Masukاستيقظت شهد بتنهيدة حارة تخرج من أسرار روحها ، وهي مستلقية بين ذراعيه الفولاذيتين، تتنفس عبق رجولته وتتلامس أذنها مع دقات قلبه المنتظمة التي بدت كإيقاعٍ دافئ للسلام. رفعت رأسها بمهل، وتأملت ملامح وجهه الحادة الهادئة وهو ينعم بنومٍ عميق، بينما كان جسدها ما زال ينتفض ويشعر بقشعريرة لذيذة كلما تسللت إلى ذاكرتها ذكريات الليلة الماضية العاصفة؛ تلك الليلة التي دُمرت فيها كل سدود الخوف وذاب فيها كل كبرياء. انحنت عليه وداعبت وجنتيه وشفتيه بقبلاتٍ حنونة ومتتالية حتى يستيقظ. فتح آدم عينيه ببطء، وفركهما وهو ينظر إليها بابتسامة ساحرة تدفقت في شرايينها كالنار: — «هل أنا أحلم؟! لم أستيقظ على هذا الجمال الساحر من قبل.. . كم الساعة الآن؟ من الواضح أنني نمتُ كثيراً! أتصدقين؟ أحتاج اليوم بالذات إلى جلسة تدليك احترافية لترخية عضلاتي.» رفعت شهد حاجبيها بدلال وبراءة ومزاح: — «حقاً؟! وأنا أيضاً... احجز لي معك في المركز!» في أسرع من البرق، مال آدم بجسده الضخم فوقها، وحاصرها بين ذراعيه متسائلاً بصوتٍ يقطر غيرة وتملكاً: — «هل جُننتِ؟! هل سيتجرأ أحدٌ غيري على تدليك جسدكِ أو لمسكِ؟
صعدت شهد إلى غرفتها بخطوات مثقلة بالحزن والندم، وهي تطوق بكفها المرتجف ذلك المظروف اللعين الذي دمر حياتها وقلب موازين عالمها. ألقت بجسدها المنهك على السرير، وظلت تحدق في سقف الغرفة الشاسع ، بينما تُحكم قبضتها على الشيك الصادر باسمها. بدأت تتزاحم في رأسها سيناريوهات سوداوية لما سيحدث عندما يعرف آدم الحقيقة... عندما يدرك أنها باعت نفسها وأقدمت على هذا الأمر مقابل المال : (لابد أن أخبره وسأتحمل النتيجة مهما كانت قاسية.. . أنا أعلم أنك لن تسامحني أبداً يا آدم، ومن الممكن أن تطلقني وتبتعد عني نهائياً ، أو تتذكر خيانة أمك وتكرهني مثلها! رغم أنني ندمتُ كثيراً أشد الندم... ليت بيدي إرجاع الزمن لأصحح ما كان!) تنهدت بحرقة أذابت روحها ، وفي تلك اللحظة بالذات، شق سكون الهدوء صوتُ خطواتٍ سريعة ومشحونة بالاضطراب تصعد الدرج . قفزت من السرير لتستقبله، وعدلت ملابسها وشعرها ببديهية خائفة. انفتح باب الغرفة فجأة، ووقف آدم على العتبة بنظرة غريبة ومشتعلة في عينيه؛ نظرة لم ترها شهد منه من قبل قط.. . مزيج من اللوعة، والخوف من الفقد، والرغبة العارمة في حمايت
وسط توتر كريمة البالغ الذي انعكس جلياً في حركة يديها وهي تفركهما بقلقٍ متزايد، كان آدم يراقب كل توتر في وجهها عبر مرآة السيارة الأمامية بنظراتٍ حادة كالسيف. قطع الصمت الثقيل بنبرة هادئة لكنها تحمل تهديداً مبطناً: — «كريمة هانم... لا داعي لأن أكرر سؤالي مرة أخرى.» ضغَط على دواسة المكابح وهدّأ السرعة ، ثم انحرف بالسيارة ليقف على جانب الطريق المنعزل. نزل بخطوات واثقة، ودار حول السيارة ليفتح بابها المقابل لها ، ووقف أمامها بشموخه وهيبته الطاغية. تنفست كريمة بصعوبة وقامت تقف أمامه بركبتين ترتجفان، ليردف آدم وهو يثبت عينيه في عينيها: — «أنا أسمعكِ بوضوح الآن يا كريمة هانم... اعترفي بكل شيء.» ابتلعت ريقها بتلعثم، وقالت وهي تحاول التماس الثبات: — «أنا ويحيى كانت تربطنا علاقة حب قديمة قبل أن نتزوج... تماماً مثلكَ أنت وشهد. كنتُ أحبه كثيراً ، ولكن والده رفض زواجنا واختار له فتاة من مستواه الاجتماعي والمالي، فتركني وتفرقت طرقنا. وعندما تقابلنا مؤخراً، طلب مني أن نعود معاً مرة أخرى ولكني رفضت شديد الرفض.. . ثم تظاهرتُ بالموافقة وعرضتُ عليه ذلك يوم ا
نزلت شهد على الدرج بخطوات متثاقلة ، تحمل بين يديها المرتجفتين ظرفًا مغلقًا استخرجته من قاع حقيبتها . كان قلبها يدق كطبول الحرب ، وعيناها مثبتتان على آدم الذي يجلس في منتصف البهو بملامح مشدودة ينتظر كشف السر الذي كتم أنفاسها طويلاً. وقفت أمامه، وجثث على ركبتيها بجوار مقعده، ومدت يدها بالظرف وهي تنظر إلى عينيه بدموع تتجمّع في حدقتيها : — «هذا ما كنتُ أخفيه يا آدم... هذا هو السبب الذي—» وقبل أن تكمل جملتها أو يمد آدم يده ليلتقط الظرف، ، رن جرس الباب الخارجي مرتفعاً ليكسر صمت البهو. رفعت شهد رأسها ونظرت إلى آدم بفضول واستغراب: — «هل تنتظر أحداً؟» رد وهو يقف مجيباً بنفي: — «لا... انتظري هنا، سأفتح الباب لأرى من القادم.» خبأت شهد الظرف بسرعة داخل جيبها ، ومسحت آثار دموعها بأطراف أصابعها لتستعيد هدوءها . توجه آدم نحو الباب وفتحه ، ليفاجأ بكريمة تقف أمامه وابتسامة هادئة تعلو وجهها: — «صباح الخير أيها العرسان... أرجو ألا أكون قد أيقظتكم في هذا الوقت المبتكر.» قال آدم وهو يفسح لها المجال للدخول: — «تفضلي يا كريمة هانم، نحن مستيقظون بالفعل.» ما إن سمعت شهد صو
انقبضت ملامح يحيى بجسارة وقسوة، ونظر إلى كريمة التي تتهيأ للمغادرة ويدها ترتجف على مقبض الباب، وقالت له بنبرة توسلٍ مخنوقة: — «سأحضر لك عينة منها في أسرع وقت لتتأكد من كلامي ونجري التحاليل... ولكن حتى ذلك الوقت، لا تبلغ آدم أو شهد بشيء! أرجوك دعها تفرح قليلاً قبل أن تصدم بالحقيقة القاسية.» أومأ يحيى بجمود دون أن ينطق بكلمة ، بينما انسلّت كريمة خارج الشقة تلاحقها أطياف خطايا الماضي وذعر الانكشاف. في الفيلا الجديدة، كانت نسائم الحديقة العليلة تعزف ألحان السكون، لكنّ اعتراف آدم الصادق بعقدته النفسية فتح الباب أمام شهد لتتخلص هي الأخرى من ثقل السر المظلم الذي يكتم أنفاسها. تطلعت في عينيه الساحرتين، وقالت بنبرة خافقة تفيض حباً وشجاعة: — «لندخل إلى البهو وسأحكي لك كل شيء يا آدم... وإن لم ترد أن تعفو عني بعد سماعه فالأمر يعود لك، ولكن أرجوك لا تقسُ عليّ وقدر الظروف القاسية التي جعلتني أقدم على هذا الأمر... فأنا لا أريد أن يكون بيننا أي أسرار بعد اليوم.» تحرك معها نحو الداخل وهو يحاوط كتفها بساعده القوي، وانحنى يطبع قبلة دافئة على رأسها وقال بصد
انسابت نغمات الضحك الدافئة بينهما كمعزوفة تسعى لترميم ما انكسر بالأمس. كان آدم يطوق خصرها بتملكٍ حنون، يداعب خصلات شعرها الذهبي التي أثارتها الرياح، بينما استندت شهد برأسها على عنقه، تتنفس عبير عطره الفواح وتستشعر نبضات قلبه المتسارعة بجوار أذنها. تطلعت شهد إلى عينيه الساحرتين، ورأت خلف بريقهما الدافئ طيفاً من الحزن الدفين الذي لم تطمس آثاره ابتسامته العذبة. شعرت أن هذه اللحظة، وسط سكون الحديقة وصفاء الصباح، هي الملاذ الأنسب لتفتح الفجوة المسدودة بين ماضيه وحاضرهما. رفعت يدها الناعمة ولمست فكه الحاد بلطف شديد، ومررت أصابعها برقة على وجنته، ثم همست بنبرة خفيضة يملؤها الحب والاحتواء: — «آدم... حبيبي.» نظر إليها بعينين تفيضان شغفاً: — «عيون آدم... قلبه.» ترددت لشفرة ثانية، ثم تابعت بصوتٍ دافئ يتسلل كالمصل إلى روحه المرهقة: — «أنا أعلم كم تحبني، وأعلم أن ما حدث البارحة لم يكن أنت... بل كان ظلاً وجرحاً قديماً يؤلمك. الكلمات التي تفوهت بها وأنت غائب عن الوعي.. . نداءك لأمك، وغضبك القاتل منها... ما الذي فعلته بك يا آدم؟ ما السر الذي يحمل كل هذا الوجع في قل







