登入انقبضت ملامح يحيى بجسارة وقسوة، ونظر إلى كريمة التي تتهيأ للمغادرة ويدها ترتجف على مقبض الباب، وقالت له بنبرة توسلٍ مخنوقة: — «سأحضر لك عينة منها في أسرع وقت لتتأكد من كلامي ونجري التحاليل... ولكن حتى ذلك الوقت، لا تبلغ آدم أو شهد بشيء! أرجوك دعها تفرح قليلاً قبل أن تصدم بالحقيقة القاسية.» أومأ يحيى بجمود دون أن ينطق بكلمة ، بينما انسلّت كريمة خارج الشقة تلاحقها أطياف خطايا الماضي وذعر الانكشاف. في الفيلا الجديدة، كانت نسائم الحديقة العليلة تعزف ألحان السكون، لكنّ اعتراف آدم الصادق بعقدته النفسية فتح الباب أمام شهد لتتخلص هي الأخرى من ثقل السر المظلم الذي يكتم أنفاسها. تطلعت في عينيه الساحرتين، وقالت بنبرة خافقة تفيض حباً وشجاعة: — «لندخل إلى البهو وسأحكي لك كل شيء يا آدم... وإن لم ترد أن تعفو عني بعد سماعه فالأمر يعود لك، ولكن أرجوك لا تقسُ عليّ وقدر الظروف القاسية التي جعلتني أقدم على هذا الأمر... فأنا لا أريد أن يكون بيننا أي أسرار بعد اليوم.» تحرك معها نحو الداخل وهو يحاوط كتفها بساعده القوي، وانحنى يطبع قبلة دافئة على رأسها وقال بصد
انسابت نغمات الضحك الدافئة بينهما كمعزوفة تسعى لترميم ما انكسر بالأمس. كان آدم يطوق خصرها بتملكٍ حنون، يداعب خصلات شعرها الذهبي التي أثارتها الرياح، بينما استندت شهد برأسها على عنقه، تتنفس عبير عطره الفواح وتستشعر نبضات قلبه المتسارعة بجوار أذنها. تطلعت شهد إلى عينيه الساحرتين، ورأت خلف بريقهما الدافئ طيفاً من الحزن الدفين الذي لم تطمس آثاره ابتسامته العذبة. شعرت أن هذه اللحظة، وسط سكون الحديقة وصفاء الصباح، هي الملاذ الأنسب لتفتح الفجوة المسدودة بين ماضيه وحاضرهما. رفعت يدها الناعمة ولمست فكه الحاد بلطف شديد، ومررت أصابعها برقة على وجنته، ثم همست بنبرة خفيضة يملؤها الحب والاحتواء: — «آدم... حبيبي.» نظر إليها بعينين تفيضان شغفاً: — «عيون آدم... قلبه.» ترددت لشفرة ثانية، ثم تابعت بصوتٍ دافئ يتسلل كالمصل إلى روحه المرهقة: — «أنا أعلم كم تحبني، وأعلم أن ما حدث البارحة لم يكن أنت... بل كان ظلاً وجرحاً قديماً يؤلمك. الكلمات التي تفوهت بها وأنت غائب عن الوعي.. . نداءك لأمك، وغضبك القاتل منها... ما الذي فعلته بك يا آدم؟ ما السر الذي يحمل كل هذا الوجع في قل
نظرت كريمة إلى الأرض بنظرات محملة بذكريات الخطيئة والمرارة، وقالت بصوت يرتجف: — «يحيى... عندما ولدت زوجتك ابنك عامر وبدأت أنت تتعلق به وتنشغل عني ، قررتُ أن أبتعد وانتقم لكبريائي. وافقتُ على الارتباط بزوجي لأنني كنت غاضبة منك بشدة... لكن بعد زواجنا بأسابيع اكتشفتُ حملي في الشهر الثاني ، بينما لم يكن قد مضى على زواجي منه سوى أسبوعين فقط! لم أستطع مصارحة أحد بما حدث، وكان اعترافاً سيهدم حياتي وحياة طفلي... فاعتُقِدَ أن الحمل منه وأن الطفلة ولدت في الشهر السابع! لذلك كان يحب شهد أكثر من باقي إخوتها، ويخاف عليها من أي مكروه أو مرض...» سكتت كريمة لتلتقط أنفاسها والمشاهد القديمة تعود لذهنها كالكابوس: — «ولكنه اكتشف بالصدفة جواباً قديماً كنت أخبئه في أوراقي الخاصة... جواباً كتبتُه لك فور معرفتي بالحمل ولم أرسله ، بل خبأته مع ذكرياتنا القديمة. كانت شهد وقتها في السادسة عشرة من عمرها... لم يتحمل الرجل الصدمة والخيانات ، فحدثت له جلطة وأصيب بالشلل! وأخبرتُ شهد يومها بأن رئيسه في العمل طرده ظلماً، لكي لا تشك بأمر... ومن يومها تحمّلت تلك الصغير المسؤلية
مرت ساعات الليل ثقيلة بطيئة، ولم يعد آدم. بقيت شهد منتظرةً على الأريكة ذاتها، تنتفض في وحشة البهو الواسع، وانكمش جسدها الصغير بفعل برودة التكييف والليل الحالك، حتى أرهقها التعب والإنهاك ودموع الرعب، وغاصت في نومٍ متقطع مشحونٍ بالكوابيس. مع اقتراب التباشير الأولى للفجر، انفتح الباب الخارجي بخطوات ثقيلة. دخل آدم وعيناه تحملان جهداً وإرهاقاً لا يوصف، ليجدها متكورة على نفسها، وجسدها شبه متخشب من البرد . انقبض قلبه بألمٍ عارم، واقترب منها يحاول إيقاظها بنبرة يملؤها الندم: — «شهد... شهد! لماذا نمتِ هنا وبإمكانك الصعود إلى الغرفة؟ ولماذا بهذه الملابس؟» فتحت عينيها المجهدتين ببطء، ونظرت إليه بحدقتين متعبتين وهي ترتعش كفرخٍ صغير، وقالت بنبرة مبحوحة: — «آدم... أين كنت حتى هذا الوقت؟» لم يجبها، بل رفعها بين ذراعيه بأسى ورقة تتناقض تماماً مع ثورة البارحة، قائلاً بخفوت: — «سأجهز لكِ دشاً دافئاً... جسمكِ يرتجف تماماً.» همست وهي تستند برأسها على صدره بضعف: — «لا أستطيع الوقوف على قدمي...» حملها ودخل بها إلى الحمام الملحق بالجناح، أسندها بساعده القوي بينما
كانت شهد تحتضر بين يديه الفولاذيتين، وعيناها اللتان ملأهما الشغف قبل لحظات اتسعتا برعبٍ قاتل، وصوت استغاثتها يخنقُه انحباس الهواء في حنجرتها. كانت يداها النحيلتان تضربان صدره بضعفٍ متراجع، فيما غاب هو في ظلمة كابوسٍ قديم تجسدت فيه صورة أمه الغادرة التي حطمت شبابه. وفجأة، وسَط سكرات الخنق المترسخة ، سقطت دمعة حارة من عين شهد المذعورة لتستقر على ظهر يده. كانت تلك القطرة الصغيرة كشرارة كهربائية زلزلت كيانه ؛ انتفض آدم كمن أُلقي به في ماءٍ ثلجي، واهتزت حدقتاه بذهولٍ مرعب وهو يستعيد وعيه دفعة واحدة. كأن حجب الظلام انقشعت عن عينيه ليرى الواقع: ليست أمه من تحته، بل شهد! عروسته التي كاد يقتلها بيديه! أفلت رقبتها فجأة وكأنها جمرة نار حارقة، وتراجع إلى الخلف على الأريكة بانتفاضة رعب عارمة. شهقت شهد بصوتٍ مأساوي ممتزج بالبكاء، وتدحرجت على جانبها تدجل الهواء إلى رئتيها بشهقات متلاحقة وكسيرة، واضعة يدها المرتجفة على عنقها الذي صبغه الاحمرار القاني، بينما استقرت على وجنتها علامات الحمرة الصارخة من أثر صفعتها. تطلع آدم إلى يديه بذهولٍ جنوني، وجسده كله يرتجف بكامل قوت
ساد الجناح الرئيسي هدوءٌ ساحر، تعزفه إضاءة دافئة خافتة تنساب من مصابيح كريستالية جانبية، لتلقي بظلال حالمة على الجدران المكسوة بالخشب الفاخر والدرجات الترابية الأنيقة. كان أريج الزهور البيضاء ينبعث ناعمًا في الأرجاء، ممتزجًا بعبير عطر آدم الفواح الذي يملأ الفضاء بالرجولة والدفء . وقفت شهد في منتصف الغرفة، تتأمل تفاصيل المكان بذهول طفولي وابتسامة رقيقة تتلألأ على شفتيها. دنت من السرير الملكي الفسيح المغطى بملاءات حريرية ناصعة البياض ، بينما يقف آدم خلفها بخطوات متريثة، يرمقها بنظرات مشتعلة بشغف طال كتمانه خلف أسوار الكبرياء والتذبذب. اقترب منها حتى أحست بدفء أنفاسه يلامس عنقها الشاحب، لتسري قشعريرة دافئة في أرجاء جسدها. امتدت يداه القويتان بنعومة لتزيح خصلات شعرها الغجري الثائر، وطبع قبلة حانية وعميقة على كتفها العاري، همس بعدها بصوت خفيض ينساب كالموسيقى: — «أنتِ الآن في بيتكِ يا شهد... معي، ولا أحد يستطيع أن ينزعكِ من بين أحضاني بعد اليوم.» استدارت شهد ببطء، وتعلقت بعينيه المظلمتين اللتين تفيضان عشقًا وحنانًا. رفعت يديها النحيلتين لتلمسا فكه الحاد بلط







