. وما إن سمعت اسم "ريو" و"ابنته"، حتى توقفت خطواتها الصغيرة في مكانها. - ريا قابلت والدها... - لقد خسر أربع سنوات من حياتها يا أبي...
بقيت هانا صامتة لعدة لحظات بعد أن انتهى ريو من الحديث. كانت تنظر إليه وعيناها ترتجفان قليلًا، فقد كانت كل كلمة قالها تصل إلى قلبها دون استئذان. هي تعلم جيدًا أنه أحبها، وتعلم أيضًا أنه خاطر بحياته من أجلها أكثر من مرة، لكن المشكلة لم تكن في حبه لها، بل في الكذب الذي بُنيت عليه علاقتهما منذ البداية. أغمضت عينيها للحظات وهي تتذكر ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقته. تتذكر كيف انهار عالمها في لحظة واحدة، وكيف هربت إلى اليابان وهي تحمل طفلته بين أحشائها وقلبها محطم إلى آلاف القطع. - أنا... أتفهم ألمك يا ريو. رفعت نظرها إليه قبل أن تكمل بصوت منخفض: - لكن هل فكرت يومًا بألمي أنا؟ كيف كان شعوري عندما اكتشفت أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان في الأصل قد أُرسل ليقتلني؟ خفض ريو رأسه بصمت. - هل تعلم ما هو أسوأ شيء بالنسبة لي؟ ليس كونك قاتلًا مأجورًا، بل أنك جعلتني أشك بكل لحظة جميلة عشتها معك. كنت أتساءل كل ليلة إن كانت ابتسامتك حقيقية أم مجرد جزء من مهمتك. تقدم خطوة نحوها وقال بحزن: - كانت حقيقية كلها يا هانا. ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تهز رأسها. - ربما... لكن ذلك لا يمحو ما حدث. تن
جلس ريو على مائدة العشاء وهو لا يزال غير مستوعب لما يحدث حوله. فمن بين مليارات الأشخاص في العالم، انتهى به الأمر جالسًا في منزل المرأة التي أحبها طوال حياته، وإلى جانبه طفلته التي كانت تناديه منذ أيام بـ"العم الوسيم". أما هانا، فكانت تضع الأطباق على الطاولة بصمت، تحاول تجاهل نظراته التي لم تفارقها منذ دخوله المنزل. بينما كانت ريا أكثر شخص سعيد في ذلك المكان. - أخيرًا! لقد تحقق حلمي! نظر إليها الاثنان باستغراب في الوقت نفسه. - وما هو حلمك يا أميرتي؟ سألها ريو مبتسمًا. أشارت إلى المقعد الموجود بينهما قائلة بحماس: - أن أتناول العشاء مع أمي والعم الوسيم! ابتسم ريو لا شعوريًا، بينما شعرت هانا بوخزة صغيرة في قلبها وهي ترى ابتسامته التي افتقدتها يومًا. بدأت هانا بتقديم الطعام، وما إن تذوق ريو أول لقمة حتى اتسعت عيناه قليلًا. - إنه لذيذ جدًا. ابتسمت ريا وكأنها هي من طبخته قائلة بفخر: - ألم أقل لك؟! أمي أفضل طاهية في العالم! ثم اقتربت منه قليلًا وهمست وكأنها تخبره بسر خطير: - وإذا أصبحت زوجها يومًا، فسوف تأكل هذا الطعام كل يوم. - ريا! احمر وجه هانا خجلًا بينما كاد ريو يختنق بال







