LOGINغطّت فاتن الصندوق بيدها فجأة، وقالت بنبرة قاطعة: "لا يتحدَّث أحدٌ منكم بكلمة عمّا رأى".وفي ظلّ نظرات الموظفين المليئة بالدهشة، هرولت مباشرةً إلى المكتب. وما إن بلغت مكتب صلاح حتى وضعت صندوق المخمل الأحمر أمامه.ألقى صلاح نظرة واحدة، وفهم على الفور: "هو نفسه مرة أخرى؟""يبدو ذلك." تجعّد حاجبا فاتن بقلقٍ خافت، لا تدري ما الذي يريده ذلك الشخص من تكرار إرسال الهدايا، فأطرقت: "وهذه المرة وضع ورقة بداخل العلبة... يدعوني للخروج غدًا".تناول صلاح الورقة، وقرأها. كانت بالفعل كما وصفت، بل كُتب عليها عنوان واضح أيضًا.قال: "يبدو أن مدينة الملاهي العالمية ليست بعيدة عن الشركة"."تقصد… أن أذهب للقائه؟"وضع صلاح الورقة، وصوته هادئ وقاطع. منذ أن أسس الشركة، ازدادت هيبته، وبات كل يوم أعمق حضورًا وأقوى أثرًا. لم يعد ذلك المساعد الهادئ سابقًا، بل أصبح رجلًا يتصدر المشهد.قال: "اذهبي وقابليه، من الأفضل أن نعرف ما الذي ينوي فعله بالضبط، ولا تخافي، سأذهب معك".وفجأة انقشعت البرودة عن ملامحه، وانبثقت ابتسامة دفئت الجو بينهما، فاحمرّت وجنتا فاتن خجلًا، وقالت: "ومن قال إني أريدك أن تأتي معي! أمرٌ بهذا الصغر
بدأ عدد الموظفين في الشركة يزداد يومًا بعد يوم، وما إن عرفوا أن رؤسائهم ثنائيٌ متحاب، حتى انتشر بينهم نوع من الإعجاب الممزوج بالغيرة الجميلة."نائبة المدير فاتن والمدير صلاح… علاقتهما رائعة!""حقًا! لكن… لماذا لم يتزوجا بعد؟""ربما لأنهما في فترة صعود مهني… والزواج يحتاج وقتًا واستقرارًا، لكني أظنه أمرًا وشيكًا."كانت حياتهما اليومية مليئة بالعمل، لكن الابتسامة المضيئة على وجه فاتن لم تفارقها.وصلاح، كلما رآها هكذا، شعر بطمأنينة تغمر قلبه، وحمد الله على أنه لم يتراجع، وأنه اختار الطريق الصحيح. كما ظل ممتنًا لسمير الذي دفعه وساعده.أما سمير فكان يتعامل مع شكر صلاح ببساطة، وكان يقول له: "مقارنة بما فعلته لي يومًا... ما أفعله أنا الآن لا يُذكر."كان الاثنان يتحدثان، وهما في طريقهما للخروج.رأيا فاتن واقفة عند المدخل، مرتدية فستانًا أزرق بسيطًا، شعرها مرفوع بنعومة، وفي يديها باقة من الورد الأحمر.وما إن رأى صلاح هذا المشهد، حتى خفق قلبه بقوَّة، كأن شيئًا ما اصطدم به.لم تكن فاتن قد انتبهت لوصولهما بعد، وكانت تقول للموظفة عند الاستقبال بعبوس: "ألا تعرفين فعلًا من أوصل هذه الزهور؟"هزّت المو
حين التقت نظراته بنظرات فاتن الاستجوابية، ظهر لأول مرة على وجه صلاح، الذي اعتاد الهدوء، شيء يشبه الألم الخافت.أدار رأسه بعيدًا كي لا يواجه عينيها، وقال بصوت منخفض: "والداكِ محقّان… هما يفعلان هذا لأجلكِ. أنا مجرد مساعد، ولا أستطيع أن أمنحك ما تريدينه".قالت فاتن بحدة: "هذه ليست طريقة تفكيرك الحقيقية! ولو كنت تفكر هكذا... فلماذا لا تجرؤ حتى على النظر إليّ؟""فاتن…"قاطعته بصرامة: "انظر في عينيّ وقل لي إنك تريد الانفصال... غير هذا، لن أصدق كلمة واحدة تقولها".قالت ذلك ثم استدارت وغادرت.وبعد قليل عاد سمير إلى المكتب، فرأى صلاح جالسًا ورأسه منكّس.قال سمير: "هذه أول مرة أراك محطمًا هكذا، يبدو أن الأمور لم تسر كما يجب، أليس كذلك؟"ابتسم صلاح بمرارة، وقال: "طلبت مني أن أقول لها بلساني إنني أريد الانفصال… كيف أقول ذلك؟ كيف يمكنني أن أخرج تلك الكلمات؟"قال سمير: "طالما الأمر كذلك، فلا تتردد. والداها ينظران إليك بدونية؟ إذًا افتح شركتك وأثبت لهما خطأهما. صلاح الذي أعرفه ليس ممن يتراجعون بهذه السهولة".نظر صلاح إليه مصدومًا لحظة، ثم انقلب ذلك الذهول إلى تصميم عميق في عينيه.نهض مسرعًا لملاحقة
"هل ذهبت لتلتقي بفاتن، فاصطدمت بعقبات عند والديها؟ ماذا يريدان؟ هل ما زالا يريدان مساعدة من شركة القزعلي؟"سمير، كخبير وذو تجربة، كان يعرف جيدًا المشكلات التي يواجهها صلاح الآن.لكن صلاح لم يرد التحدث عن عائلة فاتن مرة أخرى، وقال بهدوء: "سيد سمير، لقد انتهى الأمر بيني أنا وفاتن".لم يتوقع سمير أن تنتهي الأمور بينهما بهذه السرعة، خاصة بعد أن كان صلاح قد تقدم لخطبة فاتن للتو.ولو لم تكن فاتن تحب صلاح، لما بقيت معه، ولما وافقت على أن تُخطب له.إذن، ما حدث كان مجرد قرار من جانب واحد، جانب صلاح. وكلُّه بسبب تدخل والدي فاتن.سمير، الذي مرّ بتجارب مشابهة، لم يرغب في أن تنتهي قصة حبهما النادرة هكذا بسهولة.قال وهو يضع أوراقه جانبًا، ويقترب من صلاح: "فاتن تحبك، وأنت تحبها، وتقول إن الأمور انتهت؟ ألا ترى هذا مؤسفًا؟"ثم أضاف: "أنت لم تعد صغيرًا، بالكاد وجدت شخصًا تحبه، والآن لديك فرصة لتكوين علاقة، فماذا تنتظر لتضيع هذه اللحظة؟""هل فاتن حقًا تريد الانفصال عنك؟ إذا كانت المشكلة فقط في والديها، فعليك أن تعمل على كسب رضاهما، ليوافقا على علاقتكما."وضع سمير يده على كتف صلاح، وقال: "هما يريدان مجرد
أمسك والد فاتن صدره قائلًا: "فاتن، هل من أجل رجل واحد ستؤذين والديك هكذا؟"شعرت والدة فاتن بالقلق فورًا، وقالت: "فاتن، والدك ضعيف البنية. أرجو منك أن تضعِي سكين الفاكهة أرضًا، لا تُغضبيه أكثر!"لكن فاتن لم تترك السكين، وضحكت بسخرية: "تقولين لي ألا أغضبه، ألا أؤذيكما... وماذا عنكما أنتما؟ ألم تفكرا أنكما تؤذياني؟ كنت البنت الطيبة المطيعة طوال الوقت، أفعل كل ما تريدان، لأحقق رضاكما"."حتى عندما طلبتما مني العمل سكرتيرة في شركة القزعلي، كان ذلك لأنكما قلتما أن علي أن أتدرَّب في بيئة مختلفة، لكن في النهاية، إلى ماذا تحوّل الأمر؟""لم أواعد أحدًا في المدرسة، ولم يكن لي حبيبٌ قط. الآن بعد أن وجدت صلاح حبي الحقيقي، والذي يعاملني بلطف، لماذا لا يمكنني أن أكون معه؟""هل صلاح شخص سيء لهذه الدرجة؟"لو كان صلاح سيئًا، لما وثق فيه سمير ودرّبه كل هذه السنوات.صلاح رجل كفؤ، والكثيرون في المجال حاولوا جذب صلاح بعروض مغرية، لكنه رفض دائمًا.وفاءه لسمير لا يشوبه شك.مثل هذا الرجل، أليس جديرًا بالثقة؟يجب أن نذكر أن سمير غاب خمس سنوات، وخلال هذه الفترة كان صلاح هو من يدير جميع الأمور، ومع ذلك لم يفكر يوم
حتى أن والدة فاتن قالت لها بصرامة: "لقد رتبت لك موعدًا مدبرًا، وسيأتي الرجل بعد قليل. إذا لم تريدي أن يحبسكِ والدك في المنزل، فمن الأفضل أن تتعاوني بهدوء!"رغم جلوسها على الأريكة، إلا أن نظرتها الحادة وطاقتها الصارمة لم تخفف شيئًا من هيبتها.خرج والد فاتن في تلك اللحظة، متظاهرًا بالمرض، وقال: "أمك عاملته بلين، لو كنت انا من أتعامل معه، لكنت تحدثت بشكل أقسى، وإذا أصر على موقفه، فلن أسمح لأحد بأن يدعه يخرج من هنا!"شعرت فاتن بالدهشة. لم يخطر في بالها أن هذه الكلمات ستصدر عن والديها. هم من عائلة متعلمة وناجحة، ومع ذلك قادران على قول مثل هذا الكلام، وحتى أنهما يرتبان لها موعدًا لها بالقوة؟ ماذا يريانها؟ هل هي سلعة تباع وتُشترى؟ابتسمت فاتن بسخرية، وقالت: "عائلتنا كبيرة وثرية، لكن متى سنرفع من قيمة البشر؟ ومتى سنتوقف عن السعي لما هو أعلى؟""سمير هو أغنى رجل في مدينة الدرعية، فلماذا لا تضعان طموحكما عليه؟"كانت كلمات فاتن لاذعة، لكن لا لوم عليها، فهما من بدآ أولًا بهذه الطريقة القاسية.في الحقيقة، ليس الأمر أن والدا فاتن لم يفكرا قط في هذا الأمر، لكن سمير لديه نور بجانبه، محب لزوجته وطفل







