Masukومن الحب ما قتل «من الحب ما قتل»… عبارةٌ قديمةٌ تداولتها الألسن، وحفظتها الكتب، وتناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل. عبارةٌ ارتبطت بحكايات العشاق الذين هزمهم الحب حينًا، وهزمهم الفراق حينًا آخر، حتى أصبح الناس يرددونها وكأن الحب قدرٌ لا يترك وراءه إلا الوجع والدموع والنهايات المأساوية. لكن حكاية فهد وعلياء جاءت لتكتب للعبارة معنى آخر. معنى لم يعرفه الذين سبقوهما. ففي حكايتهما، لم يكن الحب قاتلًا… بل كان الحب هو الشيء الوحيد الذي لم يستطع أحد قتله. منذ اللحظة الأولى التي جمع فيها القدر بين قلبيهما، لم تكن الطريق أمامهما مفروشة بالورود. كان هناك من رأى في حبهما خطرًا، ومن خاف من اتحادهما، ومن أراد أن يجعل المسافة بينهما أكبر من قدرتيهما على الاقتراب. حاولوا أن يزرعوا الشك حيث كان يسكن اليقين. وحاولوا أن يزرعوا الكراهية في قلبين لم يعرفا سوى المحبة. وحاولوا أن يجعلوا الماضي سيفًا مسلطًا على الحاضر، وأن يحولوا الأخطاء القديمة إلى جدران شاهقة تمنع القلب من الوصول إلى القلب. لكن فهد وعلياء لم يكونا عاشقين عابرين. كان بينهما شيء أعمق من الكلام، وأقوى من الظروف، وأبقى من ال
ومن الحب ما قتل...كانت تلك عبارةً عتيقةً تتناقلها الألسن كلما انطفأت حكاية حبّ على عتبة الفراق، أو انكسرت تحت وطأة الندم، أو تلطّخت بالخيانة؛ كأن الحب لا يخلّف وراءه إلا ندوبًا غائرة، وقلوبًا مثقلة، وخسارات لا تجد إلى النسيان سبيلًا.لكن القدر، في حكاية علياء وفهد، شاء أن يقلب معنى المقولة رأسًا على عقب.ففي قصتهما، لم يكن الحب قاتلًا...بل كان هو الذي قتل الحقد، وأخمد جمر الغيرة، ومزّق أوراق الماضي التي ظلّ بعضهم مكبّلين بها أعوامًا طويلة.جمع الحب بين فهد وعلياء، لكنه لم يكتفِ بأن يضم قلبين؛ بل امتدت يده الخفية إلى القلوب من حولهما، فأعاد ترتيبها، وبدّل وجهتها، وفتح فيها نوافذ لم تكن تعرفها من قبل.حتى نجلاء، التي أمضت طويلًا سجينة أخطائها، وجدت نفسها أخيرًا واقفة أمام مرآة الحقيقة. أدركت أن ما اقترفته لم يكن إلا جرحًا حفرته بيديها، وأن السعي إلى هدم سعادة الآخرين لم يكن يومًا جسرًا تعبر عليه إلى السعادة. اعترفت بخطئها، وتراجعت عن طريقها، وحاولت أن ترمّم ما أفسدته، وإن جاء اعتذارها بعد فوات كثير من الوقت.أما علياء، فلم تكن امرأة بلا ماضٍ.كانت تعرف أن الإنسان قد يضلّ الطريق، وأن م
قرر فيصل أن يقيم مأدبة في قصر الشامي، لكن هذه المرة لم تكن مأدبة عادية كتلك التي اعتاد القصر على احتضانها، بل كانت مناسبة مختلفة تمامًا، أراد من خلالها أن يرد شيئًا من الجميل إلى الأشخاص الذين كانوا جزءًا من مسيرة عائلة الشامي، وإلى العمال والموظفين الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية استمرار ما بناه شقيقه الراحل فهد وزوجته علياء، رحمهما الله.في صباح ذلك اليوم، أصدر فيصل أوامره إلى طهاة القصر بأن يجهزوا أشهى وأفخم المأكولات، دون أن يبخلوا في شيء. أطباق متنوعة، حلويات فاخرة، فواكه، عصائر ومشروبات مختلفة، وكل ما يمكن أن يجعل تلك المناسبة يومًا لا يُنسى.لكنه فاجأ الجميع عندما قال:— «هذه المرة لن تكون المأدبة في القصر... سنذهب إلى المنجم.»نظر إليه سعد باستغراب، ثم ابتسم قائلًا:— «إلى المنجم؟»ضحك فيصل وقال:— «نعم. أريد أن يأكل العمال والموظفون على أرض المكان الذي تعبوا فيه، لا أن نجعلهم يتركون عملهم ويأتون إلى القصر وكأنهم ضيوف غرباء. هذا المنجم جزء من تاريخ عائلتنا، وهم جزء من هذا التاريخ.»وصل الخبر إلى ليلى وزينب وزليخة وليان، فاستقبلن الفكرة بحماس كبير. لم تتردد أي واحدة منهن في المش
بعد انتقال فيصل إلى العاصمة لتولي مسؤولية إدارة مجموعة شركاته، واستقراره في فيلا الشامي، لم يسمح لانشغالات العمل أن تجعله يبتعد عن قصر أخيه الراحل فهد. فقد بقيت وصية أخيه عالقة في ذاكرته، وصية لم تكن مجرد كلمات قيلت في لحظة عابرة، بل أمانة وضعها فهد بين يديه قبل رحيله:«فيصل، لا تترك أبناءي وحدهم مهما شغلتك الدنيا… تفقد أحوالهم من حين إلى آخر، وكن لهم سندًا إن احتاجوا إليك.»ولهذا، وفي أحد الأيام، قرر فيصل أن يصطحب زوجته وأبناءه في زيارة إلى قصر الشامي، للاطمئنان على أحوال أبناء أخيه وعلى سير الحياة داخله.وما إن توقفت سياراتهم أمام البوابة الرئيسية حتى شعر فيصل بشيء غريب من الحنين. كان القصر هادئًا، شامخًا كما تركه فهد، تحيط به الأشجار من كل جانب، وكأن المكان ما زال يحتفظ بروح صاحبه.دخل فيصل بخطوات هادئة، وكانت عيناه تجولان في أرجاء القصر، يتفقدان كل شيء. لكنه سرعان ما بدأ يشعر بالدهشة.لم يكن القصر يعيش حالة من الفوضى أو الإهمال بعد رحيل فهد وعلياء، بل كان كل شيء يسير وفق نظام دقيق ومدروس، وكأن روح فهد ما زالت حاضرة بين الجدران.كانت ليلى قد تولت مسؤولية القصر بكل جدية، وبدت واضحة
عاد السلام أخيرًا إلى قصر الشامي، ذلك القصر الذي أنهكته الخلافات، وأثقلته الأسرار، وعاشت جدرانه طويلًا على وقع الصراعات والدموع. لكن الأيام القاسية انقضت، وكأن أرواح الراحلين، فهد الشامي وعلياء، تركت خلفها وصية صامتة لأبنائهما: أن يبقوا عائلة مهما عصفت بهم الحياة، وأن يكون الحب أقوى من كل جرح.اجتمع أبناء المرحوم فهد والمرحومة علياء تحت سقف واحد، لا يجمعهم هذه المرة الخوف ولا الخصام، وإنما الأمان والمودة وصلة الدم. كانت نجلاء حريصة على أن يبقى هذا البيت متماسكًا، فقد أدركت أن ما تبقى من عمر الإنسان لا يستحق أن يضيعه في الحقد والانتقام، وأن أعظم ما يمكن أن تقدمه لذكرى فهد وعلياء هو أن ترى أبناءهما يعيشون بسلام.أما ليلى، فقد أخذت على عاتقها مسؤولية القصر بكل تفاصيلها. كانت تستيقظ منذ الصباح الباكر، تتابع نظافة الأجنحة والصالات، وتشرف على إعداد الطعام والشراب، وتتأكد من أن كل شيء في مكانه. لم تكن مهمتها مجرد الحفاظ على نظافة القصر، بل كانت تشعر أن هذا المكان أصبح أمانة في أعناقهم، وأن عليها أن تحافظ عليه كما حافظت عليه عائلة الشامي لسنوات طويلة.كانت تراقب كل كبيرة وصغيرة، تسأل عن أحوال
كانت الخزانة القديمة تقف في أحد أركان الغرفة، وقد غطّى الغبار رفوفها وأبوابها، وكأن الزمن ترك عليها بصمته منذ سنوات طويلة. وبينما كانت زينب تبحث بين أغراض والدها الراحل، لفت انتباهها صندوق خشبي قديم، صغير الحجم، لكنه بدا وكأنه يحمل في داخله شيئًا أثمن من مجرد مقتنيات.مدّت يدها ومسحت طبقة الغبار عن غطائه، فتوقفت أنفاسها للحظة عندما قرأت الاسم المحفور عليه:«فهد الشامي»ارتجفت أصابعها وهي تلمس الحروف، ثم همست:— أبي...جلست على الأرض أمام الخزانة، واحتضنت الصندوق للحظات قبل أن تفتحه بحذر، وكأنها تخشى أن توقظ ذكريات والدها من سباتها الطويل.رفعت الغطاء ببطء، فظهرت أمامها مجموعة من الأغراض القديمة التي احتفظ بها فهد طوال سنوات؛ بعض الصور، ساعة قديمة، رسائل، وأشياء صغيرة لم تكن لها قيمة مادية، لكنها كانت بالنسبة إليه أجزاءً من حياته التي عاشها بكل ما فيها من أفراح وانكسارات.وبينما كانت زينب تقلب الصور، وقعت عيناها على صورة جعلتها تتجمد في مكانها.كان والدها فهد يقف إلى جانب نجلاء، وكانت نجلاء تحمل بين ذراعيها طفلة صغيرة.حدقت زينب في الصورة طويلًا، ثم شعرت بغصة في حلقها.لقد كانت تعرف جي







