All Chapters of ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم : Chapter 1 - Chapter 9

9 Chapters

الفصل الأول

تكاثفت السحب في السماء كغطاء رمادي ثقيل، غيّب ضوء الشمس حتى صار النهار باهتا وساكنا، لينعكس هذا السكون في الخارج على حركة الرياح الباردة وهي تداعب أغصان الأشجار الجافة، فتجعلها تتمايل يمينا وشمالا برقة مفرطة، وكأن الطبيعة كلها تتهيأ لهطول مطرٍ طويل لا ينقطع. ومع تزايد هذا الشعور بالانعزال، آثرت لينا البقاء في غرفتها، مفضلة دفء سكينتها على صخب الجامعة.استلقت على فراشها تراقب النافذة في صمتٍ مطبق، تاركة لنفسها حرية الغرق في لجّة الأحداث الأخيرة التي بدّلت موازين حياتها تماما. ومع أولى زخات المطر التي بدأت تنقر الزجاج برتابة رقيقة، انتبهت حواسها لذلك الصوت الذي ما لبث أن استحال إلى انهمارٍ كثيف يغسل وجه النافذة. ومع تعالي رائحة الأرض المبتلة، انبعثت في مخيلتها صورة ذلك الصديق الغامض؛ وكأن المطر لم يأتِ ليروي الأرض فحسب، بل ليوقظ طيفه الذي اقتحم حياتها مؤخرا وأعاد صياغة تفاصيلها.كانت طباعه تتركها في حيرة لا تنتهي، ففي أحيان كثيرة، يجلس بجانبها على مقاعد الدراسة، ويسترسل في شرح أفكار فلسفية عميقة وغامضة، تبدو لها وكأنها قادمة من عالم آخر لا صلة له بواقعها، لكنه فجأة، وبشكل يثير دهشتها،
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل الثاني

فتحت لينا جفنيها ببطء، فباغتها وهج الشمس وهو ينسكب فوق الكثبان الرملية التي لا تنتهي، كأنها بحر ذهبي يمتد ليذوب في أفق السماء الباهت. ساد الصمت من حولها، ولم يقطعه إلا صوت أنفاسها المرتجفة، حاولت أن تستعيد ما جرى، لكن آخر ما تتذكره كان وجه صديقها، ثم ظلاما يبتلع كل شيء. وقفت لينا ونفضت عنها رمال الصحراء، ثم شعرت بوخزٍ غريب سرى في عمودها الفقري؛ كأنَّ نسمة جليدية لامست عنقها، التفتت بذعر، فتجمدت ملامحها وتيبست الكلمات على شفتيها المرتجفتين أمام ذاك الوجه الذي تعرفه جيدا.كان سديم يقف هناك، بذات الهدوء الذي اعتادته، وابتسامته التي كانت يوما مرفأ أمانها، يلوح بيده بتمهل وكأنه كان ينتظر قدومها منذ فترة:- لينا.. أهلا بكِ.خرجت حروفها مخنوقة، تتصارع مع دهشتها: - سديم؟ ما الذي تفعله هنا؟ كيف... كيف لحقت بي؟ هل أنت فعلا.توقفت الكلمات عند طرف لسانها، وتلاشت الحروف التي كانت توشك على النطق بها لتترك خلفها صمتا مفاجئا ومطبقا.شعرت ببرودة تسري في أطراف أصابعها، وفي تلك الفجوة من الصمت، دوت كلمات الشيخ العجوز داخل رأسها، كأجراس ضخمة يتردد صداها في أروقة وعيها، هازّة كيانها من الداخل:- سيكون
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل الثالث

عجز سديم عن وصف ذلك الوخز الحارق الذي كان ينهش نياط قلبه كلما وقعت عيناه على لينا، وتساءل بحيرة: - هل كان هذا وخز الذنب لأنه يقودها بيده نحو خطر قد يسحق روحها الرقيقة، أم أنها مرارة الخيانة لثقة منحتها له؟كانت مشيته بخطوات الهويناء تحرق أعصاب روحه، فتمنى في أعماقه لو يسرع الخطى لعل سرعة الحركة تخفف وطأة الألم الذي يعتصر صدره، ومضى يتساءل بحيرة مريرة تفتك به:- هل أجازف وأخبرها الحقيقة الآن؟ لا، قد لا تستمع لي أبدا، بل ربما ترفض مساعدتي وتوليني ظهرها. كيف أجرؤ على إخبارها أن الطريق الذي نسلكه لا ينفعها في شيء، بل هو طريق ممهد لمصلحتي أنا وحدي؟واصل سديم معاتبة نفسه بمرارة لاذعة، وشعر بضيق في تنفسه كأن هواء الغابة قد نضب، فحدث نفسه بصوت بمرارة مكتومة:- كيف لي أن أخدع نفسا تؤمن يقينا بأني ملاذها وصديقها الصدوق؟ كيف تسير خلفي بهذا الهدوء وهي لا تدري أن كل خطوة تخطوها قد تقربها من طريق لا تنجو منه.كانت ملامح وجهه تضطرب كلما التقت نظراتهما، فيشيح بصرة بعيدا نحو عتمة الأشجار، محاولا إخفاء ذلك الصراع الذي يعصف بكيانه، بينما كان قلبه يرتجف خلف ضلوعه كعصفور سجين، يدرك أن حريته ثمنها غدر لا
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل الرابع

كان القمر الخجول الذي طل بين الفجوات وأنار عتمتهم، قد غاب تماما خلف جدار من رؤوس الأشجار الكثيفة؛ تتشابك أغصانها مع بعضها بعض كأصابع يد عملاقة، تسد عليهم منافذ النور، وتتركهم في أحضان العتمة القاتمة التي تشتد ببطء.لم يعد أمامهم سوى تلك الفوهة السوداء التي خلفها غياب الضوء؛ هوة سحيقة وممتدة إلى ما لا نهاية، لم يبقى أي شيء من مصادر النور، حتى الفراشات المضيئة، تلك الرفيقة التي كانت تؤنس وحشة "لينا"، دبلت حركتها واحدة تلو الأخرى، كفّت عن رقصاتها المتعرجة، وبدأ نورها الشاحب يخبو ويتلاشى شيئا فشيئا في بحر الظلمة حتى ذاب واختفى.ومع انطفاء آخر ومضة، شعرت "لينا" ببرودة تسري في أوصالها؛ لقد انقطع خيط الأمل الأخير الذي كانت تتشبث به، تاركا إياها وحيدة في مواجهة عقلها، الذي بدأ ينسج من العتمة تصورات مرعبة، وأشباحا لا وجود لها إلا في زوايا مخيلتها المضطربة.التفتت حولها بذعر، وأنفاسها المضطربة تخرج متقطعة، وبصوت عال، كانت تبحث عن أي شيء، أي علامة على النور، حتى لو كانت عيون تلك الظلال الغامضة الرابضة خلف الجذوع.شعر سديم وصديقاه باقترابهم من قلب الغابة حين اختفت الفراشات وانسحبت الظلال الحارسة،
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل الخامس

لم تنبس سارلا بكلمة، بيد أن صدرها ضاق بلفح الغيرة، واجتاحها خوفٌ مر؛ كأنما تخشى فقدان ذاك الحلم الذي لم يكتمل. لم تر سديم بهذا الحال من قبل؛ وريثُ مملكة النار" والمحاربُ الذي لا يُقهر، يبدو الآن أمامها واهنا وضائعا بشكل لم تألفه. وتقاطعت نظراتها مع جارج في يقين صامت: - إن سديم لا يعامل لينا كغريبة جاءت لتنفذ مهمة إنقاذ بمقابل كما سبق وأخبرهم، بل ثمّة خيطٌ خفيّ يربطه بها، لأنه يعاملها باحترام وتقدير ويخاف عليها. عجزت سارلا عن تفسير هذا التحول المريب؛ كيف لعدائهِ المعلن للبشر واستهزائه المعهود بهم أن يتحولا فجأة إلى هذا القلق المفرط؟ ولكنَّ الهدوء غزا ملامحها حين طرأ لها خاطر وجدته ملاذا لنفسها، فارتسمت على ثغرها ابتسامة خافتة وهي تهمس لقلبها: - ربما هو مجرد قناع، لعل سديم يخشى ضياع فرصته الأخيرة في استعادة قوته، فيتظاهر بالودِّ ليضمن بقاءها. ألم ينهر جارج وأمره بالصمت؟ بل وادعى كذبا أن حمايتها كانت أمرا من الشيخ؟ نعم إنه يمثل لا أكثر. تنفسَت سارلا الصعداء، وشعرت وكأنَّ حملا قد انزاح عن صدرها، فأردفت قائلة: - ما دام اهتمام سديم بلينا ليس إلا مناورة ذكية لاستعادة قوته، فهذا ي
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل السادس

والآن، ها هي لِينا تجلسُ فوق الأرض، ترمق سديم وسارلا بنظرات صامتة، بينما كان عقلُها يغلي من الارتباك، ويزورهُ الشكُّ بَين الفينة والأخرى.كانت تلك الهمسات الخافتة المتبادلة بين الصديقين، والانزعاج الجليّ الذي ارتسم على سِحنتيهما، هو ما دفعها لتسأل نفسها بحزن:-ماذا لو كنتُ أمضي الآن إلى حيثُ لا عودة لعالمي؟!لقد ألحَّ عليها هذا السؤال أكثر من أيِّ شيء آخر.وما قطعَ رحلةَ شكّها وتساؤلاتِها، وجعل الرعب ينتفض في جسدها، هو ذلك الصوتُ الذي انبعثَ فجأة؛ وقعُ أقدام متسارعةِ الخطى، كأنها وثباتُ أحصنة جامحة، تهرولُ حولهم في حلقة دائرية محكمة.اعتراهم الارتباك جميعا، ومالوا برؤوسهم في كلِّ اتجاه يتربصون بالصوت، الذي كان ينتقلُ بغتة من اليمين إلى اليسار.ظنَّا سارلا وسديم أنّ القناطرَ قد نفذت إلى الغابة، فبهتت وجوههم من الفزع، وهتف سديم بجزع:- أتمنى ألا تكون القناطر، فمواجهتها وحدنا ومن دون سلاح تعني أننا لن نستطيع التغلب عليهم.ردت عليه سارلا بنبرة حازمة:- نعم، اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لنتمكن من الرؤية، ولكن عليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل السابع

لم تكن تعرجات جبهة سديم تنم عن غضب عارم فحسب، بل كانت صدى لمعركة داخلية عنيفة تكاد تنفجر، لكنه لجم ثورته قسرا حين رأى ارتجاف لينا؛ كان عليه أن يرمم شظايا طمأنينتها المكسورة قبل أن تنهار تماما، التفت إليها، وبنبرة حاول أن يحشر فيها هدوءا زائفا، قال:- لا تخافي يا لينا، إنه أخي الأصغر.بعد أن انتهى من كلامه، حثها على التقدم معه، لكن لينا تجمدت مكانها؛ كانت تتوق لمعرفة متى ستنتهي هذه المهمة اللعينة، متى ستخرج من هذا العالم الذي بدأ يطبق على أنفاسها، فسألته بصوتٍ متهدج، عن موعد نهاية هذه الرحلة الموحشة: - متى نصل يا سديم؟! قل لي متى نخرج من هذا الظلام؟تنهد سديم بعمق، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة وباهتة، ورد قائلا:- خطوة واحدة صغيرة ونصل.ترددت لينا لثوان، ثم استجمعت شتات قوتها، وخطت معه نحو المكان المنشود.وفي غمرة سيرهم، كانت سارلا ترصد حركات جلجان بعينين حادتين، كانت تتساءل في نفسها عن الصوت الذي أصدرته عند مجيئه، فإنه يشبه صوت صرير القناطر، ذلك الكائن الذي يجمع في تكوينه بين عقل البشر وضراوة الزواحف. كان الجزء العلوي من جسد القناطر يوحي بجسد بشري، لكن جلده ليس بشريا على الإطلاق،
last updateLast Updated : 2026-03-14
Read more

الفصل الثامن

ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة.كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي.في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء.كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها التي وصفوها بـ "طيبة وستصدق" إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما.لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين شفتيها،
last updateLast Updated : 2026-03-15
Read more

الفصل التاسع

كان المشهد الذي وجده سديم أمامه، مؤلم حد الوجع، شعر برعشة جسده الذي وهن لما رأى جارج وسارلا، فاقدا الوعي، ولا يظهر أي أثر للينا.تجمدت الدماء في عروق سديم وهو يطالع المشهد الماثل أمامه؛ كان الحطام النفسي أشد وطأة من وهن جسده الذي أخذ ينتفض بعنف، حين رأى جارج وسارلا هامدين، بينما خلت الزوايا تماما من أي أثر للينا.انقبض قلبه بشدة، واندفع بجنون نحو سارلا التي بدأت تطلق أنينا واهنا يشي بعودة الوعي إليها. جثا على ركبتيه، وأمسك وجهها بين كفيه الباردتين، محاولا استحثاثها على النهوض، بينما خرج صوته متهدجا مخنوقا وهو يسأل:سارلا.. أرجوك استيقظي! أخبريني ما الذي جرى؟ وأين لينا؟فتحت سارلا جفنيها ببطء، وحاولت استجماع بقايا طاقتها المتبددة وسط أجواء المكان التي ما زالت تحمل بقايا رائحة غريبة من أثر الدخان، ونظرت إلى سديم وأجابت بصوت خافت متقطع:- لا أعلم يا سديم... ظهر شخص مقنع فجأة، ملامحه توحي بأنه بشري، هددنا بكلمات سريعة ثم ألقى شيئا انبعث منه دخان كثيف... شعرت بدوار شديد ثم سقطنا جميعا... لا بد أنه هو من اختطفها.تضاعف خفقان قلب سديم حتى صار يسمع دقاته في أذنيه، لم تحتمل مخيلته فكرة اختفاء
last updateLast Updated : 2026-03-15
Read more
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status