تكاثفت السحب في السماء كغطاء رمادي ثقيل، غيّب ضوء الشمس حتى صار النهار باهتا وساكنا، لينعكس هذا السكون في الخارج على حركة الرياح الباردة وهي تداعب أغصان الأشجار الجافة، فتجعلها تتمايل يمينا وشمالا برقة مفرطة، وكأن الطبيعة كلها تتهيأ لهطول مطرٍ طويل لا ينقطع. ومع تزايد هذا الشعور بالانعزال، آثرت لينا البقاء في غرفتها، مفضلة دفء سكينتها على صخب الجامعة.استلقت على فراشها تراقب النافذة في صمتٍ مطبق، تاركة لنفسها حرية الغرق في لجّة الأحداث الأخيرة التي بدّلت موازين حياتها تماما. ومع أولى زخات المطر التي بدأت تنقر الزجاج برتابة رقيقة، انتبهت حواسها لذلك الصوت الذي ما لبث أن استحال إلى انهمارٍ كثيف يغسل وجه النافذة. ومع تعالي رائحة الأرض المبتلة، انبعثت في مخيلتها صورة ذلك الصديق الغامض؛ وكأن المطر لم يأتِ ليروي الأرض فحسب، بل ليوقظ طيفه الذي اقتحم حياتها مؤخرا وأعاد صياغة تفاصيلها.كانت طباعه تتركها في حيرة لا تنتهي، ففي أحيان كثيرة، يجلس بجانبها على مقاعد الدراسة، ويسترسل في شرح أفكار فلسفية عميقة وغامضة، تبدو لها وكأنها قادمة من عالم آخر لا صلة له بواقعها، لكنه فجأة، وبشكل يثير دهشتها،
Last Updated : 2026-03-14 Read more