Masukأقسم أنني كنت أظن أن هذا الصباح سيبدأ بدارس تعذيب جديد مع الحصان. لكن بمجرد أن جلست أمام راشد، أدركت أن الموضوع أكبر من حصان... وأكبر مني أنا أيضًا.
كان أمامه صندوق خشبي قديم. ومنذ جلست، وهو ينظر إليه أكثر مما ينظر إليّ. قلت باستسلام: «إذا ناوي تعذبني، خلّصني بسرعة.» «اليوم ما فيه تدريب.» «الحمد لله.» «اليوم بنتكلم.» «...رجعنا للمشاكل إذن.» «اجلسي.» جلست وعقدت ذراعيّ، وقررت ألا أخرج من هذا المجلس قبل أن أعرف الحقيقة. «من يوم وصلت وأنا أسأل السؤال نفسه.» «وأنا أعرف.» «وكل واحد يجاوبني: اصبري... بعدين... ستعرفين.» «لأن الوقت لم يكن مناسبًا.» «والآن صار مناسب؟» «نعم.» «إذن جاوبني.» بدل أن يجيب، فتح الصندوق وأخرج ظرفًا أصفر قديمًا ودفعه نحوي. «وش هذا؟» «رسالة.» «من مين؟» «جدك.» في تلك اللحظة نسيت كيف أتنفس. نظرت إلى الظرف وكأنني أخشى أن يختفي، ثم مررت أصابعي عليه برقة. «هذا خطه...» «نعم.» غريب... منذ وفاة جدي كنت أبحث عن أي شيء يخصه، حتى صوته في الهاتف كنت أستمع إليه أحيانًا. أما الآن فأنا أمسك آخر رسالة كتبها بيده. «إذا بكيت... لا تضحك.» «لن أضحك.» فتحت الرسالة بيدين مرتجفتين: «يا عنود... أعرف أنك غاضبة الآن، وربما أول سؤال في رأسك: لماذا أرسلتك إلى هنا؟» هززت رأسي دون وعي. «إيه... هذا أول سؤال.» «لو أخبرتك بالحقيقة قبل أن تصلين، لما صدقتِ حرفًا. أنا لم أرسلك إلى قبيلة آل راشد لأبعدك عن المدينة، ولم أفعل ذلك من أجل المال.» توقفت. «الحمد لله.» نظر إليّ راشد. «على ماذا؟» «خفت يكون الميراث عشرين جمل.» ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة عابرة. رأيتها. «ها! ابتسمت.» «لا.» «والله ابتسمت.» «تخيلتِ.» «أنا ما أتخيل.» تابعت القراءة: «لو كان الأمر يتعلق بالميراث فقط، لتركته لكِ بدون شرط. لكن هناك شيء يجب أن تعرفيه... لكن ليس الآن.» أغلقت الرسالة بعصبية. «حتى أنت يا جدي؟!» رفعتها في الهواء وأشرت إلى راشد. «يعني تعلمت الغموض من هذا الرجل؟» ظل هادئًا. «جدك كان يحب أن يقول الحقيقة في وقتها.» «وأنا أحب أعرفها الآن.» «ليس كل شيء يُقال دفعة واحدة.» «أنتم عندكم حساسية من الإجابات المباشرة في هذه القبيلة؟» قبل أن يرد، سمعنا طرقًا سريعًا على الباب. «يا شيخ...» «ادخل.» دخل رجل مستعجل. «وصل شخص من المدينة، ويقول إنه جاء من أجلها.» تبادلتُ النظرات مع راشد، ولاحظت أن ابتسامته اختفت تمامًا. «من هو؟» «ما قال اسمه، لكنه قال إنكِ ستعرفينه حين ترينه.» نهض راشد. «ابقي هنا.» «مستحيل.» «العنود.» «إذا جاء من أجلي، فلي الحق أعرف.» «ومن حقي أتأكد من هويته أولًا.» لم يجب على سؤالي إن كان يشك فيه، وهذا كان جوابًا كافيًا. خرج وأغلق الباب خلفه. انتظرت دقيقة أو اثنتين، ثم همست لنفسي: «قال خلكِ هنا... لكن الفضول أقوى.» فتحت الباب بهدوء وخرجت على أطراف أصابعي. قبل أن أصل نهاية الممر، سمعت نورة خلفي: «وش تسوين؟» «لا تخوفيني! أنا فضولية... مو حرامية.» «الشيخ قال تبقين في المجلس.» «وأنا طالعة أتمشى... صدفة باتجاه البوابة.» ضحكت نورة. «إذا كذبتِ، خلي الكذبة أفضل.» حاولت أقناعها أن تأتي معي، لكنها رفضت. تابعت وحدي حتى توقفت خلف سور قصير. كان راشد يواجه رجلًا يرتدي بدلة رسمية يحمل حقيبة جلدية. سمعت الرجل يقول: «أنا لن أرجع بدون الآنسة العنود.» قطبت حاجبي. من يتكلم بهذه الرسمية؟ رد راشد بهدوئه المعتاد: «لن تذهب معك.» «لكن عندي حق قانوني.» «وأنا أنفذ وصية جدّها.» اتسعت عيناي. حق قانوني؟ حاولت الاقتراب أكثر، لكن صوت راشد قطع الطريق: «العنود.» تجمدت. رفع رأسه ونظر إليّ مباشرة. ابتسمت بإحراج. «...كنت أتمشى.» «إلى البوابة؟» «الهواء هنا جميل.» التفت الرجل نحوي. «أخيرًا وجدتك.» تبادلت النظرات مع راشد، وشعرت أن الكوميديا التي عشتها منذ وصولي بدأت تتحول إلى غموض أكبر. «الآنسة العنود؟» «على حسب... من يسأل؟» «اسمي سامر، المحامي الذي كان يتولى شؤون جدك.» «يعني ما جئت تخطفني؟» «...لا.» «الحمد لله.» أخرج سامر ملفًا سميكًا. «جدك ترك أكثر من وصية.» التفتُّ إلى راشد. «كنت تعرف؟» «نعم.» «وما قلت لي؟» «لأن هذا ما طلبه جدك.» عقدت ذراعيّ. «بدأت أشك أن جدي كان يستمتع بعذاب الناس.» أخرج سامر ظرفًا ثانيًا مختومًا بالشمع الأحمر. «يفتح بحضورك وبحضور الشيخ راشد فقط.» «أنت داخل في كل شيء؟» «يبدو ذلك.» «ولا مرة فكرت تقول خلوني أرتاح؟» ابتسم راشد ابتسامة خفيفة. «فكرت... منذ وصولك.» «وأنا أيضًا.» ناولني الظرف. قبل أن أفتحه، قال سامر: «يُفتح مرة واحدة فقط.» مددت يدي ومزقت الختم ببطء. كانت الرسالة أقصر: «إذا فتحتِ هذا الظرف، فأنت ما زلتِ هنا، وبدأتِ تثقين براشد ولو قليلًا. يا عنود... لا تغضبي منه، فهو ينفذ وعدًا أعطاه لي. الحقيقة التي أخفيتها عنك ليست مرتبطة بالميراث... السر الذي أخفيته عنك هو أن...» قلبت الورقة. فارغة. «وين الباقي؟» «لا يوجد.» «كيف؟!» أخرج سامر مفتاحًا فضيًا صغيرًا. «هذا مفتاح صندوق أمانات في المدينة.» «افتحه.» «لا أستطيع.» «أعطني إياه.» «لا أستطيع.» التفتُّ إلى راشد. «لا تقل إنك أيضًا...» «ليس الآن.» أغمضت عينيّ. «أقسم أنكم متخصصون في رفع الضغط.» ابتسمت أم راشد التي اقتربت: «اصبري يا بنتي.» «حتى أنتِ!» عاد سامر إلى الجدية. «الصندوق في المدينة، ولا يُفتح إلا بعد انتهاء الأشهر الستة.» رفعت يدي إلى السماء. «يا جدي... أنت كنت تكتب وصية ولا لعبة ألغاز؟» ضحك الجميع... إلا أنا. لأول مرة شعرت أن الأمر أكبر من وصية وميراث. جدي لم يرسلني إلى هنا لأعيش ستة أشهر فقط، بل لأكتشف سرًا غيّر حياته من قبل، وقد يغير حياتي أنا أيضًا. -كانت الغرفة هادئة إلا من صوت المكيف الخافت. راشد يجلس على حافة السرير، المفتاح القديم بين أصابعه، يقلبه ببطء كأنه يقرأ فيه شيئًا غير مكتوب. الضوء الخافت من المصباح الجانبي يلقي ظلالًا طويلة على وجهه. الساعة تجاوزت منتصف الليل، وعنود نائمة في الغرفة المجاورة، أو هكذا ظن. نظر إلى المفتاح طويلاً، ثم همس لنفسه: «كل شيء يقودني إلى هناك... لكن القبيلة تنتظر.» أخرج هاتفه واتصل بفارس. صوته كان هادئًا وحاسمًا: «جهز الرجال. نرجع بكرة مع الفجر. وجودي هنا صار يلفت الأنظار أكثر مما ينبغي. رجال القبيلة يحتاجونني، والمدينة... المدينة ستنتظر.» أنهى المكالمة، ووضع الهاتف جانبًا. أحس فجأة أن الباب خلفه فُتح بهدوء. استدار. عنود واقفة في مدخل الغرفة، شعرها منسدل على كتفيها، وعيناها نصف نائمتين لكن الغضب فيهما واضح تمامًا. قالت بصوت منخفض لكنه حاد: «مين قال إننا راجعين؟» راشد تنهد، ووضع المفتاح على الطاولة: «أنا.» اقتربت خطوتين: «أنت؟ منذ متى صرت تقرر وحدك؟» رد بهدوء محاولًا تهدئة الأمر: «القبيلة مسؤوليتي يا عنود. الرجال هناك ينتظرون أوامر. كل يوم أتأخر يزيد الشكوك.» قاطعتْه فورًا: «والخيوط كلها ه
انطلقا فورًا. لم يتبادلا كثيرًا من الكلام في السيارة، لكن الصمت بينهما لم يكن ثقيلًا. كان الطريق هادئًا، والشمس تميل إلى الغروب، تلقي بظلالها الطويلة على الأرصفة الخالية. راشد يمسك عجلة القيادة بقبضة ثابتة، وعنود تنظر من النافذة ثم تلتفت إليه فجأة، بابتسامة خفيفة تخفي توترها. قالت بصوت ناعم: «هل تعلم أننا لم نكمل يومًا طبيعيًا منذ تزوجنا؟» ابتسم راشد دون أن يبتعد بصره عن الطريق: «طبيعي؟ ما هو الطبيعي يا عنود؟» أجابت وهي تضع يدها على ذراعه: «أن نستيقظ معًا، نشرب القهوة، نتشاجر على من يغسل الصحون، ثم ننام دون أن نفكر في ملفات قديمة أو أسماء تختفي. هذا هو الطبيعي الذي لم نعرفه بعد.» أمسك بيدها دون أن ينظر إليها، وضغط أصابعه بلطف: «سنصل إليه. وبعدها... سأجعل لك أيامًا عادية حتى تملّي منها.» ضحكت بهدوء، ثم اقتربت أكثر، وضعت رأسها على كتفه للحظات: «لا أملّ منك أنت. حتى لو لم يكن هناك أيام عادية.» في تلك اللحظة، بدا التوتر أخف. لم يكن الحب بينهما صاخبًا، بل هادئًا وعميقًا، يختبئ في الإيماءات الصغيرة وفي الكلمات التي تُقال دون زخرفة. وصلا إلى العنوان المكتوب في الملف. المبنى ق
استيقظتُ متأخرة على غير عادتي. لأول مرة منذ أيام، لم يكن صوت إطلاق نار يوقظني، ولا خوف يجعل قلبي يدق قبل شروق الشمس. فتحتُ عيني ببطء، ومددتُ يدي إلى الجهة الأخرى من السرير. فارغة. جلستُ بسرعة ونظرتُ حولي. «راشد؟» لم يجب أحد. نهضتُ وخرجتُ من الغرفة، فوجدته واقفًا في الشرفة، يستند إلى السور الحديدي، وبين يديه الورقة القديمة. لم ينتبه لوجودي. كان شاردًا تمامًا، كأن الصورة تأخذه إلى زمن آخر. اقتربتُ منه بهدوء ووقفتُ بجانبه. «صباح الخير.» التفتَ إليّ وابتسم ابتسامة خفيفة. «صباح النور.» نظرتُ إلى الصورة التي يمسكها. جدي... ووالد راشد... والطفل المجهول. مددتُ يدي وأخذتها. تأملتُ الوجوه بهدوء وقد عادت إليّ الأسئلة نفسها. «من أمس وأنا أفكر فيه.» «وأنا كذلك.» أشرتُ إلى الطفل: «لو كان عمره خمس أو ست سنوات وقتها... فهو اليوم في الثلاثين تقريبًا.» أومأ راشد بصمت، ثم قال: «وأعتقد أنه يعرف أكثر مما نعرف.» رفعتُ رأسي إليه: «يعني بنبدأ ندور عليه؟» نظر إلى المدينة الممتدة أمامنا: «إيه.» ابتسمتُ بخفة: «أخيرًا عندنا هدف واضح... بدل ما كل يوم نهرب.» نظر إليّ بطرف عينه:
أول ما خرجنا من المقبرة، شعرتُ أن جسمي كله قد فارقه العزم. كأن الليالي الطوال والدموع والرصاص قد سحبت مني آخر قطرة طاقة. ركبتُ السيارة بصمت، وفارس يقود بسرعة حذرة، بينما سالم في المقعد الأمامي يضغط بيده على كتفه المصاب. أما راشد، فقد جلس بجانبي، وأمسك يدي طوال الطريق دون أن ينطق بكلمة. كان دفء كفه يقول ما لا تستطيع الكلمات التعبير عنه.لم نتحدث كثيرًا. كان التعب أعمق من الحديث.بعد نحو نصف ساعة، وصلنا إلى شقتي. أغلق فارس الباب بهدوء، وساعد سالم على الجلوس على الأريكة. لم تمضِ دقائق حتى حضر الطبيب الذي يعرفه فارس. فحص الجرح بهدوء، ثم ابتسم ابتسامة مطمئنة.«الرصاصة خدشت فقط، لم تدخل. سيكون بخير بعد راحة قصيرة.»تنفستُ براحة عميقة، وهمستُ: «الحمد لله.»ابتسم سالم بتعب وهو ينظر إلينا، محاولًا أن يخفف الجو الثقيل: «واضح إنكم زعلانين لأني ما مت.»رمقه فارس بنظرة حادة: «تكلم أقل.»ضحكتُ رغم الإرهاق: «أول واحد يطلع من الموت ويبدأ يستهبل.»ضحك سالم بخفة، ثم قال: «إذا ما مزحت... أموت فعلًا.»حتى راشد ابتسم هذه المرة. ابتسامة صغيرة، نادرة، كأنها أول شعاع ضوء بعد عاصفة طويلة.---بعد قليل،
بقينا واقفين في وسط الشارع المزدحم، والصمت يلفنا كغطاء ثقيل. كلمات سالم لا تزال تتردد في أذني: «لا تروحون للمقبرة... نصبوا لكم فخًا كبيرًا.»انقطع الاتصال، لكن الخوف بقي معلقًا في الهواء.رفع راشد هاتفه مرة أخرى وحاول الاتصال بفارس، ثم بسالم. لا رد. الخط مشغول أو خارج الخدمة. شدّ فكه، وعيناه تحترقان بغضب مكتوم."راشد..." همستُ بصوت مرتجف، "سالم ما كان يمزح. صوته... كان يبدو وكأنه مصاب."نظر إليّ طويلاً. في عينيه مزيج من القلق عليّ والتصميم الذي لا يلين. "أعرف. لكن لو تركنا المقبرة الآن، راح يضيع كل شيء. الوثيقة هناك. وأبي... ما كان يخبيها إلا لسبب."أمسك يدي مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن فيها دفء فقط، بل توتر. "ما راح أخليكِ تواجهين هذا لوحدك. لكن القرار قرارك أنتِ يا عنود."ابتلعت ريقي. صورة جدي تتراءى أمامي، وكلماته في الرسالة: «أنتِ الآن مع راشد...» "نروح. بس مو بهالطريقة. لازم نكون أذكى منهم."ابتسم راشد ابتسامة خافتة، لكنها لم تصل إلى عينيه. "هذا بالضبط اللي كنت أبغاه أسمعه.ركبنا سيارة أجرة أولاً، ثم غيرناها مرتين في طريقنا خارج المدينة. راشد كان يراقب المرايا باستمرار،
توقفتُ عن التنفس تمامًا.كان الظلام كثيفًا يلتهم كل شيء، ولم يبقَ سوى وقع خطوات ثقيلة تقترب ببطء مرعب بين رفوف الأرشيف القديمة. كل خطوة كانت أقرب... أقرب.شد راشد يدي بقوة أكبر، حتى شعرت بحرارة كفه تخترق برودة المكان المتجمدة. همس دون أن يلتفت، صوته خافت لكنه حاد كالسكين:"إذا صار أي شيء... لا تتركين يدي أبدًا."أومأت برأسي في صمت، وقلبي يدق كطبول الحرب.وفجأة...اشتعل ضوء مصباح يدوي صغير في آخر القاعة. ثم آخر. ثم ثالث. تحركت الثلاثة أضواء بين الرفوف بثقة، كأن أصحابها يعرفون كل زاوية في هذا المكان المظلم.همس الرجل المسن بخوف مكتوم: "يا ساتر يا رب..."اقترب أحدهم من المكتب وأخذ يقلب الملفات بعنف شديد. سقطت الأوراق على الأرض، وتناثرت الصور القديمة كأوراق الخريف الميتة. قال بصوت خشن جاف:"فتشوا كل شيء. الملف لازم يكون هنا."قطب راشد حاجبيه. همس لي بسرعة: "هم مو جايين عشانا... جايين يدورون الملف."في تلك اللحظة الدقيقة، انحنى الرجل المسن خلف مكتبه بسرعة مذهلة، وأشار بعينيه المذعورتين إلى درج سفلي خفي لم أنتبه له من قبل. فهم راشد الإشارة فورًا.استغل انشغال الرجال، وتحرك كالظل ب







