All Chapters of ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم : Chapter 11 - Chapter 20

26 Chapters

الفصل الحادي عشر

"إن الرجال لا يعرفون البكاء إلا على أشياء منحوها قداسة في قلوبهم ثم فقدوها بغتة" ***** تغيرت ملامح سديم فجأة حتى بدت قاسية وذابلة كأنما ضربها الجفاف، وغارت عيناه في محجريهما وهما تصطبغان بلون أحمر داكن زاد من شحوب وجهه. كانت دقات قلبه تضرب في صدره بعنف، وشعر باضطرابٍ شديد في أحشائه جعله يجد صعوبة في التنفس، وكأن جسده يتمزق من الداخل في صمت مطبق. تحرك بخطوات ثقيلة وغير متزنة، مدفوعا بقوة داخلية لم يدرك كنهها، ليجد نفسه وسط ساحة القتال الصاخبة التي تضج بعرق الجنود وهم يتدربون، ترك خلفه جارج تحت رعاية حكيم القصر، ذلك الرجل الذي كانت تنبعث منه رائحة نفاذة لأعشاب قديمة ومتعفنة. وقف سديم بمواجهة أقوى مقاتلي المملكة، أربعة رجال ضخام البنية، جلودهم مائلة للحمرة وشعرهم أبيض ناصع، يقفون بثبات كأنهم أعمدة مثبتة في الأرض. كانت ملامحهم تنضح بالغضب، وأنفاسهم تخرج مسموعة في الساحة. رفع سديم رأسه، وبصوت خرج عميقا ومهتزا بحدة غير معهودة، قال لهم: - سوف نبحث عن لينا... الإنسية... صمت فجأة، وانقبضت حنجرته بشدة، وشعر بمرارة لاذعة تسكن حلقه، وكأنه يحاول ابتلاع جزيئات حادة تجرح عنقه من الداخل، أغ
Read more

الفصل الثاني عشر

لاح الفجرُ في الأفق، وتسللت خيوطٌ رمادية هزيلة لتبدد الظلام، ومع تمدد الضياء شيئا فشيئا، تقهقرت الرماديةُ خجلا أمام زرقةٍ شاحبة بلون الجليد، بينما استمرت الأشجارُ في ارتجافها المرير، تنحني برقة مع النسائم الباردة. وصل سديم ومعه المقاتل بلانو، ذلك الرجل الذي يمتلك جسدا نحيلا يوحي بالضعف لكنه يضمر قوة فتاكة، واتجها مباشرة إلى أعماق الغابة بحثا عن أي أثر يدل على الخاطف. عاد سديم إلى البقعة ذاتها التي اختطفت منها لينا، وجابت عيناه الأرض بتركيز حاد، حتى وقع نظره على أثر دم لينا الملطخ فوق العشب الأخضر، كان اللون الأحمر القاني يبدو صارخا وسط خضرة المكان الداكنة. جثا سديم على ركبتيه ببطء، وأطلق زفيرا طويلا كأنه يخرج بقايا روحه، مدركا أن غيابها لم يكن خطف عابر، بل كان انتزاعا عنيفا يشوبه شعور بالذنب لأنه لم يحمها. بدأ عقله يصور له مشاهد مخيفة لما قد يفعله بها الخاطف المجهول، فاحمرت عيناه من جديد حتى بدتا وكأنهما ستنزفان دما، وارتفعت حرارة جسده لتلفح الهواء البارد من حوله، فهمس لنفسه بتهديد، وكأنه المجهول أمامه: - أقسم، إن لمستها سأقتلك. وسط لجة غضبه العارم، لمح سديم طيفين رماديين يمرقان ب
Read more

الفصل الثالث عشر

أشرقت الشمس، وتسللت خيوطها الذهبية كنِصالٍ مستقيمة تخترق هامات الأشجار الكثيفة، فاستحال العشب النديّ تحت أقدام سديم ومن معه إلى بساط من الزجاج الأخضر اللامع، يعكس الضوء في عيونهم. كان سديم غارقا في صمته، يضع كفه على ذقنه ويغرس أصابعه في جلده بتوترٍ، وهو يفكر في كيفية اقتحام قلب مملكة "آسن"؛ تلك الأرض التي اتخذ المكر فيها مستقرا، والوحيدة التي يضاهي أبناءها قوة ملوك الظلال وأبناء النار. التفت بنظره نحو إيزميرا، وسألها بصوتٍ غلفه الشك ومرارة الحيرة: - ولكن، كيف لي أن أخفي هويتي؟ وكيف أقاتل وقد فقدتُ جزء من قوتي؟ أنتِ تعرفين جيدا من هم أبناء آسن؛ سيعرفون أني جني من مملكة النار، حتى لو أرتديت مئة قناع، وعندها ستشتعل نيران الحرب التى خمدت بين المملكتين من جديد. رسمت إيزميرا على ثغرها ابتسامة خاطفة، وأجابت بثقة: - أتظن حقا أني لم أدبر حل لمثل هذه الأمور؟ اطمئن، لن يعرفوا من أنت، ولا حتى أنا. تابعت وهي ترسم ملامح خطتها في الفضاء: - أولا، سأكشف لك هوية الخاطف ومكانه، وبينما تذهب أنت لاستعادة صديقتك، سأنطلق أنا ومساعدي نحو جبال 'هالي' لإحضار زهرة 'بينانون'؛ فهي السبيل الوحيد ل
Read more

الفصل الرابع عشر

كان الكهف ينضح بالدم والرطوبة، رائحة تشبه معدن صديء غُسل بالماء.لم يطق سديم الانتظار لوهلة؛ انحنى ورفع لينا بين ذراعيه برفق، ثم اندفع يجري فوق برك الدماء بلا وعي، ينهب الأرض نهبا وهو لا يبصر أمامه سوى مخرج الكهف، وكل همه أن ينقذ بقايا الروح في جسدها اللاهب الذي كان يحرق كفيه.أما بلانو، فقد اقتاد ذلك الحارس البشع بقبضة من حديد نحو سجن المملكة بأمر صارم من سديم، قبل أن يعود بلمح البصر ومعه جنديان لنقل سديم، وفحص ما تبقى من أجساد في ذلك المسلخ البشري، لعلهم يجدون هناك من يقاوم الموت.وصل سديم إلى جناح الحكيم في القصر، ووضع لينا على سرير الفحص بعناية فائقة، بينما كان الذعر ينهش ملامحه القوية، هتف بصوت يرتجف:-أرجوك.. أنقذها! وأخبرني ماذا أصابها؟ وأي لعنة هذه التي خُتمت بها؟أجابه الحكيم بهدوء يحاول به امتصاص ثورة الملك الشاب، ومد يده ليتفحص جبين لينا المشتعل، ثم قال بنبرة هادئة:- لا تخف... سأفحصها بدقة، فقط أحضر لي ماء دافئا فوراأحضر سديم الماء والاضطراب يعصف بكيانه، وقف يراقب الحكيم وهو يباشر طقوس الفحص بهدوء حذر، يسكب الماء الدافئ ويرقب تفاعل العروق النافرة التي تشعبت على وجه لينا
Read more

الفصل الخامس عشر

وصلت إيزميرا إلى آخر الكهف بعد أن اختارت الطريق الأيمن، حيث ابتلع الظلام ضوء شعلتها، ليحلّ صمت لم يقطعه سوى رنين معدني خافت، تبعه وقع خطواتٍ بطيئة ومنتظمة تقترب.استلت خنجرها بحركة سريعة، ونبست بتعويذة "الامتداد والنور"، ونطقت بصوت عال مستجمعة شجاعتها:- ساينروس.لكنّ النصل ظلّ مكانه صغير وبارد عوض أن يكبر ويشتعل نورا.ارتبكت إيزميرا فقد بدا لها أن المكان من حولها يبدو وكأنه ثقب يلتهم التعاويذ قبل النطق بها.ولم تكن إلا هنيهة، حتى انبثقت من العدم -خلفها تماما- أطيافٌ أرجوانية. كانت كيانات بلا ملامح، تحاكي هيئة البشر في جذوعها، لكنها بلا أطراف، تطفو كدخان غليظ في هواء الكهف.ارتعدت فرائص إيزميرا، وشعرت ببرودة تسري في نخاعها. وفي لحظة يأس، استدعت بقايا إرادتها لتطلق تعاويذ مُحرّمة، لكن شيئا لم يحدث.تصبّب عرق غزير على جبينها، واشتعل جسدها بحرارة القلق، بينما أطبقت شفتاها في صمت مطبق، عاجزة حتى عن الصراخ.اندفعت الأطياف نحوها بحدة، فرفعت إيزميرا يديها لتحمي وجهها في حركة دفاعية.وفي تلك اللحظة التي أغمضت فيها عينيها، حدث ما لم تكن تتوقعه: انبثقت من أجساد الأطياف أيدٍ طويلة، نحيلة، وبا
Read more

الفصل السادس عشر

ارتسم على ملامح بنجامين الغضب المكتوم والانزعاج، وكأن خلف صمته بركانا يوشك على الانفجار، ظلّ على الأرض، جالسا ببرودٍ ينمّ عن عدم اكتراثٍ تام لنظرات إيزميرا التي كانت تخترقه بشكٍّ مرير؛ نظراتٌ لم تعد ترى فيه مجرد مساعد مبتديء يحاول أن يفهم، بل شيئا ما تريد معرفة سره بشدة.في هذه اللحظة، عادت بها الذاكرة إلى يوم لقائهما الأول في "مقهى السحر"؛ ذلك المكان الصاخب الذي يضج بسحرة من كل صنف.كان الغموض الذي يلف بنجامين هو "الطعم" الذي جذبها، فقبلت به رغم رفض الجميع له. كما كانت في أمسّ الحاجة لمن يسد الفراغ الذي تركه مساعدها الأول الذي سقط ضحية طيش "سديم" و"سارلا" في لحظة غضب دموية.وضعت إيزميرا يدها على ذقنها، غارقة في التفكير بشأن الرسالة التي عثرت عليها في جيبه، وتساءلت في نفسها:من تراه أرسل له ذلك التحذير؟ ومن يكون بنجامين هذا؟ أهو مسخ، أم من جن الماء البارعين في التنكر والذين لا يكشفهم إلا ذو خبرة بعد تدقيق؟ أم تراه من نسل أحد الشياطين الستة؟حيرها أمره تماما، وبدأ الخوف يتسلل إليها من أن يفوت الأوان وهي ما تزال تبحث عن حقيقته، لكنها قررت فجأة تأجيل هذا الملف؛ فابنتها هي الأولوية الآن،
Read more

الفصل السابع عشر

كانت سماء مملكة النار تتوهج بحمرة بسبب المشاعل الضخمة التي أوقدت فوق كل برج وسور، وفي كل الأقاليم، وكأن المملكة كلها تعلن فخرها للنار.اليوم هو "يوم النار"، الذكرى التي لا تموت في عروق أبناء المملكة، في الساحات تعالت الضحكات واصطدمت الأقداح بقوة.انتصب المحاربون القدامى في أماكنهم كأشجار معمرة ضربت جذورها في عمق الأرض، يلتف حولهم الأحفاد بعيون يملؤها الذهول، ومن خلفهم احتشد أبناء المملكة القادمون من شتى الأقاليم، يرهفون السمع لسيرة القائد المغوار "غراغورا".انبعث صوت المحاربين مثقلا بذكريات المعارك، يروون الحكاية من فصولها الأولى؛ كيف استدرجهم العدو ببراعة نحو قمم الجليد القاسية في مملكة الثلج الشرقية.استغل الخصم نيران غضبهم المشتعلة ليقيدهم في فخ من الصقيع، منهكا أجسادهم في برد لا يرحم، حيث كانت الرياح تعصف بالقوة قبل أن تعصف بالأبدان.كانت الهزيمة وشيكة، لولا دهاء غراغورا الذي نصب فخ الممر الجبلي. تظاهر بالانسحاب ليلا من هذا الممر الضيق، وقسم جنوده لثلاث فرق؛ فرقة في القلب الطريق كطعم يغري العدو، وفرقتان تتربصان خلف الصخور.حين دخل جيش الثلج الممر من الجهتين - معتقدين أنهم يحاصر
Read more

الفصل الثامن عشر

خلف منصة التحضير في مقهاها المزدحم، كانت رهام تتحرك بخفة ونشاط، ملامحها تشع بالرضا وهي تراقب تدافع الزبائن، فالمكان لم يكن هكذا دائما. قبل سنوات، كاد المقهى أن يهجر تماما بعد رحيل والدها، صاحب المكان الأصلي، الذي غابت بوفاته أسرار ومزايا كثيرة كان ينفرد بها.لكن المشهد اليوم تغير كليا، فأصبح المقهى يعج بجمهور غريب من البشر، وحتى بعض الأطياف التي لا تنتمي لعالم الإنس، هذا التحول الجذري بدأ حين وطئت قدم المعلم "ليث" عتبة المكان، وهو الساحر الذي يهابه الجميع ويلقبونه بـ "بنسروك".تذوق بنسروك القهوة بتمعن، ثم أثنى أمام الملأ على مهارتها في الإعداد وعلى النظام السحري الذي تتبعه في إدارة المكان. كانت تلك الكلمات كافية لتجعل صيت المقهى يذيع في كل مكان، ومنذ ذلك اليوم، صار المقصد الأول لكل من يبحث عن التميز والهدوء وسط هذا الجمع المتنوع.تمسك رهام بمذكرتها السحرية، تلك التي تظهر الكلمات على صفحاتها بمجرد أن ينطق الزبائن بطلباتهم. وجهت نظرها نحو الأعلى لتتأمل الإضاءة الخافتة المنبعثة من فتحات في السقف، وهي أنوار سحرية تتبدل شدتها بأمر من رهام، وقد اختارت اليوم تهدئة السطوع تلبية لرغبة الح
Read more

الفصل التاسع عشر

وقف بلانو، الرفيق الدائم لسديم في كل حروبه، وعيناه تراقب بصرامة مدخل البيت الخشبي، بينما كان صدى أوامر الملك لا يزال يتردد في ذهنه بوضوح. لقد تلقى تكليفا مباشرا بإحضار سديم وقتل لينا، ورغم أن فكرة الغدر بصديقه أو إزهاق روح إنسية ضعيفة كانت تثقل كاهله وتؤرق ضميره، إلا أن ولاءه المطلق للملك كان يطغى في النهاية على كل مشاعره الشخصية.سحب بلانو نفسا عميقا من هواء الغابة الرطب ليجمع شتات قوته، ثم تقدم بخطوات واثقة وثقيلة نحو الجسر الخشبي البسيط، فصار وقع أقدامه يحدث صوتا منتظما يتردد صداه فوق الخشب، ممتزجا بضجيج الماء المندفع من تحت الجسر.وصل إلى الباب، مد يده ليفتحه، لكنه شعر بلسعة قوية سرت في جسده، وكأن هواء باردا تجمد فجأة ليمنعه من التقدم؛ لقد كان السحر المحكم يحيط بالبيت، ولم تستطع حتى تعويذته الوحيدة القديمة أن تفتح الباب، فتمتم في نفسه وهو ينظر إلى الجدران الخشبية الصلبة، والمحصنة بالسحر:- كيف سأدخل الآن؟بدأ جسد سديم في الداخل يمر بتحول مؤلم؛ بدأ يلين ويصبح رخوا كالهلام، وشعر بحرارة تخرج من مسامه وهو يتعرق بغزارة، بينما كان لونه يتبدل ببطء نحو الرمادي الشاحب. انقبضت ملامح وجهه
Read more

الفصل العشرون

توقف بلانو عن السير عندما سمع صوتا يناديه، فالتفت إلى الوراء وإمارات الانزعاج ما زالت واضحة على وجهه. وقع بصره على جارج، فتأفف بضيق وقال في سره: - ليس وقتك يا جارج.انتظر بلانو حتى اقترب جارج منه، ثم بادر بالحديث قائلا بنبرة حادة:- ماذا تريد؟ فأنا مستعجل جدا.بدا القلق على ملامح جارج وهو يسأل بتتابع:- هل وجدت سديم؟ قيل لي أنه ذهب مع لينا؟ أين هو الآن؟ وماذا يفعل؟ ولماذا ذهب أصلا؟تنهد بلانو بعمق، وحاول ترتيب أفكاره قبل أن يخبر جارج بكل التفاصيل التي مر بها سديم مؤخرا، ومع كل كلمة كان ينطق بها بلانو، كانت عينا جارج تتسعان من أثر الذهول، وشعر باضطراب شديد في قلبه عندما أدرك حجم المخاطر التي واجهها صديقه دون أن يكون هو بجانبه ليسانده.سأل جارج على وجه السرعة عن مكان سديم الحالي، فهز بلانو رأسه وقال:- في الحقيقة، لم أجده بعد، ولكن لدي شكوك قوية أن إيزميرا تخفيه في مكان ما، رغم أني لست متأكدا تماما من ذلك.ترك جارج صديقه بلانو واقفا في مكانه، يغرق في تفكيره حول كيفية إخبار الملك بأن ابنه ليس موجودا عند إيزميرا، واتجه مسرعا نحو بيت تلك المرأة، وقلبه يتمنى من الداخل أن يجد سديم هناك بخير
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status