All Chapters of ملوك الظلال، أباطرة العشق والدم : Chapter 1 - Chapter 10

26 Chapters

الفصل الأول

عندما وصلت لينا، كان المنزل قد استحال إلى مكانٍ غريب. الإضاءة خافتة مائلة للصفرة، والهواء غليظ يصعب استنشاقه. استقبلتها سوزان بامتنانٍ يمتزج بالقلق، بينما كان الشيخ يجهز مباخر وأوراقا طلاسمها غير مفهومة. بدأ الشيخ يتمتم بكلمات غير مفهومة وهو يحرك المبخرة، فانتشر دخان كثيف ذو رائحة نفاذة غطى الأرجاء، وطلب من لينا الجلوس في المنتصف، وقال بعينين حادتين: - أغمضي عينيكِ الآن، ولا تفتحيهما مهما حدث، الأتباع سيتولون نقلكِ.. تذكري، هم يشبهوننا، فلا تذعري. أغمضت لينا عينيها، وسرت برودة غريبة في أطرافها رغم حرارة الدخان. وفجأة، أحست بأن الأرض تتلاشى من تحتها، وجسدها صار خفيفا كأن الجاذبية قد تخلت عنه. وفي تلك اللحظة التي اختلط فيها الواقع بالوهم، سمعت صوتا مألوفا جدا يهمس في أذنها بنبرة دافئة بعثت في روحها قشعريرة هزت كيانها: - لينا!... هذا مستحيل. قاومت لينا لكي لا تفتح عينيها كما طلب الشيخ، ولكنها فشلت، وفتحت عينيها رغما عنها من الصدمة، لأنها سمعت ذلك الصوت الذي تعرفه جيدا. لم تعد في غرفة شيماء، كانت تقف في زقاقٍ طويلا ضيقا لا نهاية له، يغمره ضوء أزرق بارد كأن المكان غارق تحت محيطٍ
Read more

الفصل الثاني

بحثت سوزان في ذهنها عن مخرج لهذا السؤال المباغت، لكن قبل أن تسعفها الكلمات، ارتفع صوت الشيخ ليقطع الصمت قائلاً: - لا نخفي شيئا، ولكن نحن نحتاج إلى روحٍ مخلصة، ونقية، يجمعها بالفتاة رباطٌ لا ينقطع. ابتسمت سوزان، وهزت رأسها موافقة على حديث الشيخ الذي بدا منطقيا ومقنعا في نظرها، ثم أردفت تؤكد قوله: - نعم، وهذه الصفات لا نجدها مجتمعة إلا فيكِ. مال الشيخ بجسده نحوها، وانخفض صوته إلى همسٍ: - حتى أن أردنا شخصا آخر، لا وقت للبحث عن بدائل، الحالة تزداد سوءا مع كل دقة ساعة.. وشيماء قد تفارق الحياة قبل الفجر إن لم يتم الاعتذار. تراجعت لينا بخطوات واهنة، كانت نظراتها الحائرة تتنقل بين الباب الذي يواري صديقتها وبين الوجوه الواقفة أمامها، تبحث عن حقيقة وسط أكوام من الشكوك التي بدأت تنهش روحها. بدا التعب جليا في ذبول عينيها وارتجاف كفيها وهي تحاول لملمة شتات نفسها، وقبل أن تبتعد، خرجت كلماتها باهتة، كأنها تلقي بآخر ما تملك من طاقة قبل أن يستسلم قلبها لثقل الحيرة: - سأعود الليلة. غادرت لينا المنزل بقلبٍ ينهشه التردد؛ كانت مدفوعةً برغبةٍ عميقة في تكفير ذنبها تجاه شيماء ومحو أثر الخلا
Read more

الفصل الثالث

مشى سديم بخطى واثقة تشق صمت الغابة المهيب، وخلفه كانت لينا تقتفي أثره، موزعة نظراتها بين الطريق المتعرج تحت قدميها، وظهر سديم الذي بدا في هذه العتمة كجزء من تضاريس المكان، في تلك اللحظات، بدأت ذاكرتها تستدعي صورا قديمة؛ كلماته الدافئة، تشجيعه المستمر، وطيبته التي لم تكن تفارق ملامحه. قفز إلى مخيلتها ذلك اليوم البعيد بين رفوف المكتبة الغارقة في السكون، حين باح لها بهويته الحقيقية. تذكرت كيف ضحكت يومها من أعماق قلبها، معتبرة حديثه مجرد "مزحة ثقيلة" أو خيال شاعر. لكن الآن، وسط هذا الصمت الذي يبتلع الأصوات ويحبس الأنفاس، اعترفت لنفسها بمرارة لم تذقها من قبل: - فعلا، لم يكن يكذب أبدا... بل أنا من أوصدت أبواب عقلي عن تصديقه لفرط الغرابة. قطع سديم حبل أفكارها حين التفت بنصف وجه، فبدت حدة ملامحه تحت ضياء الغابة الخافت كأنها منحوتة من صخر غامض، وقال بنبرة هادئة: - يا لينا، هذه الغابة جزء من عالمي، وأكثر بقاعه عصيّة على الفهم، ستجدين هنا الجمال في أبهى صوره، والجنون في أقسى تجلياته، لا تخافي، فطالما أن ظلي يلامس ظلك، فلن يجرؤ شيء على مساسك. ابتسمت لينا رغما عنها، وشعرت بدفء غريب يسري في أ
Read more

الفصل الرابع

وفجأة، انطفأ بريق عيني سديم وكأن سراجا قد هَمَد، وفي المقابل اشتعلت أجنحة الفراشات من جديد بضوء أصفر وهّاج، تنثر خلفها غباراونورانيارشقّ عتمة الغابة، مكونا ما يشبه العاصفة رملية مضيئة. لكن ذلك البريق الساحر لم يفلح في تهدئة روع لينا، ولا حتى روع سديم؛ فهو يدرك تماما أن اشتعال ضوء الفراشات بعد انطفأ مفاجئ ليس إلا إنذارا صامتا بخطرٍ داهم يزحف نحوهما من قلب المجهول. لم يستطع سديم، برغم خبرته بعالم الغابة، أن يتبين مصدر ذلك الصوت المبحوح الذي تردد في الأرجاء؛ هل هو غدرٌ من الجن؟ أم من "القناطر" المتربصة؟ أم لعله ساحرٌ شرير يريد أن الخناق عليهما؟ تمزق السكون تحت وطأة خطواتٍ سريعة ومضطربة، فتجمد سديم لثوانٍ بدت كالأزل، قبل أن يندفع بجسده الفارع ليقف حائلا بين لينا ومصدر الصوت، متخذا وضعية الدفاع، وحين شعر بارتعاش يديها الذي انتقل إليه كتيارٍ كهربائي، همس بنبرةٍ حاول أن يحشد فيها كل طمأنينة العالم: - لا تقلقي.. أنا معكِ. تضاعف صخب الخطوات، وبدأت أشباحٌ مجهولة تلوح من بعيد وسط الظلال المتداخلة، فتشنجت عضلات كتفي سديم وهو يحدق في المجهول القادم، ودارت في عقله أمنيةٌ يائسة: - أتمنى أن يك
Read more

الفصل الخامس

تسمّر سديم في مكانه حين اخترق مسمعه صوت ارتطام مكتوم، وتدفق الدم الحار في عروقه بقوة آلمت صدغيه، عندما لم يجد لينا خلفه، فصاح بنبرة شرخت صمت الغابة: - لينا! تحسس الفراغ خلفه بجنون، فلم يجد سوى العدم، لم يسمع حفيف ثيابها ولا أنين أنفاسها، انتفض جسده برعشة هستيرية، وبدأ يتخبط في العتمة، ويمد يديه كغريق يبحث عن حبل نجاة: - لينا! أين أنتِ؟ أجيبيني! توقفي عن العبث.. هذا ليس وقتا للمزاح! كانت الغابة تبتلع صرخاته ببرود، وجسد لينا الملقى قد صار جزءا من سواد التربة، بعيدا عن متناول يديه. في تلك الأثناء، وقف جارج وسارلا يشاهدان انهيار سديم، قدح مشهد بحثه المستميت شرارة في ذاكرة سارلا، فارتجفت يداها وهي تضرب كفا بكف وتمتمت بصوت مخنوق: - يا لغفلتي! كيف فاتني هذا؟ البشر لا يملكون عيونا تبصر في هذا السواد، وحتى سديم.. بجسده البشري هذا، صار ضريرا مثلهم. استلت من جيبها غصنا خشبيا قصيرا، ورفعته أمام وجهها بتركيز عالٍ، وبدأت تتمتم بكلمات غامضة، حروفها متشابكة كطلاسم قديمة. وفجأة، انشق رداء الليل عن وهج ساطع؛ اشتعل رأس الغصن بلهب ذهبي مقدس، وأضاء الطريق أمامهم. أبصر سديم لينا ملقاة وسط الدرب، ف
Read more

الفصل السادس

قالت سارلا بنبرة حازمة لسديم: - اسمع.. سآخذُ العصا من جارج، وسأجعل شعلتها أكبر من هذه لتتمكن أنت من الرؤية، وعليك البقاء بجانب جارج، فجسدك هذا سيتأذى بشدة لو وصلوا إليك. - حسنا. اندفعت سارلا نحو جارج وانتزعت العصا من يده، بينما تحولت تمتماتها إلى أزيزٍ سحري متصل، فاستشاط لهب العصا وتفجّر ضياءً رمى بظلالٍ مضطربة فوق الأديم. راحت تُلوح بالشعلة يمينا ويسارا، ترسم دوائر قانية من نار، في محاولة يائسة لاقتناص هوية ذلك القابع في الخفاء، والذي يتلاعب بأعصابهم بخبث. أما لينا، فقد تجمّد الدم في عروقها واستسلمت لشللٍ مفاجئ؛ زاغت عيناها في الفراغ الرمادي الموحش، تحاول اختراق جدار الظلمة الذي يلتف فيه الوحش، لكن الرؤية خذلتها، فلم تبصر سوى جذوع الأشجار السوداء التي انتصبت حولهم كقضبان سجنٍ كبير. التفتت ببطء نحو سديم، وبعينين عسليتين عكستا وهج النار، همست بصوتٍ مخنوق: - سديم... أرجوك. تناهى صوتها الواهن إلى مسامع سديم، فانتشله من ذهوله ومثل أمامها في لمح البصر. مدّ يديه القويتين لينهضها، ثم جعل من قامته العريضة درعا حصينا يحميها، واجما في العتمة بترقبٍ شرس وعضلات كتفيه مشدودة كوتر قو
Read more

الفصل السابع

انفجر سديم وانقضّ محاولا الإمساك بجلجان، لكن الأخير كان كالشبح؛ قفز بعيدا بخفة، ثم صرخ من مسافة آمنة بعيد عن متناول يدي أخاه: - أنا آسف! جئتُ فقط لأخبرك أن أبي يبحث عنك... إلى اللقاء! زمجر سديم بنبرة مكتومة وهو يحدق في الفراغ الذي خلفه أخوه: - جلجان أيها التافه، سأريك حين نلتقي. ثم التفت إلى لينا، محاولا لملمة شتات الموقف بكلمات مرتبكة: - أخي يتعمد الكذب دائما، إنه يستمتع بإلقاء الكلمات المسمومة، أرجوكِ، لا تصدقي شيئا مما قاله. لكن لينا لم تنبس ببنت شفة؛ فقد استوطن الخوف أعماقها، ورغم أنها واصلت السير معه، مجبرة قدميها على الحراك، إلا أن وقع كلمات جلجان ظل يتردد في أذنيها، ولكن ليس باليد حيلة فسديم ومن معه أرحم من السواد الذي خلفهم. ما إن دخلوا إلى المكان المنشود، وقفت لينا مبهوتة، وقد اتسع سواد عينيها بذهول ألجم لسانها؛ فقد انقشعت غلالة الأغصان لتكشف عن "الشجرة الأم"، التي بدت وكأنها حلم منسوج من الضوء، كانت ضخمة بشكل مهيب، يرتفع جذعها الضارب في القدم كعمود من الرخام، تتخلله عروق ذهبية تنبض بضوء خافت يتدفق ببطء نحو الأعلى، كأنها دماء من نور تسري في جسد عملاق. رفعت لينا بصرها ل
Read more

الفصل الثامن

ظل سديم متسمرا في موضعه، وتنهشه حيرة مريرة. كان يعلم يقينا ما يتوجب عليه فعله في اللحظة التالية، غير أن أطرافه خانته وبدا جسده وكأنه يقاوم أوامر عقله، أمال رأسه إلى الخلف قليلا، شاخصا ببصره نحو السماء لثوان معدودة، وعندما شعر بضغط الوقت يداهمه، حدق إلى عيني لينا مباشرة، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة. بدأت الدموع تتجمع ببطء في محجر عينيه الخضراوين، وفي تلك الأثناء، انتشرت حرارة مفاجئة في عروق جسده البشري؛ هذا الجسد الذي بات يشعر بثقله، ويدرك أنه قد يتخلى عنه اليوم وبشكل نهائي. في تلك اللحظة القاسية، تدافعت إلى ذهنه تفاصيل الخطة التي وضعها مع شيماء تتصدر ذاكرته من جديد كانت الخطة تهدف في جوهرها إلى جر صديقتها إلى دهاليز حرب نفسية لا ترحم، حرب تعمل على تجميد عقلها واستنزاف قواها، لتقودها في نهاية المطاف نحو اتخاذ قرارات كفيلة بتدمير حياتها تماما. لم يدر بخلده يوما أن تكون تلك الضحية المستهدفة هي لينا ذاتها، أطبق بأسنانه على شفته السفلى بقوة، وشعر بمرارة الندم تملأ حلقه لأنه كان السبب في دفعها نحو هذا المسار المظلم، هو الذي كان يقف صامتا ومقدرا لكل كلمة تخرج من بين ش
Read more

الفصل التاسع

شعرت إيزميرا بوخزة حادة من تأنيب الضمير تنهش صدرها، مالت بجسدها إلى الأمام واتخذت قرارها أخيرا، وهمت بالتحرك لتنهي هذا العبث المستمر، ولتنقد الإنسية أيضا، ولكن الأوان قد فات فعلا. لقد نفذ سديم الطقس، مرر السكين ببطء فوق يد تلك الإنسية، وما إن لامست قطرات دمها القانية ماء البركة الساكن، حتى بدأت قوة غاشمة تسحب دماءها وقوتها بعنف شديد، وكأنها مغناطيس، مما أدى بعد هنهية من سقوط لينا غائبة عن الوعي. تحول لون البركة في لحظة خاطفة إلى الأحمر القاني، وانعكس ذلك اللون القاتم على أوراق الشجر المتلألئة لتكتسي هي الأخرى بحمرة دامية. حينها أخرج سديم تنهيدة طويلة ومثقلة بالهموم، ثم أدار وجهه نحو جارج وقال بنبرة صارمة: - جارج، اعتني بلينا.. وفور خروجي من البركة سنأخذها بسرعة مباشرة إلى الساحر "جيفري" ليعالجها، هذا رجائي الأخير منك يا جارج. في تلك الأثناء، أحمر وجه سارلا من شدة الغضب، وشحب لون بشرتها وهي تراقب هذا الضعف الذي حل بسديم، بينما ارتسمت على ثغر جارج ابتسامة هادئة؛ فقد كان يرى في تلك اللحظة ولادة روح جديدة في جسد صديقه القديم، فهز رأسه علامة على الموافقة وقطع وعدا صادقا بحماي
Read more

الفصل العاشر

شحب لون لينا تماما، وسرت في أطرافها رعشة باردة وهي تتبادل النظرات مع جارج وسارلا الذي امتقع وجوهما، واكتست ملامحهما بغضب عارم ممزوج بارتباك لم يغب عن عينيها، فحاول جارج استجماع شتات نفسه، فصرخ بنبرة عالية شابها تلعثم واضح: - أيها الكاذب! بل دخل ليجلب الملك.. ولن.. ولن نكذب على أحد! أجابه المقنع بصوت هادئ ومستفز: - يعجبني إصرارك على الكذب يا جارج، رغم أنك تمقته في أعماقك... تفعل كل هذا فقط للحفاظ على وهم تسمونه الصداقة... سلمني الفتاة وأنهِ هذا العبث. تزلزلت ثقة جارج، وحدق في لينا التي كانت تقف بجانبه بمشاعر مختلطة؛ تجاذبته الرغبة في التحول وحماية الموقف، وبين الحفاظ على هيئته أمامها، وبينما كان يحاول استشفاف الخطوة التالية من عيني سارلا، باغتهم المجهول بإلقاء كرة صغيرة نحو الأرض. انفجرت الكرة مخلفة دخانا كثيفا حجب الرؤية تماما، ثم سقط جارج مغشيا عليه، وتبعته لينا مباشرة، بينما ظلت سارلا تتخبط في رعبها وسط الضباب الأبيض. ولما بدأ الدخان يتبدد تدريجيا، رأت جارج ممددا بلا حراك، بينما كان المجهول يضع لينا على كتفه، تأملت سارلا وجه الغامض حين أزاح قناعه للحظة خاطفة؛ اتسعت عيناها بذه
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status